منع اتحاد البث الأوروبي بعض الأعلام من الظهور أثناء مسابقة «يوروفيجن» الغنائية الشهيرة، من بينها علم «الدولة الإسلامية» (وكأنه يتوقع أن يظهر مناصرو التنظيم الدموي في قلب الاستديو ملوّحين بالأعلام السوداء! أما اتحاد قليل العقل صحيح! لو كان الأمر بيد داعش لنسف الاستديو من أساسه)، الأهم أن الاتحاد منع أيضاً العلم الفلسطيني من الظهور. لم يزعل معظم الفلسطينيين لمنع العلم بقدر زعلهم من مساواته بذلك العلم القاتم، البغيض، الذي يدب مرآه الرعب في الأوصال، على عكس تلك الراية الفلسطينية الزاهية التي لطالما غنى لها الفلسطينيون «والله وشفتك يا علمي، زينة رايات الأممِ». ولعلهم يستعيدون على الدوام عبارة محمود درويش الساخطة التي تستنكر أن يسحق علمٌ بلون واحد علماً بأربعة ألوان، فما بالك إن كان لون العلم أسود إلى هذا الحد!
لكن هذه المرة كان الاعتراض الفلسطيني خافتاً بعض الشيء، جرى تلخيصه ببيان استنكاريّ من وزارة الثقافة، مع أن الأمر يستحق حملة، أو حملات، تعيد مجد العلم، أما من أحد يقول، في مواجهة المنع الأوروبيّ: إلى العَلَم؟
قصيدة درويش بين يدي «القاعدة»
استعادت بعض المواقع الإخبارية نشيداً قديماً، من أناشيد تنظيم «القاعدة»، يعود بثّه على «يوتيوب» إلى العام 2013، وموقّع باسم المنشد «أبو هاجر الحضرمي».
المفاجأة فيه أنه قصيدة من قديم الشاعر الفلسطيني محمود درويش تحمل عنوان «وعاد في كفن». تلك التي يقول فيها «يحكون في بلادنا، يحكون في شجن، عن صاحبي الذي مضى، وعاد في كفن». المفاجأة أيضاً أن المنشد هنا لا يأخذ، جرياً على عادة منشدي «القاعدة»، لحناً، أو قصيدة، ثم يحشوها بكلمات من عنده، بل يأخذ القصيدة الدرويشية بتصرف طفيف، إلى حد يمكن معه للمنشد أن يختم الشريط بتوقيع «المنشد الحضرمي من كلمات الشاعر محمود درويش»، غير أن من المستبعد أن ينشغل الحضرمي بأمور مثل حقوق الملكية الفكرية، والأهم أنه كيف سيقول لجمهوره إنه يغني قصائد شاعر لا يؤمن بالأعلام ذي اللون الواحد.
لمن غنّت أم كلثوم «أنت عمري»؟
لا ندري إلى أين ستصل تلك الموجة التي تضرب الآن تصريحات بعض المشايخ بخصوص الفن والأغاني، تلك التي لم تعد تشغل بالها بالتأليف والكتابة، بل تكتفي بتأويل ومصادرة الأغاني وكلماتها، وتعتبر أن المقصود فيها شأن ديني محض.
بعد مقابلة علي جمعة، مفتي الديار المصرية السابق، التي قال فيها إن عبدالحليم حافظ غنّى «أبو عيون جريئة» في مديح النبي، ها هو الداعية، اليمني الأصل، علي الجفري، يقول إن قصيدتيْ «أمل حياتي» و«أنت عمري»، اللتين غنتهما أم كلثوم، وكتب كلماتهما الشاعر المصري أحمد شفيق كامل، كُتبتا في مخاطبة النبي محمد. بل إن الجفري يسرد حكايته الخاصة لإثبات ذلك، فعدا عن أنه شعر بذلك الأمر، وبكى، حين سمع «أمل حياتي» لأول مرة في باص مصري، إلى حدّ أنه نسي نفسه، ونزل بعد موقفيْ باص، يلتقي ذات مرة بالشاعر المؤلف فيسأله عن الأغنيتين، ويبدو أن الشاعر يصدم حين يسأله الشيخ الجفري، ويسقط في يده بعد كشف السر الذي لم يكن يعلمه سوى اثنين، أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب، فلا يملك إلا أن يعترف ويقول «أقسم بالله يا مولانا، نظمت قصيدتي «أمل حياتي» و«أنت عمري» في الروضة الشريفة أخاطب بهما الحبيب (الرسول) صلى الله عليه وسلم».
طيب ما الفائدة يا مولانا الشيخ، إذا كانت أجيال وأجيال تربّت على هاتين الأغنيتين على أنهما في مديح المحبوب الدنيوي، لماذا يبقي الشاعر المعنى سراً، أهو خوف من رقيب؟ أهي تقية؟ لماذا يريد الرجل أن يتوّه جمهوره إذاً كان يقصد النبي؟
لماذا أراد شفيق كامل، ومعه أم كلثوم وعبد الوهاب، رحمهم الله، أن يبقوا الجمهور ضالاً هكذا؟
النبي لا تنقصه قصائد المديح، بل إن أم كلثوم نفسها غنت في مديحه «ولد الهدى» على سبيل المثال، ومعروفة سيرتها ونشأتها الدينية كمنشدة قرآن وتراتيل دينية، وبإمكان الشيخ أن يؤثث الأغنية بمن يحب من الشخصيات أو الأمكنة، لكن ليس من المفضّل أن يقحم الشيخ نفسه في شؤون النقد الفني، وتاريخ الموسيقى العربية.
فليترك الناس لأمور دنياهم.
«أمل» كاظم الساهر
غنى الفنان العراقي كاظم الساهر أخيراً في حفل «جائزة الصحافة العربية» أغنية «الأمل» من كلمات الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، أغنية بالفصحى يقول مطلعها «مُرَبَّعُ الْمُجِدِّ مُوَرِّقَ وأنيق، وَاللَّيَالِي مِنْ عِشْقِهُ لا تُفِيقُ». في الواقع لم أجد في القصيدة شعراً يذكر، أو معنى أليفاً، ولا في الموسيقى ما يلامس. حزنت لصوت الساهر لأني شعرت به موظفاً، تماماً على غرار شعراء البلاط، وكنت قد ظننت أن لديه ردة فعل ضد كل بلاط، بعد ما فعله به بلاط صدام حسين (مع فارق التشبيه بكل تأكيد).
كذلك ظننت أن هذه المسيرة الطويلة والجميلة لصاحب الصوت الأخّاذ قد حصّنته لاختيار الأجمل من الكلمات، لاختيار الكلمات لجمالها، لا لأن سمو الأمير هو من كتبها.
لقد تابعت الأغنية بصبر. وددت أن أكتشف فيها الشعر قبل الموسيقى والغناء، لكن فضولي كان منشدّاً أكثر لمتابعة كيف يتأثر الأمير بغناء الساهر لكلماته. لم تندّ عن الرجل ولا حتى ابتسامة. شقّ الكاظم نفسه، وقبله الموسيقيّ، والموزع ولكن، ابداً. هل هذا هو دور الأمراء؟ السأم؟
كاتب فلسطيني يقيم في فرنسا
راشد عيسى