ملاحظات حادة حول سفينة الوطن التي تكاد تغرق

زيارتي الأخيرة لفلسطين التي استمرت أزيد من شهر كانت أقرب إلى الدراسة الميدانية الاستطلاعية لأوضاع الشعب الفلسطيني المكبل بسلاسل الاحتلال ووكلاء الاحتلال. وقد توصلت إلى مجموعة ملاحظات لاذعة سلبا وإيجابا أود أن أطرحها أمام القراء الكرام كي تكتمل الصورة، بعد مجموعة التقارير والمقالات التي أرسلتها من الوطن.
حملت كاميرتي وطفت في البلاد جنوبا وشمالا، شرقا وغربا والتقيت بالمسؤولين والمواطنين العاديين، زرت المخيمات والقرى المحاصرة، اطلعت على أوضاع القدس وبيت لحم وقلقيلية وسلفيت ونابلس بشكل مفصل، وقابلت العديد من الشخصيات الوطنية، التي لم تساوم ولم تفرط ولم تتأثر بموضة الانفتاح وإطلاق التصريحات التصالحية، والتي قد يفهم منها أنها تنازلات عن أرض لا يجوز التنازل عنها. ألقيت محاضرات عن وضع القضية الفلسطينية في الأمم المتحدة، وأجريت حوارات مع عدد من المثقفين والكتاب والصحافيين والشعراء وأساتذة الجامعات ورجال الأعمال، واستطعت أن أكون صورة واقعية لوضع غير واقعي يعيشه الشعب الفلسطيني الرازح تحت الإحتلال، قديمه وجديده، وأود في في هذه العجالة أن أختتم سلسلة مقالاتي من فلسطين بهذه الملاحظات اللاذعة:
النتيجة التي يصل إليها المتابع للشأن الفلسطيني من الداخل أن سفينة الوطن تسير على غير هدى وبدون بوصلة. لا أحد يعرف إلى أين. سفينة تتلاطمها الأمواج العاتية من كل جانب، فتقذفها يمينا أو شمالا وتدور أحيانا في موقعها بدون تقدم في أي اتجاه. لا أحد يعرف. لا أحد يسأل بإحساس من المسؤولية ونية الإصلاح. لا أحد يجيب عن السؤال إلى أين؟ أو ما هي الأهداف التي نسعى لتحقيقها؟ الجميع خبراء في تشخيص العلل والأمراض السياسية والمجتمعية والاقتصادية، لكن الأمور تسير والحياة تستمر، ويوم ينتهي وتغرب شمسه فينتشر الناس في مقاهي ومطاعم ونوادي المدينة/ الدولة رام الله وكأن الدنيا كلها بخير. اللوم يوزع على السلطة أولا والانقسام ثانيا والاحتلال والدول العربية والفساد والمحسوبيات والتدخلات العربية والأجنبية والناس أنفسهم، لأنهم لا يحترمون قوانين السلطة. ويسأل الناس هل للسفينة ربان أصلا؟ وإن كان موجودا فماذا يفعل وإلى أين يسير بنا؟ فيأتي الرد ومن قال لك إنه يعرف أصلا أين تتجه السفينة به نفسه. ومن قال لك إنه ربان وسلاسل غليظة تربط دفات السفينة من كل جانب، بعضها ظاهر للعيان وبعضها مخفي. فكيف لسفينة مكبلة بالسلاسل أن تنطلق من مكانها بأي اتجاه في ذروة الأنواء العاتية؟
هل من شخص يقدم لي تبريرا منطقيا واحدا لعقد دورة لما تبقى من مجلس وطني مات نصف أعضائه، وخرف بعضهم، وانتهى جزء آخر على الكراسي الطبية، إلا من رحم ربي. والنكتة هنا «يعقد المجلس بمن احتضر». ولم يبق إلا أن نطلق الزغاريد لمن بقوا أحياء وحضروا دورة سنة 1988 في الجزائر، التي شرعنت الاعتراف بإسرائيل تحت «همروجة» ما سمي «إعلان الاستقلال» الذي ما زلنا نبحث عنه كما يبحث أعمى في مغارة مظلمة عن قطة سوداء ليست موجودة أصلا في المغارة (بالإذن من محمد حسنين هيكل صاحب هذا التشبيه). من ممثلي الولايات المتحدة الثمانية الذي انتقوا بناء على ولاءاتهم لا كفاءاتهم، فبعضهم أقرب إلى الأميين، مات منهم سبعة على حد علمي. وشكرت الرب أنني لم أكن واحدا منهم، وإلا لأصبت بعدوى موت أعضاء المجلس الوطني، فآخر مجلس حضرته عام 1983 في دورته السادسة عشرة وقررت بعدها أن أبعد نفسي عن تيار يقود البلاد والعباد إلى كارثة محققة، وهو ما حدث، فعلا ليس لأنني من قارئي الطالع وضاربي الودع، بل لأن كل المقدمات كانت تشير إلى الخواتم الكارثية، حيث سمعت بأذني القائد العام يقول: «إن حلف الناتو بدأ يدرس في كلياته معجزة انتصارنا في بيروت». قلت في نفسي «يا ولد انسحب بهدوء وعد إلى وظيفتك سالما واقرأ ما تيسر من صيحات مظفر «عندما لم يأخذ الحزب شكل الناس تم الطلاق».
هل من هدف من عقد دورة لمجلس لم يبق منه إلا الهيكل العظمي وفي رام الله، تحت حراب الاحتلال إلا نزع ما تبقى من شرعية للمجلس التشريعي، وقد حصلت حركة حماس على أغلبية واضحة، ليس حبا في حماس وأيديولوجيتها، بل نكاية في حزب السلطة وما جرّته أوسلو من كوارث على الشعب الفلسطيني، وفتح الباب واسعا للمهرولين العرب أن يتدفقوا، زرافات ووحدانا، باتجاه تل أبيب بعد أن شرعن صاحب الحق الأساسي حق إسرائيل «في العيش بسلام ضمن حدود آمنة معترف بها بدون تهديد أو عنف أو إرهاب أو تحريض».
الهروب إلى الأمام، هذا ديدن من تبقى من القيادة التي اختصرت الآن في شخص واحد تحيط به مجموعة مريدين ينصاعون لإرادته. أقول هذا همسا فرجالات الأمن الأشاوس قد يكونون خلف الباب. وكما عقد مهرجان أطلق عليه «مؤتمر فتح السابع» رتب بطريقة لتحقيق هدف أساسي هو نزع الشرعية عن التيار الدحلاني، يتم الآن التحضير لمهرحان آخر لاقتلاع التيار الحمساوي من المشهد الفلسطيني وإعلان غزة إقليما متمردا تجوز إعادته للطاعة بالقوة، وإذا لم تتوفر القوة الذاتية فيمكن التعاقد مع قوة خارجية لطحن عظام من تبقى من أطفال غزة، كما يطحن مرتزقة التحالف من تبقى من أطفال اليمن.
وجّه مقرر الأمم المتحدة الخاص بحرية الرأي والتعبير، ديفيد كاي، رسالة إلى السلطة الفلسطينية بخصوص قراراتها العتيدة الجديدة المتعلقة بحرية الرأي تحت مسمى غريب «الجرائم الإلكترونية» التي تسمح للسلطة بإغلاق المواقع الشبكية ومراقبتها وحذفها واعتقال من ينتقد ويحرض ويدين تصرفات أفراد أو تيارات سياسية. ويطالب الخطاب الذي أرسله كاي بمراجعة هذا القانون خلال 60 يوما وإلا! وإلا لا شيء إلا آلية «تسمية وفضح» المنتهكين وكأن السلطة تخشى هذا السلاح الحاد المتعلق بالكرامة الوطنية. لقد أغلقت السلطة نحو 30 موقعا شبكيا بتهم مختلفة، وبدأت الآن تعتقل الناشطين والصحافيين المشاكسين والمدونيين، كان آخرهم وليس أخيرهم صديقا شابا من شيكاغو وصل الوطن لحضور عرس بن عمه، فإذا بدعوة هاتفية تصله للتفضل لشرب فنجان قهوة في مكتب السيد… وإذا بفنجان القهوة يتحول إلى اعتقال استمر ثلاثة أيام، وأفرج عنه بعد أن وصل الأمر للخارجية الأمريكية وصدر بيان قوي بهذا الخصوص من أبناء الجالية الفلسطينية والعربية والمنظمات الأهلية في الولايات المتحدة. والرجل يشرف على موقع لتجميع الجالية العربية والفلسطينية في المهجر. تهمته التي عرضها الضابط عليه «التطاول على المقامات العليا». والشيء المتفق عليه في كافة أنحاء مناطق السلطة أن هامش الحريات يضيق وحرية التعبير تتبخر وحرية الرأي غير متوفرة. وتكاد الأجهزة الأمنية تسيطر على المشهد الإعلامي، بحيث أصبحت الصحف والإذاعات والتلفزيون تدار من قبل السلطة. وقد ذكر صحافي مشهور أنه أعد 12 تقريرا عن الفساد في أجهزة السلطة، لم يجد جريدة يومية واحدة على استعداد أن تنشر أيا منها.
وقد اعتقلت السلطة الفلسطينية سبعة صحافيين مرة واحدة يوم 9 أغسطس ووجهت تهما لخمسة منهم محورها، «تسريب معلومات خطيرة وحساسة لجهات معادية». عذر أقبح من ذنب، إلا إذا اعتبر جهاز المخابرات تسريب المعلومات حكرا عليه أثناء جلسات التنسيق الأمني المستمرة منذ أوسلو، ولم تنقطع حتى لو قيل عكس ذلك. وكانت حركة حماس أيضا قد اعتقلت صحافيا يعمل لدى تلفزيون فلسطين الرسمي لمدة 60 يوما. وعندما أفرجت عنه قامت السلطة الفلسطينية بالإفراج عن الخمسة. وقد نظم الصحافيون مسيرة احتجاج صغيرة ضد اعتقال الصحافيين الخمسة قرب دوار المنارة في رام الله، شاهدتها بنفسي، توجهت إلى المقاطعة لإيصال رسالة احتجاج. ويبدو أن الصراخ في رام الله لم يسمعه أحد، أما صوت ديفيد كاي فبالتأكيد مسموع عالميا.
قد تصاب بالإحباط لتردي الأوضاع في الأرض الفلسطينية المحتلة، وأنت ترى مصادرة الأراضي والاستمرار في الأنشطة الاستيطانية والجدار يتمدد ومداهمات القدس والأقصى لم تتوقف، لكنك تسترد معنوياتك وتعود الثقة بهذا الشعب العظيم، عندما تبتعد قليلا عن الرسميين وتتوجه إلى المناضلين. النتيجة التي تخرج بها بعد جلوسك مع المرابطين قرب بوابات المسجد الأقصى، المصرين على الانتصار ورؤية التصميم في عيونهم و تلمسك لمعنى الكرامة الوطنية التي يمثلونها، ثم ترى مدى التضامن الجماهيري بين أبناء البلد المنكوب أولا وتضامن القرى المجاورة، كما شاهدت ذلك في بلدة كوبر المحاصرة أو في مخيمات اللجوء مثل قلنديا أو في حارات القدس العتيقة، تعود ثقتك بهذا الشعب المناضل الذي ما فتئ يقدم الضحايا من خيرة أبنائه وبناته، ليضمن مستقبلا للأجيال القادمة مساحة الحرية فيه أرحب. الطريق إذن إلى الحرية واضح وإلا سنبقى ندور مع دوران سفينة الوطن حول نفسها.
محاضر في مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة رتغرز بنيوجيرسي

ملاحظات حادة حول سفينة الوطن التي تكاد تغرق

د. عبد الحميد صيام

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية