في الحادي والعشرين من نيسان/ابريل 2015 وبعد أقلّ من شهر على إنطلاقتها، أٌعلن عن انتهاء عملية «عاصفة الحزم»، أي الحملة التي شنّها تحالف تقوده المملكة العربية السعودية ضد جماعة «أنصار الله» الحوثية المدعومة من إيران بعد أن وصل تمدّد هذه الجماعة من أقصى شمال الهضبة اليمنية في صعدة إلى مشارف عدن. بيان القيادة العسكرية للتحالف أعتبر وقتها أنّ «عاصفة الحزم» أنجزت أهدافها «في وقت قياسي»، وقد شملت «تحييد معظم القدرات العسكرية التي استولى عليها الحوثيون، إضافة إلى السيطرة على الأجواء والمياه الإقليمية لمنع وصول الأسلحة إلى المسلحين الحوثيين والمحافظة على السلطة الشرعية وتأمينها وتهيئة البــــيئة المنـــاسبة لممارسة مهامها».
سيبدو هذا البيان اليوم أقرب إلى عالم الفانتازيا. فهو أعلن انتهاء «عاصفة الحزم» في «وقت قياسي»، وأتبعها بإطلاق عملية جديدة يفترض من اسمها، «إعادة الأمل»، أنّها ستكون عملية إنتقالية من حال الحرب إلى حال السلم. لكن «إعادة الأمل» هذه استمرّت لسنتين ونصف السنة إلى اليوم، ولا يبدو لها من أفق ختاميّ، ودار فيها الكرّ والفرّ، وتجلّت الحرب من خلالها كحرب تدميريّة، كلّية، لا هدنة فيها، ولا مسارات تفاوضية سياسيّة مؤثّرة على مجراها، ثم أخذت الحرب تخرج شيئاً فشيئاً عن دائرة اليمن، والتدخل السعوديّ فيه، لتطال الأراضي السعودية في جيزان ونجران وعسير، بل وصلت دائرتها، بصاروخ باليستي موجه صوب مطار الملك خالد، إلى عاصمة المملكة نفسها. والآن، تنذر حرب اليمن بأن تتوسّع أكثر فأكثر، مع انخراط «حزب الله» اللبناني أكثر فأكثر في الأعمال التحريضية ثم العدائية ضدّ الرياض، وإرتباط التصعيد السعوديّ ضدّ «حزب الله» في المقابل، بلحظة حرجة بامتياز بالنسبة إلى مسار التوريث وحركة انتقال العرش داخل المملكة.
استطاع الشهر القصير لـ»عاصفة الحزم» أن يحول دون سقوط عدن بيد الحوثيين، لكنّه ظلّ بعيداً عن تهديد السيطرة الحوثية على صنعاء ومعظم الهضبة، ولم يطرح على نفسه من الأساس العمل على زعزعة التحالف بين جماعة «أنصار الله» وبين أنصار الرئيس السابق علي عبد الله صالح. وما بين عدن وصنعاء، دارت أهمّ المعارك البرّية في مدينة تعز وحولها عام 2015، لتكشف أيضاً عن مفارقات الوضع، فمن جهة الحوثييين وصالح، ويقابلهم من الجهة الأخرى «تشكيلة» من مقاتلي «الإصلاح» (الإخوان) والسلفية والحراك الجنوبية وأنصار الرئيس عبد ربه منصور هادي مع مقاتلي تنظيم «القاعدة». لم يتمكن الحوثيون بالنتيجة من إدامة سيطرتهم على تعز، ولو أنّه فرضوا عليها حالة حصار، جرى التمكن في نهــاية المطاف من رفعه إلى حد معين.
بيد أنّ هذا «التحالف العجيب»، على الأرض، في تعز، والذي مكّن أهالي المدينة بالنتيجة من تحريرها من سيطرة الحوثيين، لم يكن الـــشــيء الذي يرغب فيه «التحالف» بين السعودية وبين الإمارات.
ففي تعز أساساً، هكذا تجميع، يرتبط بمحورية «التجمع اليمني للإصلاح»، الإمتداد اليمني للإخوان المسلمين، الذي يعبّر في نفس الوقت عن زعامة آل الأحمر العشائرية، وعن عمق أساسي في تجمع قبائل حاشد. هذا التجمع كان سبق للسعودية في عهد الملك عبد الله أن صنّفته إرهابياً، أسوة بفروع جماعة الإخوان في كل مكان. مع وراثة سلمان لأخيه غير الشقيق، و»غير السديري» عبد الله، فتحت القيادة السعودية صفحة جديدة وخجولة مع قيادة «الإصلاح»، لكن ظهر اعتراض الحليف الإماراتي على أي تعاون مع «الإخوان» في اليمن، وأثّر ذلك على الموقف السعودي بالنتيجة، والمفارقة أنّه لم يعلن عن لقاء رفيع المستوى بين قادة «الإصلاح» وبين قياديين سعوديين إلا في الأيام الأخيرة، فلقاء ولي العهد محمد بن سلمان مع قادة هذا التجمع القبلي والإخواني في وقت واحد، في الساعات الأخيرة، هو الأوّل من نوعه منذ سنتين ونصف. وهذه فترة زمنية زرعت تناقضاً حقيقياً بين «التحالف» العسكري الذي تقوده السعودية وبين قسم كبير جداً من الشعب اليمني، وقد عزّز من هذا التناقض مجاراة المملكة للإمارات ايصاد الباب أمام «الإصلاح» كونهم إخوان، وعدم انفتاحها في المقابل على الحراك الجنوبي، على ما تفعل الإمارات، وعدم استعدادها لمراجعة موقفها من علي عبد الله صالح، الأمر الذي يجعل الرياض عملياً من دون أي شريك يمني حقيقي، في حربها على الحوثيين، ومن دون خريطة طريق للفوز في هذه الحرب، أو للخروج من دائرة الاستنزاف والارهاق التي تسببها، ومن الفاتورة الإنسانية المتراكمة لمآسي الحرب.
في غياب خريطة طريق للحرب والتدخل في اليمن، ومع ظهور مسالك لتوسّع هذه الحرب في إتجاه العمق السعوديّ، صارت المسائل الإقليمية تزداد ارتباطاً مع مسألة العرش في السعودية. فمن ناحية، حرب مستمرة بعد عامين ونصف من انتهاء «عاصفة الحزم»، ومن ناحية ثانية تبجّح طاووسي إيراني باتساع هيمنة طهران على الشرق العربي، من بغداد إلى بيروت إلى صنعاء، والتأسيس خصوصاً على ما حققه الجيش العراقي والحشد الشعبي في الموصل، بمساعدة الطيران الأمريكي، ضد «داعش»، وفي كركوك، بالاستفادة من تناقضات الأكراد أنفسهم، ضد تطلعات الكرد القومية. في لحظة محمومة بهذا الشكل، صارت عملية «سدّ الثغرات» في الدفاعات السعودية، هي الطريق الملكي للتوريث. يمنياً، عنى ذلك سدّ الثغرات في الحصار المفروض على مناطق سيطرة الحوثيين، بكل ما يحاذره ذلك من تفاقم الفاتورة الإنسانية. كذلك محاولة إعادة فتح قنوات مع قوى يمنية سبق للرياض ان رفضت الشراكة معها، كالإخوان المسلمين من جماعة «الإصلاح». سعودياً ولبنانياً، «سدّ الثغرات» اتخذ مشهديتين باتتا على كل لسان: اعتقال الأمراء المعترضين على وراثة محمد لسلمان، و»جعل» الرئيس سعد الحريري يستقيل، مع ابقائه في الرياض، وترك ملف سياستهم اللبنانية لمجموعة من الأمنيين السعوديين قريبين من ولي العهد. «سدّ الثغرات» في ثلاثيته، الداخلية واليمنية واللبنانية، يشبه معادلة «كل شيء أو لا شيء». بقي أنّه ارتبط أكثر فأكثر بتوعد الإقدام على فعل «غير مسبوق» تجاه «حزب الله»، فما هو؟ عاصفة حزم جديدة، أو «إعادة أمل»؟
وسام سعادة