تسلم الدبلوماسي البلغاري نيكولاي ملادينوف، يوم الأربعاء الماضي عمله كمنسق خاص للسلام في الشرق الأوسط، ومبعوث خاص للأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، لدى السلطة الفلسطينية، وهو يحل في ذلك محل الدبلوماسي الهولندي روبرت سيري. وحظي ملادينوف بدعم أعضاء مجلس الأمن الدولي الخمسة عشر عند التصويت على ترشيحه من قبل الأمين العام.
عملية التغيير هذه تبدو طبيعية في ظاهرها… مجرد تغيير مواقع وهذا يحصل على الدوام، إذ خدم سيري حوالي سبع سنوات في هذا المنصب وحان موعد التغيير. وكما قلت يبدو هذا الإجراء طبيعيا، لولا ما تكشف من تاريخ هذا المنسق الأممي الخاص للسلام الجديد. وما تكشف يسمح لأي مراقب أن يتساءل عما إذا كان هذا القرار اتخذ بحسن نية وبمحض صدفة، أم أن في الأمر إنّ. أنا شخصيا أميل إلى الـ»إنّ»… ليس لأنني شكاك بطبيعتي، وليس ثمة خطأ في ذلك، ولكن لأن التجارب علمتنا أنه ليس في عالم السياسة صدف أو حسن نوايا، خاصة في مثل هذه المناصب الأممية العليا والحساسة جدا. وحسب ما توفر من معلومات حول ملادينوف، فإنه وقبل تسلمه منصبه الجديد، تولى في بلاده بلغاريا منصب وزير الدفاع ليتولى بعدها حقيبة الخارجية، ومن الخارجية في بلاده إلى رئاسة بعثة الأمم المتحدة في العراق، في زمن صعود تنظيم ما يسمى بـ»الدولة الإسلامية» (داعش) الذي بدأ في صيف عام 2013 هجوما واسع النطاق سيطر خلاله على أنحاء واسعة من العراق وسورية. ولكن ما لم يذكره أو يشير اليه معددو مناقب هذا الدبلوماسي، تعاطفه الشديد مع إسرائيل وقضاياها، فهو الذي حظي عن جدارة بلقب «صديق إسرائيل الكبير». وحسبما جاء في تقرير نشره الموقع الإلكتروني لصحيفة «يديعوت أحرونوت» فإن ملادينوف يعتبر حليفا قويا، بل من أشد المؤيدين لدولة الاحتلال.. «اسرائيل». وهناك من يقول، ولكنني لم أتمكن من التأكد من هذه المعلومة، إن ملادينوف الذي تعتبر حكومة بلاده الأكثر خضوعا للنفوذ الأمريكي بين دول أوروبا الشرقية، ذو أصول اسرائيلية.
وهذه المعلومات من شأنها أن تدق لا ناقوس خطر واحدا بل كل نواقيس الخطر لدى السلطة الفلسطينية بشكل خاص والفلسطينيين عموما، في الوقت الذي يشنون فيه حربا دبلوماسية – سياسية على إسرائيل، على طريق تحقيق الدولة المستقلة. واختيار ملادينوف في منصب منسق السلام الخاص، لا يبشر بخير للمشروع الفلسطيني وعملية السلام المعطلة أصلا. والسبب أن أحكامه ومواقفه ستكون موضع شك.. وشهاداته مجروحة. إذ كيف لشخص مقتنع بمثل هذه المواقف يمكن أن يكون شخصا غير منحاز، أو أن يلعب دور الوسيط النزيه… فمهما بذل من جهود ومهما حاول أن يكون دبلوماسيا فلن يخرج من جلده، لأن ماضيه لا بد أن يتغلب على نزاهته.. وكما يقول المثل «العرق دساس».
والوضع كذلك فإن الفلسطينيين ببساطة شديدة ليسوا مجبرين على القبول بهذا التعيين، ولا يمكن فرضه عليهم كأمر واقع.. وثمة مخارج لهذا المأزق الدولي.. أولها وأهمها نقاط قوتهم التي يجب ان تستغل على نحو جيد.. فهم الطرف الأساسي في هذا الصراع، ولا يمكن غض الطرف عنه.. ولا أحد قادر على فرض حل عليهم.. ولا حل بغيرهم، رغم الكوارث التي يعيشها محيطهم العربي… عليهم أي الفلسطينيين، أن يقولوا بملء الفم، لا لهذا الوضع الجديد.. قبل أن «يقع الفأس بالرأس» كما يقولون.، وعندها يعضون الأصابع ويندمون حيث لا ينفع الندم.
وإن عجزوا في هذه المهمة وهو المرجح فأمامهم وهذا من حقهم، مقاطعته ورفض التعامل مع ملادينوف بأي شكل من الأشكال عن طريق التخلص منه، بالضبط كما فعل الإسرائيليون مع وليام شاباس رئيس اللجنة المنبثقة عن مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف، للتحقيق في المجازر التي ارتكبها جيش الاحتلال ضد الشعب الفلسطيني في غزة، برفضهم التعامل معه انطلاقا من انحيازه المزعوم لفلسطين.
فمنذ اللحظة الأولى التي شكلت فيها هذه اللجنة برئاسة الخبير القانوني الكندي، رفضت إسرائيل التعامل معها ومع رئيسها، او حتى السماح له أو لأي من اعضاء اللجنة بدخول «اراضيها»، ما اضطر هذه اللجنة إلى إجراء المقابلات مع المسؤولين الفلسطينيين في العاصمة الأردنية عمان. ولم يكّن الإسرائيليون ولم يهدأوا حتى وجدوا ما يمكن ان يبرروا به موقفهم المعادي بالكشف عن تقاضي شاباس مبلغ 1300 دولار او ما شابه ذلك، من منظمة التحرير مقابل استشارة قانونية، مما اضطره إلى الاستقالة.
واستبدل شاباس بماري ماكغوان ديفيز القاضية السابقة للمحكمة العليا في نيويورك، عضو لجنة التحقيق، ولقي تعيينها الترحيب من حكومة بنيامين نتنياهو اعتقادا بأن التعيين الجديد سيقطع الطريق على النتائج التي توصل لها شاباس بشأن جرائم الاحتلال في حربه على غزة. ويفترض أن تقدم اللجنة تقريرها في مارس المقبل.
والفلسطينيون لا يحتاجون للحفر وراء ملادينوف، بحثا عن دليل على تحيزه فتصريحاته كثيرة في هذا الصدد، وموقفه من إسرائيل ليس خافيا على أحد، ولا اعتقد أنه سيحاول إنكاره. ويحب ألا يهدأ لهم بال حتى يرغموه على الاستقالة واستبداله بشخص حيادي.
غير أننا وحتى الآن لم نسمع أصواتا من اصحاب القرار الفلسطيني تطالب بتنحية ملادينوف عن هذا المنصب الحساس. وباستثناء كايد الغول عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية، الذي عبر عن رفضه لهذا التعيين، واعتبره نقيضا لأي مسعى لعملية سلام حقيقي تدّعي الامم المتحدة العمل على تحقيقه، لم يصدر، أي تعليق من جانب السلطة الفلسطينية لا على لسان وزير خارجيتها رياض المالكي، ولا على لسان وزير خارجية منظمة التحرير رئيس دائرة المفاوضات فيها صائب عريقات.
نقدر موقف المالكي النقدي من اللجنة الرباعية وبيانها الذي صدر عن اجتماعها الأخير على هامش مؤتمر ميونيخ للأمن في ألمانيا، ووصفه بأنه «لم يرتق لمستوى التوقعات». ولكن ليس متوقعا من «الرباعية» أكثر من ذلك. فهي شكلت لهذا الغرض.. ومن يتوقع من لجنة مبعوثها الخاص للسلام هو مسيلمة البريطاني «توني بلير» أكثر من ذلك.. يبقى يضحك على نفسه. ولكن حتى لا نقع في الفخ مجددا ونكرر سيناريو الرباعية ومبعوثها الخاص مسيلمة البريطاني مكتفين بالإدانة والانتقادات، مع ملادينوف ارفضوه وأعملوا على إسقاطه وتغييره.
وأختم.. بوجود «صديق إسرائيل الكبير» وسيطا ومنسقا للسلام باسم الأمم المتحدة، ومسيلمة البريطاني (توني بلير رئيس الوزراء البريطاني الأسبق الصهيوني الهوى)، صديق اسرائيل الآخر كمبعوث خاص للجنة الرباعية الدولية. للسلام في الشرق الأوسط، تكون الحلقة قد اكتملت، وعلى عملية السلام «العادلة والشاملة».. السلام الأبدي.. وستطبق الكماشة فكيها دوليا على القضية الفلسطينية.. وسيصبح الفلسطينيون إذا لم يمسكوا بزمام المبادرة.. ولو مرة واحدة بالفعل بدلا من ردة الفعل، تحت رحمة مسيلمة البريطاني وملادينوف البلغاري.. و»يا عيني لا تحزني».
*كاتب فلسطيني من أسرة «القدس العربي»
علي الصالح