في الأسابيع الماضية مر عليّ مقال لكاتبة يمنية يهودية عن الإسلام والمسلمين، وفي سياق المقال تتحدث عن التشويه الذي يتعرض اليه الإسلام على أيدي أهله.. وأربط هذا المقال بتغريدة لكويتية تقول «وتهت في شوارع مكة أبحث عن الله.. ولم أجده في الحرم» فأخرجها «التكفيريون» من دينها.
وليس مقال الكاتبة اليهودية وتغريدة الكويتية، إلا مدخلا للحديث عن الذين ينصبون أنفسهم حماة للدين وأوصياء عليه، فيصدرون صكوك الغفران لمن شاؤوا ويكفرون من أرادوا، ويطلقون أحكاما وفتاوى يتفننون فيها في تشويه صورة الاسلام والإساءة إليه، وتقديمه بغير صورته الحقيقية، دين محبة وسلام وتسامح ودين تحرير الإنسان لا استعباده واسترقاقه. ويأخذون بتفاهات الأمور وخرافات، الإسلام منها بريء، براءة الذئب من دم يوسف.
المشهد الاول:
نجاة النهاري… الكاتبة اليهودية تقول وهنا سأضطر للاختصار لضيق المساحة:
«كثيرون وجهوا لي الدعوة للتخلي عن معتقدي اليهودي ودخول الإسلام. بعث لي أحد الأصدقاء قصة جميلة عن النبي محمد «ص»، وجار يهودي كان يلحق به الأذى والنبي يصبر عليه. فمرض اليهودي وزاره النبي فخجل اليهودي من أخلاقه ودخل الإسلام… عندما قرأتها فهمت أن تصرفات وأخلاق النبي محمد كانت هي مقياس اليهودي للاعجاب بالاسلام واعتناقه قبل حتى أن يقرأ ما في القرآن.
وتساءلت بيني وبين نفسي: يا ترى بماذا سيغري المسلمون اليوم اليهودي، أو غير اليهودي، لاعتناق الاسلام؟ وتطرح 3 نقاط أساسية:
الأولى: المسلمون اليوم مذاهب متعددة وكل مذهب يعتبر الآخر «كافرا» ويحلل قتله.. فلو أردت – كيهودية- دخول الاسلام فهل أدخله من باب «السنة» أم «الشيعة» أم المذاهب الأخرى؟ وأي منها أعيش فيه بسلام ولا يحلل قتلي أنصار مذاهب الاسلام الأخرى؟
الثانية: المسلمون اليوم يذبحون بعضهم بعضا بطرق بشعة جداً.. وأضيف على كلامها.. حتى المذهب الواحد يعيش أبناءه حالة من الاقتتال، «داعش» و»النصرة».. الاكراد و»داعش» و»النصرة».. الفصائل داخل سوريا ومعظمها سني تتقاتل في ما بينها وتنسى العدو الاساسي الذي أنشئت من أجل محاربته. ولا ننسى الاطراف المتحاربة في ليبيا وكلها سنية وكذلك في مصر.. هذا في المذهب الواحد.. اما بالنسبة للطوائف المختلفة فحدث ولا حرج من لبنان مرورا بسوريا فالعراق الى الكويت فالسعودية والبحرين.
وتتساءل الكاتبة فكيف يقتنع اليهودي بدخول الاسلام إذا وجد المسلم يقتل أخاه بسبب الدين نفسه.
الثالث: عندما دعا النبي محمد الناس للإسلام وعدهم بالحرية والعدل والخلاص من الظلم والجهل والفقر لذلك تبعه الناس، لكن اليوم عندما يدعو المسلمون اليهود وغيرهم لدخول الاسلام بماذا يغرونهم؟
لنكن صريحين وصادقين: فمعظم دولنا العربية الاسلامية يعمها الفقر والجهل والظلم وانتهاكات حقوق الانسان، وتفتقر للتنمية والقوة الاقتصادية، ولولا ذلك لما قامت ثورات الربيع العربي. بينما الدول التي يديرها مسيحيون ويهود ممن يعتبرهم البعض كفارا، أصبحت هي من تغري المسلمين للهجرة إليها والعمل أو العيش فيها.. بل هي من تصنع للمسلمين حتى ملابسهم الداخلية.
صحيح أنا يهودية لكنني أحترم الاسلام، وبدأت أقرأ دراسات عن القرآن وكل يوم تزداد حيرتي أكثر وأبقى أسأل نفسي: لماذا إذن العالم الاسلامي وصل الى هذا الحال، رغم ان لديه دستورا دينيا رائعا ونبيا عظيما.
المشهد الثاني: كويتية سنية
الكويتية ميسون السويدان ابنة طارق السويدان وهو الداعية والباحث والمفكر الإسلامي. كفرها رواد مواقع التواصل الاجتماعي عندما قالت في تغريدة لها :»تهت في شوارع مكة أبحث عن الله.. ولم أجده في الحرم». فردت على مكفريها في تغريدات اخرى «أتظنونني سأسكت عنكم يا مكفّرون؟.. لا والله لن أسكت.. لم أتمسّك بديني كل هذه السنين في الغرب حتى يأتي «مسلمون» ليسلبوني إياه. لقد عدنا والله إلى الجاهلية، أنتم تعذّبون المسلمين بالشتم» كان الكفار يعذبون المسلمين بالضرب والتجويع الخ حتى يخرجوهم من دينهم.. وأنا والله لن أخرج من دين الله ولو كره المكفرون.
وقالت «هذا الدين الذي تدافعون عنه ليس بديني… أنا ديني الإسلام والرحمة، وأنتم دينكم التكفير والنَّقمة.. لم أذهب إلى مكة لأرى من يدَّعي أنَّه يمثِّل الدين يضرب أرجل النساء بالعصي ويهشّهن كالغنم… لم أذهب إلى مكة كي أرى متاجر إسرائيل على بُعد خطوات من بيت الله الحرام.. لم أذهب إلى مكة لأرى آلاف الفقراء المساكين يقفون بين يدي الله بأثوابهم البالية فيجبرهم الإمام أن يدعوا للملوك والسلاطين الذين لا يصلّون أصلاً… ذهبت إليها بحثاً عن الله.. فلم أجدْه عندكم.. نعم ما وجدته إلا بقلبي… لو أنّي بحثت عن الله في مذهبكم التكفيري الملطّخ بالدماء لكَفرتُ من زمان. إن لم يسعنا الإسلام جميعاً – فاذهبوا أنتم. أنا هنا في رحاب الله باقية… مسلمة أنا لن أتخلّى عن ديني ولو قاتلتموني عليه بالسلاح… أنتم قتلتم الروحانية في مكة.. أنتم قتلتم الله في قلوب الناس وأنتم من شوه دين الله ألا شاهت وجوهكم».
المشهد الثالث
ستيفن مامان رجل أعمال يهودي كندي… حرر كما يزعم بماله نساء مسيحيات وأيزيديات من تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» في العراق. وأنشأ جمعية أطلق عليها اسم جمعية تحريرالأطفال المسيحيين والأيزيديين في العراق. وحسب زعمه فان هذه الجمعية تنفذ مشروعا سريا نجح حتى قبل بضعة اشهر في تحرير 128 شابة وطفلة من أيدي «داعش». لم يكشف مامان عن تفاصيل تحرير الشابات ولكنه قال: نُجند الأموال ونحوّلها إلى فريق مُتخصص لدينا في الميدان. يقطن في الموصل ملايين الأشخاص، وليس جميعهم أتباعا للدولة الإسلامية. وجدنا بينهم أشخاصا مُستعدون للعمل معنا لإعادة السبايا. يذكر ان آخر إحصائيات الأمم المتحدة تفيد بوجود حوالي 3500سبية لدى تنظيم الدولة.
المشهد الرابع
بعض علماء الإسلام ودعاته من كل المذاهب سنية كانت أو شيعية وبعض ممن يسمون السلفيين يشغلون انفسهم وغيرهم بتوافه الأمور.. وقضايا تبَغِّض الناس بالاسلام وتستعْدي الاخرين على المسلمين كل هذا لماذا.. في الوقت الذي تشتد فيها الحرب على المسلمين بسبب تصرفات وأفعال تنظيم الدولة وغيره من الجماعات التي أنشئت أصلا لتشويه صورة الاسلام.. بالقتل وجز الرؤوس والمتاجرة بالنساء، إن كن مسيحيات أو إيزيديات او علويات او شيعيات او سنيات.. تخرج علينا بعض الأصوات التي تحلل الرق وتدعو للسبي. وعمليات القتل هذه بالمناسبة تنفذها أطراف شيعية وفي مقدمتها ما يسمى بالحشد الشعبي في العراق وغيره من الجماعات الطائفية الشيعية الذين يقتل على الهوية المذهبية أيضا.
٭ عضو «اللجنة الدائمة للإفتاء» وعضو»هيئة كبار العلماء» في السعودية صالح الفوزان يؤكد أن الاسلام لم يحرّم سبي النساء ولا الرق تصور لا يزال هناك ونحن في القرن الواحد والعشرين من يتحدث عن الرق! ويقول «ذلك حكم الله، لا محاباة ولا مجاملة لأحد ولو كان الرق باطلا لكان الإسلام قد صرح بذلك كما فعل في الربا والزنا». وحتى لو افترضنا جدلا ان ما يقوله صحيح، وهو غير صحيح لأن الاسلام جاء محررا للانسان، فهذا يتم في حالة واحدة وهو الجهاد في سبيل الله.. فأين نحن بمنطقه من الجهاد.. الا اذا كان يعتبر جرائم «داعش» و»النصرة»، جهادا في سبيل الله؟ اعتقد ذلك أفلا ينتمون الى المنهج الوهابي التكفيري نفسه.
٭ وينقل عن الشيخ السلفي الاردني ياسر العجلوني قوله عبر الفيسبوك «إن شاء الله سأصور فيديو أبين فيه جواز ملك اليمين لمن افاء الله عليه وسبى في معارك الشام.. فله ان يمتلكهن ويطأهن من غير صداق ولا زواج.. ويدعو «المجاهدين الى تملّك السبايا اللاتي يقعن في ايديهم»…
٭ ويُضيّـع «الداعية» السعودي محمد العريفي.. الذي يتبعه على التويتر والفيسبوك ملايين المسلمين وقته بالافتاء بحرمة تهنئة «الكافر» المسيحي في مناسباته الدينية لأنه إذا احتفل بولادة «ابن الرب» فهنأته فهو إقرار بعقيدته. وكأنه ليس في بلاد المسلمين او بالاصح ليس لدى المسلمين الذين يعيشون في بلاد الكفر المسيحي، حسب فهمه سوى هذا الهم.. مع أن الرسول أوصى بسابع جار ولم يحدد ان كان مسلما.. مسيحيا.. يهوديا او حتى بوذيا.
وفي شريط مسجل يؤيد العريفي بوضوح ما يرتكبه داعش من مجازر بقوله: إن رغبة النفس في سفك هذا الدم وسحق هذه الجماجم وتقطيع الأجزاء في سبيل الله جل وعلا ودفاعا عن دينه لا شك أنه شرف. قيام هذا المفهوم أصلا في قلبك هو شرف لك، وإن لم تجاهد. يقول هذا بينما يقول الله في كتابه «وما ارسلناك الا رحمة للعالمين». فما هي الرسالة التي يتلقاها هؤلاء الشباب المسلم من هذا الداعية، الذي يجوز فعلا اقامة الحد عليه، أو على الأقل الزج به في السجن أو في احد مستشفيات الامراض العقلية.. فمن يحث على قتل النفس والتمثيل بها.. لا مكان له بين بني البشر.
واختتم بالقول بأنني حاولت جاهدا أن أضبط نفسي كي لا اقحم فلسطين في هذا المقال ولكن لا بد من الإشارة إلى أنه اذا كان هناك مكان للجهاد الفعلي والحقيقي فليس الا فلسطين وقدسها واقصاها. فاين هي اصواتكم يا رجال دين هذه الانظمة الفاسدة ويا ايها المنتفعون ويا ممتهني الدين صنعة. ومصدرا للكسب؟
٭ كاتب فلسطيني من أسرة «القدس العربي»
علي الصالح