من قتل ناجي ومن أنقذ العدو من الجريمة؟ «الجزيرة» تعطيك الصندوق وترمي المفتاح في البحر؟

 

أيها المشاهد الكريم، يسرنا أن نعلمك أنهم ضحكوا عليك، وأن القاتل لم يكن يريد أن يقتلك أنت، ما دمت أهم المدعوين لطرقعة الأنخاب، ولكن لسوء حظك يا مسكين، اختفى المشهد الأخير من الأرشيف، وصارت حالك كحال العميان، الذين (رزقهم الله ببنت قلعوا عينها باللحمسة)، أما الرصاصة فظلت بحوزة الورثة، وأما حنظلة فسبق الزمن واخترق الأبد، وهو يسير أمامنا ونحن نتعرقل بظله، وبما انسكب من دم قلمه، محاولين اللحاق به، نسرق مراياه فلا نكتشف وجهه، إنما تنكشف وجوهنا العارية أمامه، نقول له انتظر لقد عرفنا القاتل، ولكننا نسينا اسمه، يصفن قليلا بنا دون أن ينظر إلينا، ويسير قدما، راكلا الطريق بفردة حذائه الحافية، وأنت عزيزي المشاهد، لم تزل تبحث عن القاتل، والشهيد لم يمت، بل يشرب القهوة الآن مع الشهداء هناك في خيمة السماء، ويتفرج عليك من عل، بلا حاجة إلى تقارير إخبارية أو مخلوقات فضائية!

«الجزيرة» تكشف السر أم تكتمه؟

«الجزيرة»، تريك ما في داخل الصندوق دون أن تفتحه، تضع لك المفتاح تحت عتبة المقابر، تكتفي بالاستقصاء والبحث وعرض الأدلة الثبوتية والشكوك الدالة على اليقين، دون أن تتطفل على عقلك وإحساسك، تاركة لك المهمة الأخيرة: العثور على الريموت!
الاستقصاء أول الحقيقة، بما أنه يحتاج إلى شجاعة مثابرة، وذكاء متفان، ورؤية وثابة، وحدس جريء، وموهبة عنيدة وثقة ماكرة، وقلق بقلب ميت، على طريقة «ما خفي أعظم» لتامر المسحال، والجريمة السياسية على «الجزيرة» الوثائقية، فكلاهما تجاوزا الخطر باقتحام ما هو أخطر منه: اللا خطر، وهذا لا يحول الجرائم الغامضة إلى بضاعة إعلامية مجانية مما يبخسها قدرها، إنما يتحدى المخاطر، ويهون الصهب دون أن يستهين به، مدركا لقيمة الحقيقة ووزنها.
دخل إلى المناطق المحرمة، وحرر الأفواه المكممة، وأيقظ الموتى، وأرّق القتلة، وحاكم الضمائر بلا محكمة، وعاقب الجبناء، وفضح الخونة وقهر الأعداء، وأراح قلب السماء… فكيف لا تتواطأ معه في مراوغة الجريمة، ما دمت لست بحاجة إليها لتدلك على القاتل، وهذه مهارة مبدعة تمكن «الجزيرة» من اللعب مع الظل بخفة ودقة، لتوازن بين المهمة الإعلامية والوطنية، فهي ليست شرطيا ولا سجانا ولا قاضيا، ولا محكمة عدل دولية، إنها فقط بلورة الغيب، فهل هذا يكفي ليصحو الشهيد، وينام المشاهد؟
وأنا أتحدث مع زوجة الشهيد ناجي العلي، عن حلقة ناجي، التي وثقتها «الجزيرة»، سألتها إن كان هناك شيء لم يعرفه أحد عنه بعد؟ أجابت بحسم: (ناجي لم يزل يرسم، ورسوماته تواكب الحدث وتسبق الزمن، ناجي يقتل المجرم كل يوم ألف مرة، لأن القاتل فشل في جريمته، التي تلاحقه كلما هم ناجي برسم لوحة جديدة)، ولما سألتها عن مدى تفاؤلها بفتح ملف الجريمة في بريطانيا بعد ثلاثين عاما، قالت: (آمل أن تأخذ العدالة مجراها، من أجل العدالة، لأن ناجي عايش، خارج هذا الزمن الرديء، حمدا لله أنه استشهد قبل أن يدرك انحطاطه وإلا مات قهرا) .
حدثتني عن وضوحه، لا يخبئ ولا يختبئ، عاطفي بأخلاقية، وقاس بإيجابية، لو رأيتها في برنامج الجريمة السياسية، وهي تفتح صندوق أشيائه، ساعته، سيجارته، أوراقه، قلمه، رائحته، بحته التي يكتمها بقحة مخاتلة… تحدثنا عن «القدس العربي»، وعن زيارة سناء العالول للشهيد وهو في نومته الطويلة في المستشفى. وعن أصدقائه الذين لم يخونوه، وعن أبنائه الذين لم يشبهوه بل أصبحوه… وعن بلاده التي عادت إليه قبل أن يغادرها. عن رسمة مفقودة كجنة… أو مهجورة كمعركة… فماذا بعد!

بين «كاتارا» وتركيا … إطلالة إعلامية

تكشف «الجزيرة» عن تفجير تمثال ناجي العلي، الذي نحته الفنان شربل فارس، على باب مخيم عين الحلوة، بعد رفض المسؤولين السماح بدفن جثته في المخيم، ويا سبحان من يحيي العظام وهي رميم، فلا تسل كم مرة قتلوا ناجي، إنما سل كم مرة نجا؟ في حين استضاف برنامج درب المدينة على قناة قطر الفنان هاني مظهر، صديق الشهيد، حيث نظم ملتقى «كتارا» الثقافي أول معرض من نوعه لهما، ضم ما يقارب المئة لوحة، في الوقت ذاته، الذي احتضنت اسطنبول معرضا له ضم عشر لوحات، استقطبت القاصي والداني في تركيا، وحظيت بتغطية إعلامية شجاعة، حيث تحدث نعمان كورتولموش، نائب الرئيس التركي بانحياز مؤثر عن مسيرة المبدعين المناضلين، كما أخبرنا مظهر، فهل يرث الأتراك شهداءنا وأعداءنا ولا نرث نحن سوى الخونة والعملاء؟ هل يتعلق الأمر بالفطنة الإعلامية أم بالانتماء الإعلامي للإنسانية؟
تخبرك «الجزيرة» في برنامج الجريمة السياسية عن شهيد اكتشف شهيدا، حيث زار غسان كنفاني مخيم عين الحلوة، ليلتقي بناجي ويقدمه في أول رسوماته الصحافية في مجلة الحرية، فهل انتهى عصر الأبطال فعلا، كما أخبرتني أم خالد العلي؟ أم أن البطولات لم تزل تبحث عن شهيد تليق به ويليق بها، فلا تجد سوى من استشهدوا لكي تستشهد بهم من جديد؟
هناك أيضا أربعة مجرمين «بأسماء مستعارة» تحويهم الجريمة في سلة واحدة، كما عرض برنامج الجريمة السياسية، من العميل المزدوج إبراهيم الصوان، وأخيه اسماعيل في الموساد، ثم عبد الرحيم مصطفى ضابط الأمن في مكتب المنظمة في لندن، ثم هناك بشار سمارة، تم إلقاء القبض عليهم من قبل عناصر أمنية بريطانية، مع الاكتفاء بتوجيه تهمة ممارسة نشاطات سرية دون تصريح قانوني، علما بأن صحيفة «التلغراف» البريطانية، اعترفت بتورط الموساد وبالاختراق الإسرائيلي للمنظمة، في حين رأى الفنان السوري «علي فرزات» وقتها أن إسرائيل تنازلت عن جريمتها لأعدائها، بينما اعتبر وزير الإعلام الأردني السابق صالح القلاب أن عرفات لا يهتم لمعارضيه، وهو أكثر شخصية تتقبل الرأي الآخر، وأن توريط المنظمة تكتيك إسرائيلي لتشويهها وتشويهه!

لماذا نخاف من العملاء أكثر من الأعداء؟

يعترف عبد الرحمن الراشد في برنامج «الجزيرة»، أن مصطفى مصدر معلوماتي للموساد، في الوقت ذاته، الذي يؤكد طرد ناجي من الكويت بسبب المنظمة، وليس بسبب إسرائيل، فهل أخطأ الراشد في التقدير؟ أم في التفكير؟ وبين العملاء مزدوجين، والتباس المفارقات والعثور على مخزن أسلحة أودعه مصطفى عند صوان، يراودك سؤال زوجة الشهيد: (هل هناك فرق بين أن يكون القاتل عميلا مزدوجا أو لا يكون؟)، طالما أن (الزرزور كفل دبور طلعوا الاثنين طيارجية) .
الفنان السوري علي فرزات اعترف بخوف الأنظمة العربية من الشهيد، لأنه اختصرها بالمتكرش، الذي يتقلص حتى يصبح مؤخرة فقط، أما الأنبياء فكانوا رفاق نضال في لوحة المسيح، الذي يقاتل بالحجر، كما قال بيار صادق، وأما أبو شاور فتكفل بالختام. لقد عثر ناجي على قاتله، رسمه قبل أن يراه! فهل سيهمك القاتل وهو كالميت الذي طلب منه أن يستر عورته فقال: اللي برجع على الدنيا يستحي! رغم أن أحد الشهود رآه في أحد خمارات تونس يبكي ندما على الجريمة، ولكن هل يفيد الندم؟ أم أنه عزاء المفلسين اللي من كثرة الطفر بشوفوا البزقة شلن»!
بسام أبو شريف كشف عن القاتل حين تحدث عن كاريكاتير مهران، واعتبره شخصيا، بينما أصر ابن الشهيد على حرص والده على القضية والنأي بها عن الحروب الرخيصة والثارات الشخصية، وطالب الشاعر خالد أبو خالد بالعثور على اللوحات المختطفة التي يقال إنها تفوق الأربعين ألفا نشر منها ثمانية آلاف، وفيها ما أراد ناجي قوله!
كثر هم قتلة ناجي، الذين غاروا من نجاحه، والذين تاجروا به، والذين انخدعوا بقتلته ولكن أشدهم فتنة هم الذين أنقذوا أعداءه من جريمتهم .. فهل أكتفي أم أزيد؟

كاتبة فلسطينية تقيم في لندن

من قتل ناجي ومن أنقذ العدو من الجريمة؟ «الجزيرة» تعطيك الصندوق وترمي المفتاح في البحر؟

لينا أبو بكر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية