ليس غريباً أن يقع المرء فريسة لخديعة في باب «فيديو وصور» يقول إنه يكشف سر الإضاءة في عمارة العفاريت في الاسكندرية، ليس غريباً ما دام وقع من قبل فريسة لتصديق حكاية العفاريت من أساسها.
يقول الخبر إن أضواء العمارة قد اشتعلت أخيراً على نحو مريب، ثم يفتح باب الحكاية من أولها، حيث عمارة رشدي في الاسكندرية التي بنيت في ستينيات القرن الماضي وظلت طوال العقود التالية محاطة بالألغاز والأساطير، لا يجرؤ أحد على الاقتراب منها، إلى أن اقتحم شبان مصريون في العام 2012 العمارة وتجولوا فيها (في الوقت نفسه كان شبان في جهة ما من الأرض يسألون إن كان هناك سكان في الكواكب الأخرى)، فبدوا كما لو أنهم سرقوا سر النار، ثم جاء من طالبهم بأن عليهم أن يتجرأوا ليدخلوا العمارة في الليل لا في النهار.
سرعان ما ستكتشف أن الفيديو قديم يعود إلى ثلاث سنوات خلت (وقد حظي بما ينوف على الثمانيمئة ألف مشاهدة)، وما «الإضاءة» التي يكشف عنها الإعلام المصري إلا لشركة مقاولات اشترت العمارة وقررت تحويلها إلى فندق فأشعلت الأضواء فيها كي تبدد أوهام العفاريت.
لكن الإعلام سيظل، على ما يبدو، يسميها «عمارة العفاريت»، حتى لو اكتظت بالبشر، إن مال عمود هناك سيقول لقد مال عمود قرب عمارة العفاريت، وإن انطفأ ضوء فهو سينطفئ بسبب عمارة العفاريت. وبالطبع كلما مر الخبر سيرفق مع تلك الموسيقا المرعبة التي تهد الحيل، كتلك التي رافقت فيديو آخر عن العمارة يعلن عن «ظهور جديد للأشباح في عمارة رشدي في الاسكندرية».
لا حاجة إلى القول إن العمارة الشهيرة مثلها كثير من عمارات الوهم في حياتنا، مثل قلاع أخرى كثيرة عصية على الاقتحام، من بينها عمارة الإعلام نفسه. لكن بالقدر الذي يصح السؤال لماذا لشركات المقاولات وحدها أن تبدد الوهم في عمارة العفاريت (هنا يمكننا أن نضع أيدينا على ثيمة تلفزيونية ثمينة تحتاج إلى كاتب من وزن الراحل أسامة أنور عكاشة)، يصح السؤال أيضاً: من يريد أن يوقظ عفاريت الاسكندرية؟ ولماذا؟
صورة أخرى في الألبوم
صورة الطفل السوري ايلان ميتاً على الشاطئ التركي لوحدها مؤلمة، ومن الواضح أنها ستنضم إلى باقة الأيقونات التي تعبر عن سوريا الحزينة، لكنها مؤلمة أكثر وأشد تعبيراً بوجود الجندي التركي داخل الصورة. الجندي يقف على مسافة واضحة من جسد الصبي، بل ويسجل على ورقة البيانات المطلوبة، لقد بدا (الجندي محمد تشيبلاق) كأنما يقف بالنيابة عن العالم كله؛ الجليد ذاته، الحياد، والمسافة الباردة، حتى حين حمل الجندي الطفل كانت ذراعاه ممدودتين: المسافة مرة أخرى، لأن الجندي لا يمكن أن يكون أباً. وحدها الموجة على وجه الصبي كانت حنونة بلا حدود. موجة لا تُنسى.
في كل مرة، إزاء كل صورة أيقونية مماثلة يسأل المرء، رغم أهمية الصورة، عن المصور أيضاً، كيف تحمّل أن يبقى بارداً وموضوعياً إلى هذا الحد، كيف أعطى لنفسه الوقت كي يحسب الوقفة وفتحة العدسة المناسبة وخلافه. كي تحمل أن لا يلثم عيني الصبي، يديه، وحذاءه المعبود. لكن من دون هذه المسافة والمهارة (الصورة هي للمصورة التركية نيلوفير دمير) ربما لم يكن العالم سيتمكن من إضافة صورة أخرى إلى الألبوم!
الأبراشي يسأل
المذيع المصري وائل الأبراشي كان واحداً من بين إعلاميين كثر أجروا مقابلات مع والد الطفل السوري الغريق، لكنه للحق تفرد في سؤاله للأب «هل تحس بعقدة ذنب»؟ هكذا حرفياً! لا شك أن الرجل المفجوع بمصيبة كهذه يحتاج من يواسيه ويخفف عنه، لا من يوقظ لديه العقد. لكنه بدل أن يواسيه راح الأبراشي يقتنص الفرصة السيـاسيـة للنـيل من تركيـا، وأردوغـان، وتعـزيز مـكانة مصر، عبر سؤاله إن كان الأب يقبل بجنسية هذا البلد أو ذاك.
كانت بالفعل مقابلة مخجلة، لا تليق بمأساة فادحة كهذه. دقائق ثقيـلة الـظل، ومذيـع يصـر علـى أن يكـون في المـكان الخط.
الأبراشي كان دائماً هكذا، هو في مقابلاته أقرب إلى المحقق، المستجوب منه إلى المذيع، الأهم أنه خير من يمثل حقبة إعلامية، زمناً، يصلح أن يسمى زمن السيسي.
الديك في قرطاج
تونس، البلد الذي له الفضل في تصدير الربيع العربي، هذا الذي لا بد له أن يثمر طال الزمن أم قصر، بإمكانه أيضاً أن يستقبل المغني السوري حسين الديك بثلاثة عشر ألف متفرج! لا داعي لنقول هنا المغني المؤيد للنظام السوري، فنحن الآن بصدد الذائقة، ولا شيء سواها.
تقول الأنباء إن أغنية «لما بضمك عصديري» شكلت حالة استثنائية لدى الجمهور التونسي، وأنه قد رددها مراراً وتكراراً. لكن هل كانت تونس من قبل غير ذلك؟ نعني على مستوى الذائقة، وهل هناك رابط بين الربيع العربي والذائقة الجديدة في تونس؟ لا شك أن الربيع سيثمر ذائقة مغايرة لن يكون حسين الديك جزءاً منها. خصوصاً أننا نتحدث هنا عن جمهور شاب، يفترض أنه كذلك جمهور الربيع. من دون ذلك لا يكون الربيع ربيعاً.
كاتب من أسرة «القدس العربي»
راشد عيسى