في العاشر من ديسمبر 1993، اليوم العالمي لحقوق الإنسان، اختطف منصور الكيخيا من القاهرة وسلم لخصمة اللئيم العقيد معمر القذافي، الذي دفع الملايين لأجهزة المخابرات العديدة لاصطياده والتشفي منه، لما كان يمثله من نقيض أخلاقي له.
كانت تجتمع في الرجل كافة خصال القائد الفذ والدبلوماسي البسيط. منصور لمن لا يعرفه رقيق كزهرة وصلب في قول الحق كالفولاذ. طويل كرمح. شهم مرفوع الرأس دائما. لا يرفع صوته إذا تحدث ولا يغضب إن اختلف معه أحد ولا يؤمن إلا بالحوار والمحاججة. كان المثل لرفاقه في الأخلاق والتواضع والوعي والاستعداد للتضحية واحترام حقوق الإنسان، خاصة حقوق المرأة. ذلكم هو منصور الكيخيا وزير خارجية ليبيا الأسبق وممثلها لدى الأمم المتحدة، الذي تشرفت بمعرفته وعائلته عن قرب لفترة قصيرة رحل بعدها إلى باريس. وفي هذا المقال سأتحدث باختصار عن محطتين فقط: عمله في الأمم المتحدة واستقالته ثم خطفه وتصفيته.
الكيخيا في الأمم المتحدة وفلسطين هاجسه الأول
استقال منصور من منصب وزير الخارجية الليبي 1973 وقرر أن يعود لممارسة مهنة المحاماة، حيث تخرج من جامعة السوربون العريقة في باريس. عاد القذافي وكلفه بمهمة تمثيل ليبيا في الأمم المتحدة وعمل في هذا المنصب خمس سنوات من 1975 إلى عام 1980. لقائي الأول معه ضمن نخبة من الناشطين الفلسطينيين الشباب، حيث أكد لنا أنه سيدعم كافة الأنشطة الفلسطينية على الساحة الأمريكية، وأن بابه مفتوح لكافة المبادرات وفعلا بر بوعده وكان حاضرا في كل عمل لفلسطين، ولم تنقطع اللقاءات بيننا إلا عندما قرر الانتقال إلى باريس عام 1983. وكشف لي في لقاء آخر أن العقيد بعث مبلغا كبيرا من المال للترويج للكتاب الأخضر، وشحن إلى مقر البعثة مئات من النسخ، لكنه ألقاها في سلة المهملات وصرف جميع المبالغ المخصصة للقضية الفلسطينية والقضايا العربية. أنشأ في البعثة الليبية قسما صحافيا عين فيه الكاتب والشاعر الفلسطيني يوسف حمدان، وقال له: «نحن الليبيين لا توجد لدينا قضايا، فقد أنعم الله علينا بالكثير، وقضيتنا الوحيدة هي القضية الفلسطينية. هذا المكتب لدعم القضية الفلسطينية وأفعل به ما تراه مناسبا». كما خصص جهوده أثناء سنوات خدمته في المنظمة الدولية للقضية الفلسطينية وكان المحرك الرئيسي للمجموعة العربية التي طرحت على الجمعية العامة القرار الأهم 3379 (1975) الذي يعتبر «الصهيونية شكلا من أشكال العنصرية».
كما تبنى منصور قضايا المعاقين حيث كان المبادر لإعلان السنة الدولية للمعاقين، وترأس اللجنة المعنية بمسائل المعاقين والمكونة من 23 دولة، التي صاغت كافة التوصيات المتعلقة بذوي الإعاقات، وتم تطويرها فيما بعد لتصبح الاتفاقية الدولية بشأن الأشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة، التي اعتمدت في 13 ديسمبر 2006. بعد إعلان القذافي عن تأسيس الجماهيرية عام 1977، وتفرغه لتصفية خصومه في الداخل والخارج، بدأ الافتراق بين الرجلين. حاوره الكيخيا كثيرا حول ضرورة التخلي عن العنف، لأن الشعب الليبي بطبيعه شعب مسالم، وأن مداخيل البلاد تستطيع أن تحول ليبيا إلى جنة لا جحيما. لكن القذافي دخل في صراعات مسلحة مع تشاد ومصر وتونس، ثم بدأ يعلق على بوابات الكليات والمدارس جثث من سماهم خونة الثورة. أحس منصور بأنه غير قادر على متابعة خدمة هذا النظام فاستقال بهدوء تام وتفرغ للعمل الإنساني.
بعد انسحابه من العمل الدبلوماسي تزوج بالسيدة الفاضلة والرسامة بها العمري، وضم ابنتيها بيسان ومايا إلى كنفه ورزق منها بابنه الأول رشيد عام 1983 وجيهان عام 1987. وعمل في هذه الفترة على تأسيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان مع عدد من الناشطين العرب وتم إطلاقها رسميا عام 1983. انتقل إلى باريس هو وعائلته، وهناك أصدر مجلة «الإحياء العربي» الشهرية مع صلاح الدين البيطار ومحسن العيني وهادي الطرن وآخرين، فقد كان مسكونا بهم العروبة وتحقيق الوحدة العربية، ثم أسس مع عدد من رموز المعارضة الليبية عام 1986 «التحالف الوطني الليبي» المعارض وانتخب أول أمين عام له، وأرسى قواعد للحوار الديمقراطي للمعارضة الوطنية، وبذلك دخل منطقة الخطر بالنسبة لنظام العقيد وبدأ يتحين الفرصة لتصفيته.
الاختطاف فالقتل ثم كشف الجريمة
يوم 29 نوفمبر 1993 وقبل مغادرة البيت في طريقه إلى القاهرة لحضور المؤتمر السنوي للمنظمة العربية لحقوق الإنسان، تلقى منصور مكالمتين، واحدة من سفير ليبيا لدى الجامعة العربية إبراهيم البشاري، والثانية من عبد الله السنوسي مسؤول المخابرات. سألته زوجته بها العمري وهما في الطريق إلى مطار أورلي عن سر المكالمتين. قال لها إن هناك محاولات لجمعي مع العقيد داخل حدود ليبيا لتسوية الخلافات، ولكنني لن أفعل ذلك. أوصاها كثيرا بالأولاد وأكد لها أنه قام بكل التوكيلات القانونية في حالة حدوث أمر ما. فقالت له بلهجتها الشامية «حاجة بقى» أي كفاية. في مطار القاهرة رغم دعوته الرسمية وجواز سفره الجزائري أوقف لساعات وتم التحقيق معه لساعتين متواصلتين.
نزل منصور مساء الجمعة 10 ديسمبر من غرفته بفندق السفير في القاهرة، حيث كانت تنتظره سيارة سوداء فيها ثلاثة رجال أخذوه للقاء البشاري لبحث الأوضاع الليبية. دخل منصور بيت البشاري فوجد ثلة من الليبيين دخل معهم في حوار جاد سرعان ما تحول إلى حوار حاد حول حكم القذافي وأساليبه وحروبه. وكان من بين الحضور شخصية غامضة ورجل أعمال اسمه يوسف نجم قد يكون له دور اساسي في اختفاء الكيخيا. وضع في سيارة أخرى وهو مخدر أو مكمم وطارت السيارة إلى منطقة السلوم الحدودية، حيث استقبلتهما سيارتان حكوميتان ليبيتان نقل منصور إلى إحداهما ولم يتم توقيف السيارات لا في الجانب المصري ولا الليبي، إلى أن وصلت طبرق فتم نقله إلى طرابلس في طائرة بوينغ 707 حيث اتصل ضابط مخابرات هاتفيا قائلا «الهدية وصلت وهي في طريقها إليكم». اختفت آثار منصور بعد ذلك على طريقة اختفاء آثار موسى الصدر الذي خطف عام 1978.
«بعد عملية الخطف تحولت من زوجة إلى سيف» ، قالت لي زوجته بها. استندت أم رشيد إلى دعم دولي عربي وفرنسي وأمريكي كونها أمريكية، وكذلك الأولاد. دعيت بـَها لمقابلة الرئيس المصري مبارك، وفي القاهرة لم يلتق بـِها بل أوكل المهمة لأحد رجاله المخادعين أسامة الباز. ثم توجهت إلى طرابلس للقاء العقيد في خيمته. حرص أن يكون مستمعا «وتجنب أن تلتقي عيناه بعينيّ». وقالت له عندك خمسة أولاد تخيل لو يحرمون من أبيهم. وقالت بصفتك من البادية والبدو أصحاب شهامة وكبرياء يحمون الملهوف «ابني الليبي رشيد طنيب عليك. فهل ترده خائبا. يريدك أن تبحث عن أبيه الذي كنت تقول عنه أخي منصور». لكن اللقاء انتهى بعد ساعة دون نتيجة إلا بوعد الاستمرار في البحث.
ودارت الأيام. تخلص العقيد من إبراهيم البشاري عام 1997 على خلفية جريمة لوكربي، أما القذافي فقتله أحد أفراد ميليشيات الثورة الشعبية، وقامت موريتانيا بتسليم السنوسي للسلطات الليبية، وكان من بين أولى اعترافاته أن «إذهبوا إلى الفيلا الفلانية ففيها جثة منصور الكيخيا». كان ذلك يوم 24 نوفمبر 2012. وتؤكد لي ابنته جيهان أنه بقي حيا محجوزا في الفيلا لغاية 2007 وقتل أو ترك يموت جوعا. نقل جثمانه إلى بنغازي مسقط رأسه، حيث أقيمت له جنازة كبرى تليق بمقامه يوم 3 ديسمبر بحضور رئيس الحكومة آنذاك علي زيدان وزوجته بها العمري وأولاده رشيد وجيهان وإخوته محمود ومصطفى. ولكن الحكاية لم تنته بعد وألغازها لم تفكك كلها والمسؤولون عن تلك الجريمة القذرة التي لا تموت بالتقادم لم يمثلوا كلهم أمام العدالة.
منصور رجل كرس حياته لخدمة بلده وأمته ودفع الثمن غاليا عندما جاهر بمعارضته لسياسات القذافي الجنونية، ولم يسمع منه النصيحة البسيطة التي قالها له في بداية حكمه «يا وِلْدي ليبيا لا تتحمل القتل – شعب قليل العدد يعرفون بعضهم بعضا- كلهم عرب مسلمون على المذهب المالكي- فلماذا القتل؟». وانظروا ماذا كانت النتيجة.
٭ محاضر في مركز دراسات الشرق الأوسط
بجامعة رتغرز بنيوجرسي
ملاحظة- أشكر كلا من السيدة بها العمري الكيخيا أرملة الفقيد وابنته جيهان وصديقي العائلة يوسف حمدان وهادي الطرن على ما قدموه لي من معلومات.
د. عبد الحميد صيام