من تيلاك إلى السيّد حسن: سنّ الزواج وتسوية التصادم بين الذهنيات

حجم الخط
2

فوق كل استعصاءاته المتراكمة، فُتحت في لبنان جبهة للإشتباك، «الثقافيّ»، جديدة، متّصلة بمسألة زواج القاصرات. فعشية توجّه النائب عن «القوات اللبنانية» ايلي كيروز إلى تحويل مشروع يؤطّره البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة، وتطالب به المنظمات النسائية، إلى اقتراح قانون لتحديد سن الزواج القانونية في لبنان بالثامنة عشرة، وإلزام كل الطوائف الدينية بذلك، كانت كلمة حادّة النبرة لأمين عام «حزب الله» السيّد حسن نصر الله في «يوم المرأة المسلمة» حمل فيه على المثلية الجنسية، من موقع الدفاع عن قيم الطهارة، وأدان فيه العمل على تحديد سن الزواج القانونية بسن الرشد المتعارف عليه عالمياً، معتبراً أنّ «الزواج المبكر خيار الهي ومن يعمل ضده يخدم الشياطين»، مدرجاً الأمر في سياق المقاومة الحضارية.
يحدث هذا في بلد يرعاه نموذج مركّب للدولة. فالدولة اللبنانية ليست هي نفسها بالنسبة إلى المسيحيين وبالنسبة إلى المسلمين. الكنائس المسيحية لها شخصيات معنوية مفصولة عن الدولة، فيما المؤسسة الدينية الإفتائية عند المسلمين متصلة عضوياً بهذه الدولة. الدولة اللبنانية «علمانية» من جهة المسيحيين وليست كذلك من جهة المسلمين، وهذا التفاوت قد وطّدته الحقبة الكولونيالية الفرنسية سواء في لبنان أو في المجتمعات الأفريقية المختلطة بين المسلمين وغير المسلمين.
هذه الدولة، التي هي من الناحية الدينية إذاً دولتان، تجمع شملها مع ذلك المادة التاسعة من الدستور، التي تضمن من خلالها الدولة الواحدة «للأهلين على اختلاف مللهم احترام نظام الأحوال الشخصية والمصالح الدينية». النائب القواتي اعتبر في محاضرة له عن الموضوع أنّ «حق الطوائف التاريخية بالتشريع في مجال الأحوال الشخصية غير مطلق». اعتبره مشروطاً من الناحية الدستورية بـ»عدم الاخلال بالنظام العام»، وهذا ملتبس دستورياً، لأن «عدم الإخلال بالنظام العام» لا يذكر حين يتعلّق الأمر بنظام الأحوال الشخصية، بل يذكر قبل ذلك مباشرة، حين يتعلق الموضوع بـ»حرية إقامة الشعائر الدينية تحت حمايتها (الدولة) على أن لا يكون في ذلك إخلال في النظام العام». تختلف.
صحيح في المقابل، أنّ الدستور يلتزم الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ومبدأ السوية في الحقوق، لكن الحالات العديدة لإنعدام السواسية بين اللبنانيين في مختلف المجالات المغطاة بالتشريع القانوني، لا يبيح التأسيس عليها، لحسم الجدل في موضوع السن القانوني للزواج.
صحيح أيضاً، أنّ حدّة لسان السيّد حسن حيال هذا الموضوع هي صدى لحملة رسمية تتبناها السلطات الإيرانية للتشجيع على الزواج المبكر في السنوات الأخيرة، بل يجري التفاخر في الجمهورية الإسلامية بارتفاع معدّل الزيجات المبكرة عاماً بعد عام، كما أنّها تتّصل بصيانة المخيّلة الديموغرافية «التكاثرية» للجماعة، بالتوازي مع تواصل حرب الإستنزاف التي يخوضها مقاتلو الحزب في سوريا، إلى جانب قوات النظام والحرس الثوري الإيراني. إلا أنّه لن يصعب، في هذا الموضوع تحديداً، أن تلاقي الممانعة الخمينية عليه، صدى لها في الأوساط المحافظة السنّية. في المقابل، تتقاطع حول هذه المسألة ثلاث فئات متباينة، يهمّها الإشتراك في معركة تحديد سن الزواج. الفئة الأولى، هي المنظمات النسائية و»مجتمع العلمانيين» في لبنان، ما بين خطاب مقاومة السيطرة الأبوية الذكورية على أجساد النساء، وخطاب مركزه تكريس سن الرشد كنقطة فاصلة بين الطفولة بالمعنى القانوني وبين ما فوقها. الفئة الثانية هي الأوساط المسيحية كتلك التي يمثّلها النائب كيروز، والتي من المشروع الظن بها، بطريقة أو بأخرى، أنّها تعتبر كل ما أمكن للمسيحية القبول به من تحديث، فعلى أتباع الديانات الأخرى ارتضاؤه (فالفئة المسيحية المتدينة التي قد تدعم تحديد سن الزواج بسن الرشد بقوة في لبنان ستكون أكثر من متشدّدة في موضوع مواجهة حقوق المثليين أو زواجهم، ومتلاقية هنا في حرب مقدّسة واحدة مع السيد حسن، ضد «السدوم عموريين» كما كان يصفهم الشاعر سعيد عقل).
أما الفئة الثالثة، المتداخلة مع الفئة الأولى إلى حد ما، فهي لأولئك الذين يعطون مكانة وافرة للمشكلة الثقافية ـ القيمية مع «حزب الله»، وبالتالي يتخذون من هذه المسألة مساحة إضافية للكباش أو الجدل، إمّا على هامش إتفاقهم مع الحزب في «الإستراتيجيات» (المقاومة أو حتى التدخّل في سوريا)، وإمّا كسبب إضافي لمناهضة الحزب من فوق إختلافهم معه في الإستراتيجيات.
كل هذا، دون أن تترك مساحة لمساءلة ما يساق على أنّه بديهيات موجبة، إن يكن من قبل المتزّمتين دينياً أو من قبل غلاة العلمانوية. فالطبيعة المتفاوتة للدولة، كـ«علمانية» من جهة المسيحيين، و«متصلة» بالمؤسسة الدينية من جهة المسلمين، يهمل كما لو أنّه لا يقدّم ولا يؤخر في المسألة، وهذا غير صحيح، هو لب الموضوع. وواقع أنّ هناك ولايات عديدة في أمريكا تخفض سن الزواج، في حين يندر فيها من يتزوج وهو قاصر، في حين تحدّده الهند بسنّ الرشد، في حين تحصل 47 بالمئة من الزيجات فيها ما دون الثامنة عشرة، و18 بالمئة ما دون الخامسة عشرة، هذا بالنسبة إلى الفتيات، هو واقع مقارن أكثر جدّية من المعياريّة الحقوقية الغليظة عندما تطرح نفسها كمتجرّدة عن الواقع الثقافيّ، بحجّة عدم الغرق في «النسبية الثقافوية». هناك منظومتان ثقافيتان مختلفتان، واحدة تتمحور نظرتها للزواج بسن البلوغ الجنسي، وثانية بسن الرشد أي إكتمال أسباب الإرادة الفردية. لا يمكن التعامل مع المنظومة «التقليدية» كما لو أنّها مائلة أو قابلة للإنحسار في سنوات قليلة.
قبل قرن وربع، تحديداً في العام 1891، وقف المصلح الإجتماعي والتربوي، ورائد الحركة التحرّرية الهندية بال غونغادهار تيلاك في مواجهة رفع البريطانيين في الهند لسن الزواج القانوني من عشرة أعوام للفتاة إلى اثنتي عشر. كان هذا مباشرة بعد حملة من تيلاك نفسه لرفع سنّ الزواج إلى ستة عشر للفتيات وعشرين للفتيان! اعتبر تيلاك أنّه ليس من حق القانون البريطاني أن ينظّم العادات الإجتماعية للجماعات الهندية أو طرائق عيشها، حتى لو افترضنا أنّه يعود بالنفع وهو صائب! لا تختزل محاججة تيلاك ضد رفع سن الزواج إلى «نكاية بالإنكليز» أو بالإستعمار، بخلاف هذه النظرة الشائعة لموقفه. بل كان موقفاً يتعلّق بالعلاقة بين القوانين العامة للدولة وبين ما للجماعات الاهليّة. نظرة تيلاك أنّ أموراً كالزواج والطلاق تدبّرها كلّ جماعة أهلية بمعرفتها، حسب تقاليدها.
كانت نظرة تيلاك رجعية، ليس في ذلك أدنى شك، مثلما أن تيلاك أوّل من بلور فكرة الإستقلال التام (سواراج) للهند عن بريطانيا، كان له باع في تطوير التعليم في زمانه للذكور، ورفض تعميمه للإناث. يبقى أنّ تيلاك ينطق بإسم «وجهة النظر الأخرى»، وجهة نظر جماعات أهلية كثيرة في عالم اليوم، غير مقتنعة بعد، بأنّ القوانين الوضعية المشرّعة سواء من طرف ادارات استعمارية أو برلمانات، يمكنها، أو يجب، أن تسيطر تماماً على التقاليد والعادات الإجتماعية. الفارق بين تيلاك والسيد حسن هو في منطق تعليل موقفهما قبل كل شيء. تيلاك ربطه بموقف «سوسيولوجي» على طريقته: زواج هندي من هندية مسألة تعني طبقتهما الدينية ولا تعني قانون البريطانيين ولا حتى قانون ما بعد البريطانيين. في المقابل، منطق السيد حسن: زواج مسلم من مسلمة مسألة لا تعني «القوات اللبنانية» و«الأمم المتحدة» والمنظمات النسائية، بل هي مسألة تحكمها الشريعة الإلهية، التي لها أن تحدّد وحدها سنّ الزواج.
لا يلغي هذا أنّ «منطق تيلاك» يستوعب جزءاً من «منطق السيد حسن». مثلما أنّ منطق تيلاك، يظل يفسح المجال، على رجعيته، لإمكانية التسوية، بين منظومتين ذهنيتين أو ثقافيتين مختلفتين. تيلاك، هو بالمناسبة الرجل نفسه، الذي عمل في بومباي وبونا وولاية مهاراشترا، لثني الهندوس عن المشاركة في محرّم مع الشيعة، وشجّعهم على محاكاة شعائر عاشوراء بمهرجان للإله الشعبي غانيش (ذي رأس الفيل، وإبن شيفا).
انتهت هذه المحاكاة عام 1894 بتصادم دموي بين المعزّين بالحسين وبين محيي عيد غانيش. أن تحيي كل جماعة تقاليدها وعاداتها بنفسها، فهذه لم تكن وصفة توافقية تماماً بين الجماعات، في وقت تيلاك. كذلك هي الحال اليوم: دولة تنفصل كل جماعة فيها بسنّ قانوني للزواج مختلف عن الأخرى هي ورطة، مثلما أن دولة يطرح فيها الموضوع كما لو أنّ سنّ الرشد القانوني هو نفسه في كل المعاملات، لا يتبدّل ولا يعدّل، ولا يأخذ بالحسبان حال الجماعات الأهلية، هو أيضاً ورطة. «الحسم» ليس دائماً بالشيء الإيجابي. في أحيان كثيرة، «الحسم» هو الإسم الحركيّ للمكابرة.

٭ كاتب لبناني

من تيلاك إلى السيّد حسن: سنّ الزواج وتسوية التصادم بين الذهنيات

وسام سعادة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية