هل بإمكان الولايات المتحدة أن تُبادر إلى توظيف نفوذها لإجبار إسرائيل على صُنع السّلام مع الفلسطينيين؟ سؤال غير قابل للإجابة قبل البحث في طبيعة النظام السياسي الأمريكي، ومن يُوجّه السياسة الخارجية الأمريكية ويستغلّ تأثيرها لصالحه.
تبقى المنابر الإعلامية الرئيسية في أمريكا متعاطفة مع إسرائيل، حتى إن اقترفت أبشع الجرائم في حق الشّعب الفلسطيني، فأشكال الضغط السياسي مستمرّة و»الإيباك» يعمل جاهدا على شراء الذّمم ومنع النقاش حول إسرائيل وجرائمها، وكلّ ذلك لإطالة أمد الأزمة، رغبة في جعل مسألة إنهاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي مستحيلة أو بعيدة التحقّق. ويمتلك اللوبي الإسرائيلي في أمريكا نفوذا استثنائيا وقدرة على توظيف النظام السياسي الأمريكي، وهو ما يفسّر العلاقة الحميمة بين إسرائيل والولايات المتحدة، ودرجة الموالاة لإسرائيل من قبل الإدارات الأمريكية المتعاقبة. فجماعات المصالح التي تُشكّل اللوبي الصهيوني داخل الولايات المتحدة تُحاول دائبة جرّ السياسة الأمريكية باتجاه إسرائيل، في الوقت الذي فشل فيه العرب في تشكيل جماعات ضغط ومصالح خاصة موالية لهم، تُوازي اللوبي اليهودي أو على الأقلّ تُنافسه مرحليّا لرفع مستوى التأييد الأمريكي وغير الأمريكي لمصالح الأمة وأولها المصلحة الفلسطينية في إقامة الدولة واسترجاع الحقوق المسلوبة.
يؤثّر اللوبي الإسرائيلي في الحكومة الأمريكية، كما يوظّف وسائل الإعلام ومراكز البحوث والأوساط الأكاديمية، ناهيك عن الانحياز التحريري في جلّ الصحف الأمريكية، وهو دارج بانتظام إضافة إلى نفوذ اللوبي الإسرائيلي داخل مراكز البحوث. وقد قطع اللوبي الإسرائيلي أشواطا ذات شأن داخل الأوساط الأمريكية السياسية منها والإعلامية والأكاديمية، على طريق تحصين إسرائيل ضدّ الانتقادات، خاصّة وأن الناخبين اليهود الذين يُقدّمون الدعم المالي الكبير للحزبين يتمركزون في ولايات مؤثّرة ومفتاحية في الفعل الانتخابي التداولي مثل، كاليفورنيا، فلوريدا، نيويورك، ايلينوي وبنسلفانيا. فالحملات الانتخابية تمرّ من هناك أساسا، والتّأثير حاصل في العملية الانتخابية، وتعمل اللوبيات الموالية لإسرائيل مثلا على منع تعيين من لديه موقف انتقادي من إسرائيل في السياسة الخارجية، الأمر الذي أدّى إلى غياب تام لأي شكل من أشكال انتقاد السياسة الإسرائيلية في مؤسّسة الخارجية الأمريكية.
أمّا أصوات الاحتجاج النادرة في الأوساط الغربية ضدّ الإرهاب الصهيوني فتُدان بشكل صارخ من قبل الموالين للخطّ الحزبي، على أنّها «معادية للسامية» وتكيل بمكيالين، وعليه فهي متقاعسة عن اللحاق بركب جوقة الاطراء للبلد الذي يهتمّ بروح البشر بتعبير لاذع، من ادوارد سعيد الذي عانى التضييق الأكاديمي والإعلامي في البلدان الغربية، خاصّة في أمريكا بشكل كبير وفاضح للذات الغربية التي ادّعت الديمقراطية وحرية الفكر والتعبير.
ولا يخفى على أحد أنّ ارتباط الولايات المتحدة الدائم بإسرائيل وتقديمها الدعم اللامتناهي لهذا الكيان يُعدّ من أهمّ أسباب التوتّر في منطقة الشرق الأوسط، خاصة أنّ هذا الفعل هو الدّافع الرئيس لاستفزاز العرب والمسلمين، الذين يؤمنون بالقضية الفلسطينية ويرفضون زرع كيان غاصب يقتلُ ويُشرّد ويحاصر بأسلحة أمريكية، ويتلقّى الدعم السياسي والدبلوماسي من المؤسّسات الأممية التّابعة، وهو يجتهد من خلال لوبي الايباك وغيره في جعل الدعم الامريكي اللاّمشروط لإسرائيل مصلحة قومية أمريكية. وفي الأثناء تبقى معاملة إسرائيل للفلسطينيين تستثير الغضب والانتقاد، لأنّها منافية لمعايير حقوق الإنسان على نطاق واسع، ولكنّ المؤسف حقّا أن يتواصل الخنوع العربي، فيطرد السفيران الاسرائيليان من فنزويلا وبوليفيا سنة 2008، إثر العدوان المتوحش على قطاع غزّة، في حين لا تتّخذ مصر والأردن مثلا قرارا مماثلا واكتفيا بحماية مشدّدة للمصالح الاسرائيلية من سفارات وتمثيل دبلوماسي. ويزداد الخنوع افتضاحا مع ما يمرّ به المسجد الأقصى من تحدّ صهيوني مباشر للمقدّسات الإسلامية، يقابله صمت الحكومات العربية والاسلامية التي تتخفّى وراء مبرّرات واهية لا قيمة لها.
كاتب تونسي
لطفي العبيدي