من ذبح طفل فلسطيني وحرب فرنسا على الإرهاب إلى الانتقام السياسي بحجة الانقلاب في تركيا

كل من شاهد الفيديو المروع لذبح الطفل الفلسطيني عبدالله عيسى (12 عاما) قرب حلب على ايدي جماعة من (المعارضة السورية المعتدلة) لابد أنه تجاوز مشاعر الصدمة إلى إعادة النظر في حقيقة كافة الأطراف المحسوبة على المشهد المأساوي هناك.
هذا الطفل الذي تعرض لتعذيب إجرامي قبل ذبحه بسبب (جريمة) انتماء والده إلى جماعة فلسطينية مؤيدة للنظام يطرح سؤالا موضوعيا، هو إن كان هناك فارق عملي بين أسماء اولئك المعارضين من حيث أنهم «داعش» في حقيقتهم؟
استمعوا إلى ما قاله أحد أولئك الإرهابيين في الفيديو «هاي أسرى لواء القدس اليوم. ما ظل عنده زلم (رجال) بعث لنا أطفال اليوم ما شاء الله». وقال آخر «هاي كلابك يا بشار. أطفال لواء القدس». وقالت جماعة الزنكي السورية (المعارضة المعتدلة) التي حصلت على دعم عسكري أمريكي، إنها تحقق في ذبح الطفل، فيما روج أنصار لها أنه ستجري محاكمة المتهمين (..) وهو مبرر أقرب إلى العبث أيشعر المجرمون، الذين قاموا بتصوير فيديو الجريمة المروعة، بأي قلق من دفع الثمن؟ وقد تشابه ذبح الطفل بسكين مع بعض أسوأ الفظائع التي ارتكبها تنظيم «داعش» بقتل مئات الأسرى في سوريا والعراق خلال السنوات الثلاث الأخيرة، كما لاحظت وكالات أنباء عالمية.
ومن البديهي انه لا تعني إدانة هذا الإجرام المروع، أي تبرئة لمسؤولية النظام عن عن عمليات أودت بقتل عدد من الأبرياء بينهم أطفال، إلا أن القاعدة تبقى أنه «لا تزر وازرة وزر أخرى»، وأن الحديث عن وجود بديل سياسي حقيقي للنظام يبقى وهما كبيرا يحاول البعض معه إخفاء الواقع المأساوي المروع، الذي قد يصبح ربما اكثر اجراما إن وصل مثل هؤلاء (المعارضين) إلى الحكم.

تغيير استراتيجي لمحاربة الإرهاب

اعلن الرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند أن نحو نصف عدد ضحايا الهجوم الإرهابي في مدينة نيس من غير الفرنسيين، في اشارة واضحة إلى انهم من المسلمين غالبا. وأكد أن عدد القتلى وصل إلى ثلاثة وثمانين شخصا فيما يبقى 15 شخصا بين الحياة والموت. وثمة دلائل على أن فرنسا تعيد النظر في اعتماد استراتيجية جديدة لمواجهة الاعمال الارهابية، تشمل التعامل مع المسلمين المقيمين على أراضيها، وإن كانوا يحملون جنسيتها، أو ولدوا على أراضيها، خاصة بعد البيان الذي أصدرته جماعة «داعش» الإرهابية امس أكد عزمها شن هجمات جديدة. ويعتمد ذلك التغيير على استهداف جذور الإرهاب بما هو أبعد من الاجراءات الامنية، بالنظر إلى استهداف «داعش» اشخاصا غير محسوبين أصلا على أي جماعات ارهابية، في سياسة بعيدة المدى تقرر وجود إشكالية خطيرة في مبررات دينية تعرضت للاهمال في سنوات طويلة. ومع ذلك يصر أولاند على حرصه على (احترام القانون الفرنسي لأن التهاون فيه سيعني نهاية الدولة الفرنسية).
والخلاصة أن المسلمين في فرنسا وأوروبا مقبلون ربما على دفع ثمن باهظ لجرائم محسوبة على الاسلام، ما يعني فرض حتمية للمراجعة الدينية والثقافية بمشاركة من المسلمين انفسهم قبل فوات الأوان.

الانقلاب المرفوض واستغلال عواقبه

بعد تعرض اكثر من خمسين ألفا من مختلف عناصر المؤسسات في الدولة، بمن في ذلك القضاة والمدرسون والموظفون وغيرهم من الذين لا يمكن ربطهم بالانقلاب العسكري المدان، اصبح واضحا أن الرئيس التركي يسعى إلى استغلال سياسي لتصفية معارضيه.
وحسب تصريحاته التي لمح فيها إلى الاتجاه نحو تطبيق عقوبة الاعدام (باسم الشعب) لا يشمل العسكريين فحسب بل المعارضين السياسيين أيضا، فإن اشتعال روح الانتقام والفوضى اصبح يتملك دائرة الحكم، ما قد يمثل الخطر الاكبر على مستقبل الدولة، حسب تحليلات سياسية. ومن علامات الفوضى أن تحاول الحكومة توجيه الاتهامات إلى الطيارين اللذين قاما باسقاط الطائرة الروسية بعد اعتقالهما بتهمة المشاركة في الانقلاب، إنهما شاركا في (جريمة ضد الدولة باسقاط الطائرة) في نفاق واضح لروسيا، رغم أن الحكومة طالما تبنت الدفاع عنهما اثناء الازمة في شهر نوفمبر الماضي، الا أن التضحية بهما اليوم صارت ضرورية للتصالح مع روسيا ورئيسها بوتين، المفترض أن يديه ملوثتان بدماء الأبرياء السوريين، حسب التصريحات الرسمية التركية.
اما ما يعنيه هذا (الانقلاب) من معاداة روسيا إلى تقديم الاعتذار إليها وتحميل الطيارين مسؤولية إسقاط الطائرة، فان ثمة تغييرات استراتيجية يفرضها فشل سياسي يتراوح من العلاقة المنهارة مع اوروبا والولايات المتحدة، إلى انهيار هائل في الموقف الامني والسياسي تجاه الوضع في روسيا، اثمر عن تحالف باهظ الثمن مع اسرائيل، لا يتسع المجال إلى التطرق إلى تفاصيله.
ومن حق انصار الرئيس التركي أن يحتفلوا كما يشاؤون بفشل الانقلاب المدان والمرفوض، حتى إن بدا للبعض أن الانقلاب الاكثر فشلا منه كان تدمير كرامة الجيش التركي، ومعاقبة الموتى من الصلاة عليهم (..)، وتحول (الاحتفال) إلى أكبر تصفية للمكونات القانونية في النظام السياسي نفسه، وإعلان حرب مفتوحة ضد الحريات وحقوق الانسان، وإشعال البلاد بروح الانتقام بعد التطبيق المتوقع لعقوبة الاعدام، ناهيك عن اسقاط البلاد في دائرة الانعزال الدولي، فقد يكون من الاولى بهم أن يُسمِعوا (السلطان) ما لا يسعده، ولكن ما يعصمه من الندم تجاه مستقبل النظام.
واخيرا، كانت التعليقات السخيفة حقا في بعض وسائل الإعلام المصرية بعد انتشار الانباء عن احتمال نجاح الانقلاب في تركيا، مجرد حلقة جديدة من مسلسل الانهيار الاعلامي الذي تعرفه البلاد، ولا يمكن تحميل الشعب المصري المسؤولية عنه، وإن كان من الطبيعي أن يعرب بعض المواطنين في وسائل الاعلام عن احباطهم الطبيعي من بقاء الحكم الحالي في تركيا، إلا أن هذا لا يعني بالضرورة انهم مؤيــــدون لمبدأ الانقلاب العسكري، ولكنهم يشعرون بالاستفزاز والاهانة من بعض تصريحـــات اردوغان التي يفترض أن تتوجه ضد النظام أو السيسي لكنها في الحقيقة مست كرامة مصر ومواطنيها، خاصة عندما يبدو متحدثا باسم جماعة الاخوان، وهذه مسألة تخص الشعب المصري اولا.
ومن الناحية المهنية، تمنيت أن تظهر الفضائيات الاعلامية العربية بدلا من الاكتفاء بانتقاد وسائل اعلام مصرية، نوعا ولو معتدلا من التوازن في تغطية اخبار الانقلاب التركي.

٭ كاتب مصري من أسرة «القدس العربي»

من ذبح طفل فلسطيني وحرب فرنسا على الإرهاب إلى الانتقام السياسي بحجة الانقلاب في تركيا

خالد الشامي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية