تصادفت رحلتي المقررة سلفا لمدينة كان الفرنسية لحضور اليومين الأخيرين من مهرجانها السينمائي مع ساعات قليلة من سقوط الطائرة المصرية الأسبوع الماضي. وبالطبع سمعت تحذيرات ونصائح بإلغاء السفر في ظل هذا الحادث المأساوي غير المسبوق، خاصة أن البعض رأى أن فرنسا أصبحت تعاني اختراقات أمنية هائلة ومتتالية.
ولأسباب لا علاقة لها بقناعتي بأنه من المبكر الحصول على تفسير حقيقي بشأن كارثة الطائرة، كما قلنا هنا الأسبوع الماضي، قررت أن أذهب إلى المطار في الموعد المحدد للرحلة.
وأدركت سريعا أنني لم أكن وحيدا في إصـــراري على يقين تلقائي في انتصار إرادة الحياة، إذ لم يكن هناك كرسي واحد فارغ في طائرتي المتجهة إلى مطار نيس. كما أن أجواء الرحلة لم تكن مختلفة عن أي رحلة أخرى.
وبدت مدينة كان مثل ثكنة عسكرية لتأمين المهرجان، عشرات من السيارات والمدرعات الأمنية، لكنها لم تمنع البعض من الاحتفال بالأفلام، وأحدها تم عرضه في شاشة مفتوحة على البحر مباشرة، في دار عرض مفتوحة، أو صيفية كما نسميها في مصر، عندما كانت منتشرة حتى في الأحياء الشعبية التي طالما كنت أتابع فيها الأفلام عندما كنت طفلا.
أما على المستوى الإعلامي، وللأسف الشديد فإن هذه الرحلة أصبحت مصدرا للأكاذيب والافتراءات الصحافية، التي لا تستند إلى حقائق واقعية، في تجاهل فج لمشاعر عائلات الضحايا أيا كانت جنسياتهم، ضمن مشاعر تشف مريضة، ومتاجرة بأحزان أناس أبرياء، تتناقض مع أصول المهنة ناهيك عن الأخلاق الإنسانية والقيم الدينية التي يزعم البعض الانتماء إليها. وقد تابعت مثل كثير من القراء كثيرا من الأوهام، بعضها يثير التقزز في شأن سقوط الطائرة، لا تستحق إعادة نشرها أو مجرد الإشارة إليها. وبعيدا عن تلك الأوهام يمكن أن نثير في الخطوات التالية بعض الحقائق، من دون أن يعني هذا أننا نملك كل الحقيقة او حتى بعضها بالضرورة، بينما نصر دائما على أن تفسيرا تقنيا للصندوق الاسود وحده سيقدم في النهاية الاجابات الحاسمة حول اللحظات الاخيرة في سقوط الطائرة.
أولا:
بعد أسبوع كامل من سقوط الطائرة، من الملاحظ أن أي جهة ارهابية لم تعلن بعد مسؤوليتها عن الكارثة. وثمة تكهنات مفترضة كغيرها فقط هنا، منها أن ثمة جهة ارهابية تقف وراء الحادث امتنعت عن تبنيه لأنها ارادت ان توجه ضربة مقصودة ومشتركة الى فرنسا ومصر معا. ويعني ذلك ان وضع القنبلة ربما حصل حقا في مطار شارل ديغول في باريس، مع ضبط التوقيت في القنبلة تحديدا لتسقط الطائرة داخل الحدود المصرية. وهكذا تتكبد فرنسا ثمنا أمنيا باهظا قد يدفعها إلى إعادة النظر في علاقتها التي تعتبر قوية مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، والتي شملت تقديم صفقات عسكرية هائلة، إلى جانب تعاون اقتصادي. كما ان إبقاء الغموض حول مصدر سقوط الطائرة قد يحمي المصدر الحقيقي للهجوم الإرهابي، وهذا يتفق مع افتراض أن من يقف حقا وراء جريمة كهذه، أكبر كفاءة كثيرا من جهة إرهابية عادية تشن هجمات في باريس أو شمال سيناء.
ثانيا-
على المستوى المصري، فإن عدم إعلان المسؤولية عن إسقاط الطائرة يعني حرمان مصر من مصداقية إعلانها المبكر عن سيناريو العمل الإرهابي. ومن المهم أن عدم حصول أي دليل حاسم على سبب الكارثة، فإن القاهرة وباريس تبقيان طرفين مفتوحين للإدانة، وهذا ما لا يسعى لتحقيقه إلا عدو مشترك لهما.
ولوحظ أن القاهرة اعترفت سريعا بخطأ تصريحات وزير الطيران المتسرعة في ترجيح السيناريو الارهابي، إذ سارع وزير الخارجية الى التشديد على أنه من المبكر ترجيح فرضية العمل الإرهابي، خاصة ان مصر لاتزال ترفض رسميا حتى هذه اللحظة، وبعد ستة شهور من سقوط الطائرة الروسية في سيناء بحصول هجوم ارهابي، لكنها وجدت نفسها، بعد ست ساعات فقط، أنها كافية لترجيح عملية ارهابية في الطائرة المصرية المقبلة من فرنسا (..) .
ثالثا:
بدلا من التركيز على مواساة كافة عائلات الضحايا، شنت بعض وسائل الإعلام المصرية حملات مهووسة للإشادة بالنظام والشركة القومية للطيران لتبرأتهما مبكرا من أي مسؤولية عن الكارثة (..)، رغم ان هذا أمر يجب ان يقرره التحقيق فقط. ويمثل هذا الموقف دليلا على كذب ما يدعيه بعض الاعلاميين في فضائيات مصرية أنهم «ينحازون الى الشعب وليس النظام»، أو أنهم قرروا (فصل الإدارة عن الملكية). الواقع أنها حالة مأساوية إعلامية تدفع الى تدهور في حالة الوعي العام وتسيء الى مصلحة النظام نفسه ولا تخدمه.
رسائل خاصة
1 – خرج الوزير المصري مبشرا الشعب بأن الحالة الاقتصادية في البلاد ستتحسن في عام 2021 (اي بعد خمس سنوات في إشارة الى قرب نهاية الفترة الرئاسية الثانية للرئيس السيسي)، وسارعت المذيعة الى المباركة للشعب بهذه الاخبار السعيدة، وختمت الحلقة سريعا. أما كيف سيتمكن الشعب من البقاء على قيد الحياة اصلا حتى نهاية الســــنوات الخمس المقبلة، هذا ما لم يخبره به أحد.
2 – إذا كنت تملك سيارة في مصر، فلابد أن تدفع مئة جنيه سنويا كرسوم لراديو السيارة الذي تستمع فيه إلى إنجازات الحكومة، أو قنوات الموسيقى والأغاني التي تساعدك في البقاء على قيد الحياة في انتظار عام 2021. لديك خياران ان تحول سيارتك الى تاكسي ابيض كما يفعل البعض فعلا، او تتحرك في البلد باستخدام تاكسيات شركة (أوبر) كما يفعل العبد لله.
3 – في نبأ بدا سعيدا حقا، تم تخفيف الأحكام الصادرة بالسجن لخمس سنوات ضد خمسين شابا لانهم تظاهروا اعتراضا على اتفاقية الجزيرتين مع السعودية، ولتبقى غرامة قدرها مئة الف جنيه (نحو عشرة الاف دولار). وبالطبع فإن الأغلبية العظمى من اولئك الشباب لم يلمسوا ابدا مثل هذا المبلغ بأيديهم، ناهيك عن ان يمتلكونه اصلا. المطلوب هو احترام الدستور مجانا، وليس استغلاله بمئة ألف جنيه ضد الشباب، او مئة جنيه ضد اصحاب السيارات. النكتة أنه تم رفض طلب من الشباب بالدفع لكن بالتقسيط (..). البعض نصحهم باختيار السجن، وهو اسهل كثيرا من العثور على مبلغ كهذا في هذه الايام.
4- أن يصبح مجرم عنصري وزيرا للدفاع في اسرائيل ليس سوى اكتمال للمشهد الدموي الذي يجري الإعداد له في تل ابيب، والاهم انه افضل «هدية» ممكنة من نتنياهو بعد ساعات قليلة من مبادرة الرئيس المصري الذي اعتبره شريكا محتملا بل وممكنا للسلام. يرجى مراجعة مقال الاسبوع الماضي.
٭ كاتب مصري من أسرة «القدس العربي»
خالد الشامي