بعد توقف لأسبوعين قضيت أغلبهما في مصر لأسباب خاصة، تراكمت أحداث عربية هائلة في شهر رمضان، وجدت معها صعوبة في اختيار موضوع لمقال اليوم، بدءا من العراق وسوريا وفلسطين وغيرها، إلى السعودية بشكل خاص حيث وصلت جرائم الإرهاب إلى مسجد رسول الإسلام نفسه، وباسم الإسلام أيضا (..).
ومن اللافت أن تكتفي الحكومة السعودية بتحميل المسؤولية للمواطنين في مواجهة الإرهاب، بينما الاولى أن تتحمل المسؤولية الأساسية في اعتماد استراتيجية شاملة لا تقتصر على الجانب الأمني، بل تحارب تنقية التعليم من الأفكار الدينية المتشددة.
ولعل هجوم الكرادة في بغداد عشية العيد كان رسالة فاجرة في إجرامها، إذ أودى بمائتين وتسعين قتيلا حتى هذه اللحظة، وينتظر أن يزيد العدد عن ثلاثمائة مع وجود عدد من المفقودين المجهول مصيرهم. وقد لقيت الاغلبية الساحقة من هؤلاء الموت حرقا في تلك الجريمة المروعة، أما «الذنب» الذي ارتكبوه فكان السعي إلى التسوق استعدادا للعيد. ولابد أن الإرهابيين يعرفون أن الكرادة منطقة تجارية ضخمة تجمع مختلف الطوائف، ما يشير إلى «إبادة إنسانية» أوسع من استهداف اصحاب طائفة محددة. ومن المؤكد أن هذه الجريمة دليل جديد على فشل هذه الحكومة وفسادها، ما كان يستوجب استقالة رئيس الوزراء بدلا من استقالة وزير الداخلية.
ولكنني اكتب اليوم ملتزما بذكرى مناسبة الثلاثين من يونيو والثالث من يوليو، كشاهد عيان من يومها الاول حتى ذكراها الثالثة التي حلت خلال الايام الماضية. وكيف تحولت من انتفاضة شعبية حقيقية للمطالبة بحكم الاخوان وإعادة مطالب ثورة الخامس والعشرين من يناير، إلى «ثورة مضادة» استولى عليها أنصار الرئيس المخلوع حسني مبارك، خاصة بين بعض العاملين في بعض وسائل الاعلام والمؤسسات الحاكمة، فيما يشبه عمليا حالة «شبه انتقالية» ضد نظام الدولة ورئيسها الذي مازال يعلن انحيازه إلى الشعب والدستور، وسط أسئلة صعبة بشأن مصداقية الدولة وقدرتها بشأن الالتزام بوعودها.
ومن المؤسف أن الحكومة اعلنت ذكرى الثلاثين من يونيو (إجازة رسمية) في تجاهل لذكرى الخامس والعشرين من يناير في رسالة خطيرة المعنى.
وفي ذكرى الثلاثين من يونيو كنت اسير في احد الاحياء الشعبية في القاهرة اذ شاهدت سيارة لتوزيع المواد الغذائية باسعار مناسبة للمواطنين وكتب عليها (توجيها لتعليمات فخامة رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي في مواجهة ارتفاع الاسعار تقوم وزارة التموين بتوفيرالاغذية للمواطنين باسعار خاصة). وبداية فان توفير الاسعار المقبولة شعبيا يعد واجبا سياسيا على الدولة، ولا يمكن أن يكون وسيلة للدعاية لرئيس الدولة أو حكومته، في عمل دعائي لا يخدم الرئيس نفسه، خاصة إذا كانت لا تملك اغلب البضائع للمواطنين. وثمة مواضيع اخرى «انقلابية» مثل عودة انقطاع الكهرباء والمياه في بعض المحافظات، رغم الوعود التي قطعها وزير الكهرباء على نفسه في حضور اجتماع رسمي مع رئيس الجمهوية بضمان توفير الكهرباء لكافة المواطنين، متباهيا بأن «مصر تمكنت من حل مشكلة الكهرباء للمرة الاولى منذ نحو عشر سنوات». والغريب أنه لم يقدم حتى الان اعتذارا أو تفسيرا، سواء للمواطنين أو لرئيس الجمهورية نفسه.
أما الناحية الامنية فثمة أدلة خطيرة لا يمكن تجاهلها بينها اعلان المجلس القومي لحقوق الإنسان، وهو منظمة حقوقية حكومية عن مقتل ثلاثة مواطنين تحت التعذيب، ما يشير إلى عودة الجرائم نفسها من مكونات رئيسية لحكم مبارك، وكانت بين الاسباب الرئيسية للاطاحة به. ويرى عدد من المصريين أن بعض عناصر الأمن اصبحوا يتفوقون على ما كان يحدث في عهد مبارك نفسه من اهانة وجرائم ضد المواطنين.
وبينما خصص رئيس الجمهورية حفل أفطار رمضاني للاجتماع مع بعض الشباب والتأكيد على اهتمام الدولة بدورهم، إليكم هذه القصة من الواقع: كان الشاب الذي يعمل في إحدى الشركات المشهورة لهواتف المحمول متوجها إلى مكتبه عندما قررت إحدى اللجان الامنية أن توقف كافة الجالسين في وسيلة للنقل بدون سبب محدد، وبينهم ذلك الشاب الذي كان يرتدي زيا انيقا يتناسب مع وظيفته، وهو غير ملتح، فلا يظهر عليه أي انتماء إلى طرف سياسي، فاذا بهم يطلبون منه بكلمات مهينة تقديم بطاقته الشخصية وبطاقة الانتماء إلى الشركة التي يعمل فيها. ولم يكتفوا بسحب البطاقات لكنهم شككوا فيها (يمكن تكون مزورة وايش عرفنا أنها حقيقية)، وبالطبع أكد لهم الشاب أنها صحيحة وانهم يستطيعون أن يتصلوا هاتفيا بإدارة شركته اذا ارادوا التحقق من ذلك (..). وبعد دقائق من التوتر والاهانة، استرد الشاب بطاقته وسمحوا له بالذهاب، بدون اي اعتذار أو مجرد تفسير لما تعرض له من اعتداء على كرامته.
وهذا نموذج ربما لا نسمع عنه كثيرا في وسائل الاعلام التي تهتم بالتعذيب أو القتل، إلا انه في الحقيقة ليس أقل خطورة. ثم جاء القرار المخزي بطرد الزميلة الإعلامية اللبنانية ليليان داود من مصر، رغم أنها تملك حقا قانونيا في الإقامة الدائمة إذ أن ابنتها مصرية، ليس سوى عداء أمني متواصل ضد حرية التعبير.
وبالطبع فإن النماذج غير المسبوقة، ضد الوعود غير الحقيقية بدعم الشباب وحرية التعبير، ومعالجة المعاناة من الأسعار، لابد انها تحسب في النهاية ضد مصداقية القيادة السياسية وليس الحكومة أو رئيسها الذي لا يعرف أغلب المصريين اسمه.
الغريب أن الرئيس السيسي يؤكد، محقا، أهمية وخطورة أن ينقسم المواطنون مع النظام بينما لا يكاد يفعل شيئا لمنع أولئك الذين يكادون ينقلبون ضده وضد النظام بالإصرار على سياسات كهذه مسيئة للشعب الذي لا يحتاج لتقديم دليل على انه مثل الجمل الذي قد يصبر طويلا ولكن إلى حين.
٭ كاتب مصري من أسرة «القدس العربي»
خالد الشامي