ملاحدة على فراش الموت

حجم الخط
14

ثمة حكايات كثيرة عن اهتداء، على فراش المرض أو الاحتضار، إلى عقيدة أخرى مناقضة لتلك التي سار عليها المريض أو المحتضر، سلوكياً أو فكرياً؛ بدافع التوبة ذات الطابع الديني غالباً، الأمر الذي يجعل الكنيسة، في شخص قسّ أو متدين، بمثابة الشاهد على ذلك الاهتداء. قيل هذا عن الأديب الفرنسي لافونتين، صاحب الحكايات اللاذعة الشهيرة؛ والعالِم البريطاني شارلز دارون، الذي ذُكر أنه ندم على تطوير نظريته حول النشوء والارتقاء؛ والمسرحي والروائي والشاعر الإرلندي أوسكار وايلد، وكيف اهتدى إلى الكاثوليكة بعد حياة عابثة لاهية؛ والمفكر والمناضل الإيطالي أنطونيو غرامشي، في أنه اهتدى إلى الكاثوليكية، أيضاً، وفارق الحياة مؤمناً بها؛ والشاعر الأمريكي والاس ستيفنز، الذي طلب أن يُعمّد كاثوليكياً في أواخر أيام حياته…
وثمة، في كلّ حالة تقريباً، رواية مضادة لا تنفي واقعة الاهتداء هذه، فحسب؛ بل تسوق وثائق وأدلة وملابسات تؤكد بقاء «المهتدي» المزعوم على مسلكه الشخصي والفكري والإبداعي والسياسي الذي عُرف به، وتمسكه به. بصدد غرامشي، مثلاً، لا تشير الرواية الحكومية إلى أية شعائر كنسية أو دينية اقترنت برحيل الرجل؛ الذي اعتقله موسوليني طيلة 11 عاماً، ومات في مصحّ تابع للمعتقل. نجل دارون اتهم الليدي هوب، الداعية الإنجيلية وصاحبة حكاية الاهتداء، بتلفيق الحكاية؛ وكذلك فعلت ابنته، التي أكدت أنها كانت قرب أبيها على فراش احتضاره، ولم تكن الليدي هوب حاضرة خلال الفترة التي سبقت رحيله.
أحدث الأمثلة جاءت من الأمريكي لاري أليكس تونتون، وهو بدوره داعية إنجيلي ومؤسس مجموعة مسيحية تبشيرية؛ في كتاب صدر مؤخراً بعنوان «إيمان كريستوفر هتشنز: الروح القلقة للملحد الأبغض سمعة في العالم»، واستُقبل بترحاب واسع النطاق، خاصة في دوائر التديّن الكاثوليكي أو اليمين أو المحافظين الجدد. فصول الكتاب، باختصار شديد، هي تفريغ لقرابة 13 ساعة من الحوارات، جرت بين الكاتب البريطاني ـ الأمريكي الشهير والمؤلف، صديقه خلال السنوات الثلاث الأخيرة من حياته؛ في سيارة تونتون، أثناء سفرهما من واشنطن إلى برمنغهام، ألاباما.
هنا الخلاصة، كما جاءت في الكتاب: «حواراتي الخاصة معه كشفت شخصاً يزن أثمان الاهتداء. أصدقاؤه وزملاؤه الملاحدة، الذين استشعروا غزله مع المسيحية وخافوا أن يهجرهم إلى ذلك العدوّ الكريه مرّة وإلى الأبد، سارعوا إلى إبقائه طيّ الملفّ. ولكي يهدئ من مخاوفهم كان كريستوفر، من جانبه، أكثر اصطخاباً من أيّ وقت مضى. لكن البلاغة اللفظية كانت تخفي حقيقة أنّه إذْ ظلّ يكيل السباب للربّ علانية، فإنه كان يفاوضه في السرّ». ورغم أنّ كارول بلو، زوجة هتشنز، الذي رحل مصاباً بسرطان في المريء، أكدت أنه لم يهتدِ إلى المسيحية البتة؛ فإنّ خلاصة تونتون لم تكن هيّنة على الملاحدة، بصدد أحد أشهر كبارهم، صاحب أعمال مثل «الربّ ليس عظيماً: كيف يسمم الدين كل شيء»، و»الوضع التبشيري: الأمّ تيريزا في النظرية والتطبيق»، و»دليل الملحد: قراءات ضرورية لغير المؤمنين»…
جلاء الأمر رهن بوقائع أخرى، بالطبع، خاصة وأنّ كتابات هتشنز كمثقف عامّ ومعلّق مفوّه وإشكالي، تحرّض على مزيج من الفضول الشعبي العريض، وحسّ التمحيص بغرض الإنصاف، ونزعة الاستقطاب بين فريقين متعارضين، في آن معاً. ففي نهاية المطاف، هذا رجل بدأ عقلاً لامعاً دائم التغريد خارج السرب، وناقداً ثقافياً دائب الانشقاق عن المألوف، ومعلّقاً سياسياً منحازاً إلى القضايا الخاسرة، وكان شريك إدوارد سعيد في الكتاب الشهير «لوم الضحية»؛ لكنّ بعض آخر إسهاماته كانت هذه، على سبيل الأمثلة: مراجعة إيجابية، ومتعاطفة على نحو مفاجئ، لكتاب رديء بعنوان «المعرفة الخطرة»، يكرّسه روبرت إروين للنيل من كتاب «الاستشراق»، ومن سعيد شخصياً؛ ومراجعة لا تقلّ إيجابية وتعاطفاً، لكتاب أقلّ رداءة وسطحية، هو «كافرة» للصومالية ـ الهولندية إيان حرسي علي، تكشف فيه عن شخصية أكثر أصولية، في التعريض الأعمى بالإسلام، من أيّ أصولي يلهج بالدفاع الأعمى عن الإسلام. ولم يكن غريباً أنّ منحنى الانحدار بدأ مع تأييده لقرار الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش بغزو العراق، إذْ بعد قرابة عقدين من الكتابة المتواصلة في مجلة The Nation، أعرق دوريات اليسار الأمريكي والمنبر البارز الذي احتضن كبرى قضايا الانشقاق الفكرية والسياسية في الولايات المتحدة، أعلن هتشنز أنه سيتوقف عن الكتابة في المجلة، بالنظر إلى معارضة هيئة التحرير ومعظم كتّابها لحرب بوش.
وفي الانتظار، لمَن يهمه أمر إيمان هتشنز بالطبع، ثمة دلالة في استعادة أبي العلاء المعرّي: «رأيت الفتى شبّ حتى انتهى/ وما زال يفنى إلى أنْ همدْ/ كمصباح ليلٍ بدا يستنير/ ثم تناقص حتى خمدْ»…

ملاحدة على فراش الموت

صبحي حديدي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية