كان يفترض أن تكون مجرد «قمة عربية أخرى» هذه التي تنعقد في شرم الشيخ غدا السبت، لولا اندلاع التدخل العسكري الذي تقوده الرياض في اليمن، والذي هددت إيران بأن «دخانه سيحرق عيون السعوديين»، في إنذار باحتمال اشتعال حرب طائفية في الخليج.
وليس متوقعا أن تدخل إيران الحرب مباشرة ضد عشر دول، تقول السعودية إنهم يشاركونها في الحرب الجوية ضد الحوثيين، إلا أنها تستطيع الرد بتحريك الشيعة في شرق السعودية، وربما في بلاد عربية أخرى، إلى جانب استخدام نفوذها الإقليمي الممتد من العراق إلى لبنان، ما يعني اندفاع المنطقة إلى حافة الهاوية، وتعميق الصراعات الإقليمية على أساس طائفي. إنها المرة الأولى التي يجتمع فيها الزعماء العرب بينما تهيمن الاخطار الوجودية، وليس خلافاتهم البينية، على أعمال قمتهم. كما أنها القمة الأولى بعد تغيير في قيادات دول أساسية مثل مصر والسعودية والعراق. وإذ تنعقد القمة تحت شعار «الأمن القومي العربي»، فان هذا يجعل الزعماء مطالبين بأن تأتي قراراتهم على المستوى اللائق بالتحديات الهائلة التي تواجهها شعوبهم.
وبينما يدور الحديث في الكواليس حول إمكانية إنشاء مجلس للسلم والأمن العربي، يتولى ليس فقط اتخاذ قرارات التدخل العسكري، بل وتنفيذها عبر قوة عربية مشتركة (وليس موحدة)، لا يمكن إهمال المصاعب العملية والسياسية التي قد تعوق هذا المشروع، الذي سيعد تطورا نوعيا وتاريخيا، بالنسبة إلى دور الجامعة العربية الذي تراجع كثيرا لمصلحة هيئات دولية واقليمية اخرى.
الواقع أن عدد الاسئلة الحتمية هنا يفوق كثيرا عدد الإجابات الممكنة. وقد أظهر تحفظ سلطنة عمان عن المشاركة في التدخل العسكري في اليمن مثالا واحدا على المصاعب الكثيرة في هذا الإطار. فهل العرب مستعدون حقا لتجاوز خلافاتهم وصراعاتهم والتوصل إلى آلية حقيقية لصون أمنهم القومي، دونما اعتبار للعوامل الطائفية أو القبلية؟ وهل سيتدخلون في بلاد عربية أخرى مثل فلسطين أو سوريا أو ليبيا أو الصومال أو العراق، إذا تلقوا طلبات من حكوماتها أو ممثليها الشرعيين؟
ومن سيقود تلك القوات؟ ومن أين ستنطلق طائراتها؟ وهل ستتمكن من القيام بأي عمل دون أن تأخذ إذنا مسبقا من الولايات المتحدة؟ وهل العرب مستعدون لدخول حرب شاملة مع قوى إقليمية كبرى مثل، إسرائيل وإيران نتيجة لتدخلات كهذه؟ وغني عن القول إنه من السهل أحيانا أن تشعل حربا وان تختار تاريخ بدئها، لكن من الصعب أن تضع حدودا جغرافية او زمنية لها. أم أن التدخل العسكري في اليمن يبقى حدثا منعزلا قامت به السعودية أساسا بتأييد من بعض حلفائها داخل مجلس التعاون وخارجه، وهو في الحقيقة تكريس لغياب شامل للجامعة العربية اسما وهيئة ومعنى؟ خاصة أن المعلن هو أن وزراء الخارجية العرب كانوا سيناقشون التدخل في اليمن أمس في شرم الشيخ؟
الواقع أن العرب تأخروا كثيرا في البحث في إنشاء هذه الآلية لحفظ الأمن القومي، مقارنة بأي تكتل اقليمي في العالم، والحقيقة المؤلمة أنهم مازالوا بعــيدين عن التوصل إلى «حلم» كهذا بانتظار تمهــــيد الطــــريق، عبر فصل قضايا الأمن القومي والاقتصاد والتنمـــية عن السياسة ومتاهاتها التي لا تنتهي. وبكلمات أخرى فإن ملف المصالحة العربية يبـــقى الأساس الحتمي لأي تحرك قومي حقيـــقي على أي من الجبهات، خاصة التنمية الاقتصادية والثقافية ومحاربة التطرف التي لا تقل أهمية عن أي من القضايا السياسية.
وللاسف فان كل من حضر اجتماع المجلس الوزاري الاقتصـــادي العـــربي، أمس الأول في شرم الشيخ، والذي لم يدم الا نحـــو ساعتـــين، رغم خطورة القضايا المطروحة عليه، سيعرف انه مجرد اجتماع صوري لاقرار اوراق سبق تحضيرها، ولا تختلف القرارات التي أصدرها هذه المرة عنها في العام الماضي، واهم ما يجمعها هو عدم التنفيذ.
ومع ذلك يبدو أن شرم الشيخ تخصصت في القمم التي تنعقد على وقع طبول الحرب او التي تشهد تحولات كبرى. ومن ينسى القمة التي استضافتها قبل الغزو الامريكي للعراق في 2003، او تلك التي شهدت الملاسنة العلنية بين العاهل السعودي الراحل الملك عبدالله والزعيم الليبي الراحل معمر القذافي التي اشعلت حربا أمنية وسياسية بين بلديهما.
فماذا ينتظر العرب والإقليم هذه المرة؟
٭ كاتب مصري من أسرة «القدس العربي»
خالد الشامي