يُواجَه اتفاق الإطار بين إيران ومجموعة الدول الست بممانعات أربع:
1ـ المحافظون الجمهوريّون داخل الكونغرس الأمريكيّ، تحرّكهم أساساً القناعة «الأيديولوجيّة» بأنّ ادارة الرئيس باراك اوباما تفرّط «بالحقوق الإمبريالية»، والخشية «العملية» من تحرّر إيران من الضائقة المالية التي فرضتها العقوبات والأرصدة المجمّدة، ومن التملّص اللاحق للجمهورية الإسلامية من مندرجات الإتفاق.
2 ـ المحافظون الإيرانيّون – ويبدو أن الوليّ الفقيه أجاز لهم منسوباً معيّناً من انتقاد الإتفاق والفريق المفاوض. عينُ هؤلاء على «المضاعفات السلبية» للإتفاق، إنْ لجهة كساد نصيب غير قليل من البضاعة الأيديولوجية للنظام، أو لجهة الإحباط المشهدي الآتي، عند رؤية قسم من المنشآت والمكتسبات العلمية – التكنولوجية يُدمّر، تحت الرقابة الدولية.
3 ـ المحافظون العرب. والإتفاق يمهّد لوضع إيران في منزلة بين منزلتين. لا هي بالمستوى الاستراتيجي لباكستان والهند شرقها واسرائيل غربها طالما لا تحوز قنابل ذرّية، لكنها ستتمتع بالطاقة النووية بخلاف سائر البلدان العربية من المحيط إلى الخليج، مع أنّ المشروع النووي العراقي كان ذات يوم سبّاقاً، قبل تدميره وتدمير العراق. لكن، المحافظين العرب وبدل الانطلاق من تفاوت «المنازل الاستراتيجية الثلاث» في الاقليم بموجب هذا الاتفاق، فإنّهم ينفعلون بتوجّس أشمل، فيشتكون بشكل أو بآخر بأن واشنطن أخذت تنحاز لإيران على حساب العرب، وللشيعة على حساب السنّة، وهذا التوجّس يجد مثيلاً له ضمن أروقة «الاستبلشمنت» الحاكم في إيران، اذ ارتفع أكثر من صوت جهاراً في الآونة الأخيرة، يعتبر ان الدعم الأمريكي والغربي لتركيا والسعودية، وليس فقط لاسرائيل، هو من العناصر الأساسية للخلاف بين إيران والغرب.
4 ـ المحافظون الاسرائيليون، وهؤلاء يعتبرون أنّهم «نازلوا» باراك اوباما تحت قبّة الكونغرس الأمريكيّ، ثم «انتصروا عليه» في صناديق الاقتراع داخل اسرائيل. عند هؤلاء ان أي جهاز طرد مركزي تمتلكه إيران غير مقبول طالما هي لم تنبذ بعد العدائية تجاه اسرائيل، هذا في حين كان أحد الطلاب الإيرانيين المحافظين معبّراً في سخريته المرّة، حين شكر المفاوضين لأنهم أبقوا لبلاده أجهزة طرد مركزي تكفي لصناعة عصير الجزر.
تضغط هذه الممانعات بإتجاهات مختلفة. من المستبعد أن تتمكّن أيّ منها من اطلاق حركة ارتدادية عن المسار الانفراجي الحاليّ. باستثناء تلك الإيرانية الداخلية، فالمشترك بين الممانعات الأخرى التي يواجهها الاتفاق، أنّ انتقادها له، أو سخريتها منه، مردّها إلى انه لم يخرج عن موضوعيه المترابطين (الطاقة النووية والعقوبات الاقتصادية والمالية)، وعن الشروط العلمية والعملية لعلاج هذين الموضوعين. فلا هو مرتبط بآلية تدريجية للتطبيع الإيراني ـ الغربي، ولا بآلية اقليمية لتهدئة البال بين إيران والعرب، ولا بآلية متطبّعة مع فكرة وجود اسرائيل، رغم أن الاتفاق يكرّس احتكار اسرائيل للسلاح النووي في الشرق الأوسط.
بخلاف الموالين العرب لهم، أظهر المحافظون في إيران سلبية واضحة تجاه الاتفاق، وانما من النوع «المسيطر عليه»: غرض السلبية التقاط فائدة «معادية للامبريالية» ايديولوجياً من ضمن هذا الاتفاق، من نوع، انظروا ايها الإيرانيون، كم ان هذا الغرب مستكبر وظالم، فهو اذ يتهم نظامنا بالظلامية يشترط علينا تدمير عدد كبير من المنجزات العلمية – التكنولوجية والحدّ من تطوّر العلم والبحث العلمي في إيران.
بالتالي، ما سيقتضيه الاتفاق منا، من تضحية بالحق في المعرفة والاكتشاف والابتكار، ينبغي أن ينوّرنا أكثر إلى مغبّة تعليق الآمال على هذا الغرب، أو التفكير في الانفتاح عليه أكثر، ذلك ان الغرب عندما يطلب من بلد الحدّ من تطوّره العلمي انما يدحض بذلك «مزاعمه التنويرية» كغرب.
والحال ان هذا المنطق ليس بكاريكاتيري أبداً. فعلاً، «العناوين التنويرية» للغرب لا يمكن أن تزيل عنها هذا الحرج بالخفّة، عندما تتناقض مع اشاعة المعرفة العلمية التكنولوجية في بلدان العالم الثالث، ومنها إيران، بحجة أنّ هذه البلدان غير راشدة في طريقة استخدامها لهذه المعرفة.
زد على ان الحرج يضاعف اذا ما قابلنا بين نموذجين: الحصار الأمريكي والغربي لإيران لدفعها إلى تقليص معرفتها النووية، في مقابل الضغوط الأمريكية والغربية على الباكستان وبعض البلدان العربية فيما يتعلّق بمناهج التعليم الديني. من هنا، لئن كان الاتفاق سيجعل بعضاً من البضاعة الأيديولوجية للمحافظين الإيرانيين كاسداً، الا أنّه سيزوّدهم ببضاعة أيديولوجية أخرى، يمكن أن تكون أقوى من الزاوية المنطقية، لكن تسويقها الشعبويّ أضعف، ولا يُقارن بشعاراتية «الموت لأمريكا» أو «الموت لاسرائيل». فبعد كل شيء، الاستضعاف لا يمكن أن يكون استكباراً مضاداً، وهذا ما لم يعد بامكان المحافظين داخل إيران المكابرة عليه بالراحة نفسها.
بيد أنّ المكابرة لن تذهب من تلقائها، وهي اليوم مشترك بين هذه الممانعات الأربع أمام الاتفاق النووي، من زاوية ملف آخر: العراق.
وربّما كانت الحرب في اليمن تنسينا بأنّ نموذج السيطرة على تكريت العربية السنية من قبل الميليشيات الشيعية مدعومة بالقصف الجوي الأمريكي، ومتأففة منه في الوقت نفسه، في طريقه لأن يسلك الآن طريق التعاون الإيراني ـ الامريكي ـ الحكومي العراقي ـ الميليشياوي ـ الكردي ـ الرسمي العربي، لـ«الكَبْس» على مدينة الموصل؛ ومن غير الواضح الآن اذا كان اتفاق لوزان سيسرّع مثل هذه المعادلة في الموصل أيضاً، «لنبقى مكابرين ونضرب سوية»، أو أنّه سيوخّرها بعض الشيء.
٭ كاتب لبناني
وسام سعادة