منظمة التحرير… ترميم أم إعادة بناء؟

حجم الخط
1

إنه حق لطلب يثير الضحك والحزن معا… قرأت في مطلع الأسبوع تصريحات صادرة عن الرجل الثاني في فصيل فلسطيني يعتبر ركنا من أركان منظمة التحرير الفلسطينية، ومكونا أساسيا من مكوناتها، يطالب السلطة الفلسطينية باتخاذ خطوات للرد على ممارسات رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، ممثلة بتجميده للشهر الثاني على التوالي، أموال الضرائب التي تجمعها سلطات الاحتلال باسم السلطة وتتراوح ما بين 400 – 500 مليون شيكل في الشهر، (الدولار الامريكي يعادل 3.9 شيكل).. واترك إليكم مهمة تحويل الشواكل إلى العملة الخضراء.
واسرائيل تقوم بهذه المهمة، لا حبا بالفلسطينيين طبعا ولا رغبة في تخفيف أعباء السلطة ولا صدقة عن أرواح أمواتها، بل بموجب اتفاقات اقتصادية.. ورغم ذلك فإنها لا تقدم هذه الخدمة مجانا، إذ تقبض مقابلها نسبة تصل إلى 3٪.
طالب المسؤول، وهو نائب عام هذا الفصيل، وهو من فصائل المنظمة التاريخية، «بإعادة النظر بشكل شامل في العناصر التي تستند إليها موازنة السلطة، السياسية منها والاقتصادية والاجتماعية، كي تتمكن من مواجهة التحديات، كون المواجهة السياسية مع إسرائيل والولايات المتحدة، تترك آثارها على الوضع المالي والاقتصادي الفلسطيني بشكل عام». وأضاف هذا القائد وهو عمليا المسؤول الأول عن تنظيمه في الاراضي الفلسطينية، ولا اريد ان اذكر اسمه لا خوفا على نفسي منه او من غيره، ولا خوفا عليه لأن الاسم لن يقدم ولن يؤخر، أن «السلطة مطالبة أن تتخذ خطوات للرد على اللصوصية الإسرائيلية لحجزها أموال الضرائب الفلسطينية، وإعادة النظر في الاتفاقيات الموقعة معها». وتابع القول «كما تدير إسرائيل ظهرها للاتفاقات مع السلطة فعليها (أي السلطة) أن ترد على مثل هذا السلوك بوقف التنسيق الأمني والعمل باتفاقية باريس الاقتصادية».
ما أضحكني و «شر البلية ما يضحك»، لا يكمن في جوهر ما قاله هذا المسؤول حول ضرورة إعادة النظر ليس فقط في التنسيق الأمني، وهو أمر ضروري وواجب وقفه، ولا في إعادة النظر في اتفاقية باريس الاقتصادية المجحفة.. ولا حتى في مطلب حل السلطة، الذي لم يدع إليه هذا المسؤول، رغم أن الرئيس محمود عباس ورئيس المفاوضات في المنظمة صائب عريقات، هددانا بمثل هذه الخطوة، ما أضحكني حقا، هو مطالبة مسؤول بهذا الوزن بهذه الاجراءات.. وقلت بيني وبين نفسي إذا كان هذا المسؤول، وهو الذي يرافق محمود عباس في رحلاته الخارجية التي تحتاج إلى قرار سياسي، ويوجد لدى فصيله ممثل دائم في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، ويفترض أن يكون من صناع القرار، إذا كان هذا يطالب السلطة.. فما أنا وغيري من الناس العاديين بفاعلين؟
يفترض ان تكون السلطة «الطفل الوحيد» الذي خرجت به منظمة التحرير في هذه الدنيا من زواجها من أوسلو. صحيح انها طفل مدلل لانه وحيد، لكنه في النهاية يفترض ان يأتمر بأمرها وليس العكس.. وهي المسؤولة عنه وعن سلوكياته.
يا أيها المسؤول المحترم؟ يفترض انك انت ومن معك في منظمة التحرير الذين تحددون السياسة العامة الفلسطينية.. ويفترض أن تكون أنت ومن من معك، من يسير هذه السلطة وليس العكس.. فإذا كنتم عاجزين فقولوا ذلك صراحة.. والاعتراف فضيلة كما يقولون، ولتعلنوا ذلك على الملأ رأفة بأنفسكم، لان ثمة من يعتقد خطأ بأنكم أنتم صناع القرار وفي ذلك ظلم لكم.. ولا نريد أن نظلمك وغيرك.. ولا أسوأ من ظلم إنسان ضعيف حتى لو كان مسؤولا.
وهذا يطرح والوضع كذلك، تساؤلات حول صلاحية منظمة التحرير بقيادتها الحالية وفاعليتها وضرورة وجودها.. أسئلة منطقية والرد عليها واجب.
منظمة التحرير تأسست بعد المؤتمر العربي الفلسطيني الاول في القدس، بناء على قرار القمة العربية في القاهرة عام 1964 بقيادة الراحل احمد الشقيري «لخوض معركة التحرير»، إلى ان شاركت فيها حركة فتح وتسلمت زمام القيادة بزعامة الراحل ياسر عرفات عام 1969.
حقائق لا أحد ينكرها بحق المنظمة:
– كانت المنظمة ومنذ تأسيسها عام 1964 بزعامة الشقيري، وسيطرة حركة فتح عليها بقيادة الراحل ياسر عرفات، عام 1969 الحاضنة الوطنية الوحيدة للشعب الفلسطيني.
– مثلت الشعب الفلسطيني في جميع أماكن وجوده وبكل فئاته وفصائله.
– قادت الشعب الفلسطيني في أحلك اللحظات وعند المفاصل الصعبة في تاريخه،
– نقلت القضية من مجرد قضية لاجئين إلى قضية وطن وحق وشعب محتل مناضل، تواق للتحرير والتحرر وإحقاق الحق، يكافح من أجل إقامة دولته المستقلة وعودة اللاجئين المشردين في مشارق الأرض ومغاربها.
– حافظت على الهوية الوطنية الفلسطينية وأبقت القضية حية في جميع المحافل الدولية.
هذه حقائق تاريخية لا جدال فيها ولا تنكرها الغالبية العظمى من الفلسطينيين.
ولهذه الأسباب هناك من يقول إنه لا بد من الحفاظ على المنظمة مع بعض الإصلاحات، مع ضم حركتي حماس والجهاد الاسلامي إليها. وهناك من يتفق مع مبدأ الحفاظ على المنظمة، لأن الأهداف آلتي أنشئت من اجلها لم تتحقق بعد.. ولا نزال نعيش مرحلة التحرر الوطني. لكن ليس بوضعها الحالي.. ولهؤلاء أسبابهم:
– فهم يرونها كالمبنى الآيل للسقوط غير صالح للاستخدام.. لا ينفع به ترميم… والمبنى الآيل للسقوط خير لأصحابه أن يهدموه ويعيدوا بناءه، حتى لا يسقط فوق رؤوس الجميع ونندم حيث لا ينفع الندم.
– أعمدتها ممثلة بالفصائل المنضوية تحت مظلتها، تصدع معظمها ولم يبق منها غير السيرة الحسنة. فباستثناء حركة فتح ذات الحاضنة الشعبية الكبيرة، والى حد اقل بكثير الجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية، فان بقية الفصائل تفتقر للمخزون الشعبي الذي يجعلها تستحق البقاء في إطار المنظمة، وبدون تجن على احد، فان هذه الفصائل موجودة فقط بالاسم المسجل، لدى الدائرة المالية للسلطة الفلسطينية التي في الواقع بدأت تحل في اكثر من موقع وميدان محل المنظمة. فحتى بالنسبة للشعبية والديمقراطية فسجلهما الشعبي في الانتخابات التشريعية التي تمت قبل 9 سنوات كان ضئيلا جدا.
– يتساءل هؤلاء كيف يمكن تفسير بقاء شخص عضوا في اللجنة التنفيذية لمجرد انه كان يوما يقود فصيلا مسلحا صغيرا لا وجود له الان، بل انمحى من الذاكرة لدى غالبية الشعب، إن كان موجودا أصلا.. كيف يمكن تبرير أن يكون متوسط أعمار أعضاء اللجنة التنفيذية من ممثلي الفصائل فوق السبعين.. بعبارة أخرى إنهم أصبحوا غير قادرين على الأقل جسديا على العطاء ومواصلة المشوار الذي على ما يبدو لا يزال طويلا وشاقا.. لا أدعو إلى التخلي عنهم، فلكل منهم رصيده الوطني، ولكن آن لهؤلاء الفرسان ان يترجلوا.. ومن يريد منهم الاستمرار فليجرب حظه في صناديق الاقتراع.
– الاوضاع تغيرت والظروف كذلك. فالعقدان الماضيان أفرزا معطيات وأوضاعا جديدة، تحتاج إلى استراتيجية جديدة وعقول واساليب تفكير مختلفة وجديدة، تسمح بمواكبة العصر ومتطلباته. فما كان يصلح حتى منتصف التسعينات ما عاد يصلح في العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين.
– فسح المجال للقوى الحية والفاعلة والعاملة في الشعب الفلسطيني، التي همشت في العقود الثلاثة الماضية لصالح الفصائل، معظمها كما سلف ذكره موجود فقط على الورق، تلك القوى التي كانت ولا تزال الرافد الأساسي ولا بديل عنه للمقاومة، عسكرية كانت أم شعبية، واقصد بذلك النقابات الطلابية والعمالية والنسائية والمهنية.. ولا بد أن يعاد إليها دورها الطبيعي الريادي.
ـ كلمة الفصل يجب أن تكون للانتخابات في كل مؤسسات منظمة التحرير وهيئاتها المختلفة بدءا من عضوية المجلس الوطني فنازلا.
ما تقدم ما هو إلا أفكار مطروحة للنقاش..

٭ كاتب فلسطيني

علي الصالح

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية