من ميدان التحرير… برد ومطر وسحلب بلا ثورة

لأسباب غير متوقعة، وجدتني في طريقي إلى مصر في اليوم التالي للذكرى الخامسة للثورة، وحيث أنني لا اعتبر نفسي وصلت إلى القاهرة إن لم أزر (التحرير) فقد كان التحرير وجهتي الأولى أمس بعد واجبات أخرى.
وعلى الرغم من أن «الاوضاع في الميدان بدت طبيعية للغاية باستثناء الامطار ولسعة برد تعتبر صقيعا بالمقاييس المصرية» فإن روح الثورة وعبق ذكراها كانا مازالا حاضرين وبقوة، على الأقل بالنسبة لي، ولأمثالي ممن يرون في الثورة تاريخا شخصيا وليس مهنيا أو سياسيا فقط.
وحسب الطقوس التي لا فكاك منها فقد كان السحلب السخن «المشروب الوطني» في قهوة «وادي النيل» التي تتوسط الميدان، وكانت أحد المواقع التي ارتبطت بأحداثها. ومن ذلك الموقع الاستراتيجي ألقيت نظرة متأنية شاملة على الميدان وأركانه المفعمة بالذكريات التي شهدت أحداثا جليلة غيرت تاريخ مصر، واتسعت آثارها إلى ماوراء الحدود.
وعلى الرغم من أن هيئة الارصاد الجوية لا تنفك تطالب المواطنين يوميا منذ الأحد الماضي (أي عشية ذكرى الثورة) بعدم الخروج من البيوت، محذرة من العواقب، فقد كان زخم حركة المشاة والسيارات في الميدان، كما رأيتها، دليلا جديدا على مدى كذب الهيئة وفشلها. إلا أن الانعدام التاريخي لثقة المصريين في كل ما تقوله هيئة الارصاد لم يكن السبب في حالة الهدوء الحذر الذي شهدته البلاد في ذكرى الثورة، باستثناء هجوم ارهابي هنا وهناك، كما توقعنا في مقال الأسبوع الماضي.
ولكنه مزيج من عوامل ثقافية واجتماعية وسياسية ما جعل الناس في حالة لا تسمح بالاستجابة لدعوات التظاهر، من دون أن يعني هذا انهم راضون عن الاوضاع الحالية أو سعداء بها.
ومن اللافت أن الحكومة وجماعة الاخوان اتفقا على محاولة تصدير صورة غير واقعية لتفاعل المصريين مع الذكرى الثورية، إذ تجمع ثلاثمئة شخص في الميدان الاثنين الماضي لتأييد النظام، خاصة الشرطة في ذكرى الثورة، وهذا من حقهم على أي حال، تماما كما أنه من حق معارضي النظام أن يتظاهروا سلميا للتعبير عن آرائهم، إلا أن وسائل الاعلام قررت تصدير الصورة في الميدان على أنها احتفال بذكرى الثورة. هذا في الوقت الذي كان اولئك المتظاهرون عمليا يهنئون الشعب بفشل الثورة والقضاء عليها (..). واذا سأل سائل كيف سمح لأولئك المحظوظين بالتظاهر في الميدان بهذه السهولة، على الرغم من أن الشرطة نفسها أعلنت الأحد عدم وجود اي طلبات بتنظيم مظاهرات، وانها عازمة على تطبيق قانون التظاهر (أو منع التظاهر كما يسميه المصريون) فالإجابة قد تكون أن النظام شعر بأنه من غير الطبيعي أن تمر ذكرى ثورة عظيمة كهذه في أي بلد دونما اي احتفال او مظاهرة ما، ومن هنـــــا جاءت فكرة هذه المظاهرة التي صممت من أجل نقلها اعلاميا فقط.
اما السيدة التي ظهرت وسط تلك المظاهرة، وهتفت ضد النظام ورئيسه ليتجمع حولها فجأة اكثر من 15 شرطيا بعضهم بملابس مدنية فقد تم الاكتفاء بعزلها بسرعة، ثم طلب منها المغادرة في سيارة أجرة من دون اتخاذ اجراءات ربما تفاديا للاحراج في وجود وسائل الإعلام.
أما على الجانب الآخر فقد نظم انصار لجماعة «الاخوان» مسيرات محدودة ومتوقعة، حاول التيار المنشق عن القيادة التاريخية في الجماعة تصويرها على انها كانت بمئات الآلاف، وكأن الكلام موجه إلى من يعيشون خارج مصر ليس داخلها، إذ أن من في الداخل لم يجدوا دليلا على مثل هذه الاعداد، واتخذها البعض دليلا اضافيا للتشكيك في كل ما يصدر عن الجماعة وأنصارها.
أما الواقع في ميدان التحرير فهو أن الثورة لم تجد من يحتفل بها، حيث أنه من الطبيعي أن انصارها لم يجدوا ما يحتفلون به في ظل ما آلت إليه اهدافها، اما خصومها فلم يتورعوا عن إهانتها أو الشماته فيها، رغم الاحتفاء الرسمي المفترض بها بعد أن ألقى رئيس الجمهورية خطاب خاصا في المناسبة. أما المسيرات المحدودة للإخوان ففقدت علاقتها واقعيا بالثورة، إذ ينظر إليها على أنها ترتبط بالأجندة الخاصة للجماعة وليس المواجهة التي يجد المصريون اليوم وحيدين فيها، خاصة بعد عودة ملامح الحكم الشمولي والوحشية الرأسمالية وقمع حرية الرأي.
في ميدان التحرير تبدو واضحة مرارة الفقد، ورائحة الشهداء، بل دموعهم بعد أن خيبت النخبة السياسية والدينية والثقافية آمال المصريين في أعقاب الثورة، بالقدر نفسه الذي شعروا معه بالتفاؤل خلال أيامها المجيدة، حتى أن ثقتهم اليوم في الاحزاب او النظام أو ما تبقى من جماعة الإخوان ليست افضل كثيرا من ثقتهم في هيئة الأرصاد الجوية.
إن مصر في الذكرى الخامسة للثورة تجد نفسها في حاجة إلى بداية جديدة على أساس من التوافق المجتمعي المدني حصريا، يتجاوزون معه العناوين المستهلكة والقيادات البالية والأجندات الضيقة المصنعة داخل الحدود أو خارجها.
وليست المبالغة الحكومية في الاجراءات الامنية عشية ذكرى الثورة إلا اعترافا صريحا من النظام بأن ثمة استحقاقات مازالت تنتظر، ما يضطره إلى الاستمرار في استخدام فزاعة الارهاب والإخوان سعيا للفرار منها، من دون أن ينفي هذا وجود دعم شعبي حقيقي للنظام في مواجهة ما تبقى من فلول الإرهاب والاتجار بالدين، على أن لا يصب ذلك في مصلحة فلول القمع والفساد.

٭ كاتب مصري من أسرة «القدس العربي»

خالد الشامي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية