مع تسارع الأحداث والتطورات التي أصبح من الصعب ملاحقتها، وهي التي تستحق التوقف مع أغلبها بكثير من التأمل والتحليل، اخترت أن يمر مقال هذا الأسبوع على بعض منها مرور الكرام.
«الحزم» الذي نحتاجه حقا
لا شك أنه يستحق الإشادة والتنويه، ذلك القرار الحازم والسريع حقا الذي اتخذه العاهل السعودي بإقالة رئيس المراسم الذي قام بصفع أحد المصورين الصحافيين على الهواء مباشرة، لمجرد أنه حاول التقاط صورة أثناء استقبال ملك المغرب في مطار الرياض. وكان الملك سلمان بن عبد العزيز اتخذ قرارا لا يقل أهمية بمعاقبة أمير سعودي أدلى بتصريحات عنصرية لأحد الضيوف في برنامج رياضي. كما أنه أقال وزير الصحة بعد فترة وجيزة من تعيينه بسبب سوء معاملته لأحد المواطنين. ولاشك أن مثل هذا الحزم هو ما تحتاجه الإدارات السياسية في بلادنا، وليس السعودية وحدها. والشاهد أن القرارات القوية والحازمة ستكون أساسا في سياسة العاهل السعودي المشهود له حتى من بعض المعارضين بالقدرة على الادارة الكفوءة. إلا المطلوب ربما يكون اكثر، على أهمية ما اتخذ من قرارات. ومثال ذلك الشيخ (مازال يشغل منصب عضو هيئة كبار العلماء في السعودية) الذي خرج علينا مؤخرا بأن الأرض ثابتة ولا تدور حول نفسها، وإلا فاننا نستطيع ان نركب طائرة من مطار الشارقة ونقف بها في الجو وننتظر أن تأتي الصين الينا بدلا من ان نذهب اليها (..). فهل من المعقول ان يستأمن مثل ذلك «العالم» على العباد والبلاد بتركه يصول ويجول ويصدر فتاوى الظلامية هنا وهناك؟ وهل يقف «الحزم» عند أبواب المؤسسة الدينية القوية لاعتبارات داخلية في السعودية؟ وماذا يعني مثل هذا الكلام بالنسبة الى صورة العرب والمسلمين، وأين وفي أي عصر يعيشون؟
الوضع الكارثي في اليمن
بعد أربعين يوما من القصف والعواصف السياسية والعسكرية متعددة الاسماء والاشكال، التي تصر بعض وسائل الإعلام على انها حققت «أهدافها بالكامــــل»، تبدو الحقيقة المؤكدة على الارض انها تركت اليمن أمام وضـــع كارثي من الناحية الانسانية، مع تأكيــــدات المنظمات الدولية على أن نحو 16 مليونا اصبحوا يواجهون خطر المجاعة، وهو ما لا يعني كثيرا فيما يبدو بالنسبة للبعض من الذين يكتفون بالرقص فوق الدماء. اما عسكريا، فان الحـــوثيين الذين قيل إن العاصفة نجحت في القضاء على «خطرهم الإقليمي»، مازالوا يسيطرون على صنعاء وكثير من المدن، بل نجحوا في قصف الاراضي السعودية نفسها (..).
والأهم أن الذين كانوا يتحدثون عن «انتصار» وجدوا انفسهم مضطرين الى تبرير المطالبة بتدخل بري دولي بعد تعثر تأمين قوات من دول التحالف، وهو ما يعيد الاعتبار الى القوات البرية، باعتبارها عمودا فقريا في أي استراتيجية حقيقية للامن القومي. أما سياسيا فإن الاصرار على ان يعقد الحوار اليمني في الرياض يمثل دعوة الى الاستسلام، وبالتالي اصرارا على استمرار الفشل السياسي. كما ان محاذير سياسية دولية واقليمية عديدة قد تعرقل إمكانية التدخل البري، في حال توافرت القوات، سواء من السنغال أو غيرها. اما التوقعات فإن التحالف قد يستعين بعمليات انزال محدودة لتأمين مواقع حيوية، وهو ما طرحته المناورات التي أجريت في مصر قبل عدة ايام للقوات الخاصة وقوات المظلات، التي تعد من قوات النخبة في الجيش المصري، الا ان السؤال يبقى: أليست اربعينية «الحزم» كافية لـ»الجزم» بأن الحل في اليمن، كما في بلاد اخرى غارقة في شلال الدم، لا يمكن الا ان يكون سياسيا.
بريطانيا: هذا ما فعله «داعش»
توجه ملايين البريطانيين أمس الى صناديق الاقتراع في انتخابات تاريخية حقا، بالنظر الى التوقعات أن تسفر عن نتائج شديدة التقارب بين الحزبين الكبيرين، بالاضافة الى صعود الاحزاب الصغيرة، خاصة حزب الاستقلال البريطاني المعادي للمهاجرين، الذي سيحصل على 14 بالمئة، او اكثر، من الاصوات ليأتي في المركز الثالث الذي كان محجوزا دائما للاحرار الديمقراطي. وغني عن القول ان ذلك الحزب العنصري يجب عليه ان يبعث برسالة شكر الى تنظيم «داعش» الارهابي الذي لعب دورا حاسما في زيادة الكراهية للاجانب في اوروبا بشكل عام، وبالتالي حصدت احزابها اليمينية المتطرفة نسبا قياسية في الانتخابات منذ العام الماضي.
أما وجود العرب وقضاياهم العادلة في الانتخابات البريطـــانية فشبه معدوم، ويكاد يقتصر على مشاعر الخوف، بل الرعب التي تتركها صور المجازر ورائحة الدماء التي تحتل نشرات الاخبار. ومع التوقعات شبه المؤكدة بعدم فوز حزبي المحافظين والعمال بالاغلبــــية المطلـــوبة لتشكيل الحكـــومة، وصعوبة ان يدخلا في ائتلافات مع حزب الاستقلال او الحزب الوطني الانفصالي الاسكـــتلندي، فان أحد الاحتمالات ان يشكل احدهما حكـــومة اقلية تدخــل في «تفاهمات» مع الاحزاب الاخرى، وأولها ذلك الحزب العنصري الذي يريد اعـــلان الحرب على المهاجرين، واخراج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي. وتقضي تلك التفاهمـــات بان يدعـــموا الحكومة في السياسات الاقتصادية والتصويت على الثقة فيها، مقابل «تنازلات» في سياستها بشأن المهاجرين.
وهكذا فان الفائز الحقيقي في هذه الانتخابات تحالف غير مقدس وغير مباشر بين المتطرفين حول العالم يتكرس بفضل صعود الارهاب والطائفية في بلادنا، فيا له من «اسهام حضاري» في تقدم الانسانية ورقيها (..).
٭ كاتب مصري من أسرة «القدس العربي»
خالد الشامي