موت القناعات

حجم الخط
6

لفت نظري تعليق من بين التعليقات التي يتركها متابعو مقالاتي، على أن تشجيع الرواية في العالم العربي يخفي أهدافا مخابراتية، بتجنيد الكتّاب العرب من جهات أوروبية بدون دراية منهم، ليقدموا تقارير عن الفرد العربي «العظيم» وتحديد نقاط ضعفه وقوته لاستغلالها والسيطرة عليه.
فكرة التجنيد هذه تعيدنا إلى دعوات مقاطعة الغرب في فنونه ومنتجاته، لنحمي أنفسنا من الغزو الفكري والاقتصادي، فنبقي على «نقاء» أفكارنا ونحمي حدودنا من الانهيار بالتالي إغلاق الأبواب أمام أي مستعمر تسول له نفسه استعمارنا من جديد.
أليس هذا ضربا من التحجج لنبقى في الجحر الذي نتوهّم أنه آمن؟ فهل يختلف الإنسان العربي عن غيره في تركيبته العضوية والفيزيولوجية والنفسية؟ ألسنا نصاب بالأمراض نفسها ونتعالج بالأدوية نفسها، ونتصرف بالطريقة نفسها تجاه بعضنا بعضا حتى تصقلنا التجارب أو تكسرنا. فقديما قيل «جوّع الفأر فيصبح عنيفا، واحرمه من الجنس فيتحول إلى وحش». أما التجارب العلمية فقد أثبتت ما هو أكثر غرابة، فالفئران تدمن على السكر أكثر من إدمانها على الكوكايين، والإنسان لا يختلف عن فئران الكون في شيء، فهو الآخر مدمن سكر أكثر من إدمانه على الكوكايين وأنواع المخدرات الأخرى، لقد وضع هذا البشري في مختبر وأُخضِع لشتى التجارب، وكانت النتائج علمية ودقيقة ومفيدة أكثر مما هي عليه في الأدب.
الإنسان نفسه هنا وهناك يا صديقي، لكن الظروف هي التي تجعله على ما هو عليه، أما الدول التي يسيل لعابها للاستحواذ على خيراتنا فليست بحاجة لقراءة ركام أدبنا، لتفهم طبعنا، فمنذ القدم كانت الجوسسة الرسمية أكثر نجاعة في سلك هذه الطرق الصعبة لبلوغ الأهداف المرجوة، وكانت التقارير العلمية التي تخرج من مختبرات جامعاتهم، تجعلهم يفهموننا بدون بذل مجهود إضافي بقراءة رواياتنا. ما يزعج الغرب حقا هو هذه « القعدة» الطويلة للمتسول العربي فوق جبل الذهب المدفون في أرضه، فلا هو يخرجه ولا هو يسمح لغيره بإخراجه… ولهذا بالنسبة للغرب فإن إزاحة هذا العربي الغبي عن جبل الذهب ليس بالإستماع إلى قصصه، بل بحرمانه مثل فأر التجارب من متعه الخاصة حتى يتحوّل إلى وحش ويتحرك!
أدبنا في الحقيقة موجه إلينا، وهو خلاصة تجارب شخصية عميقة مشتركة بين أفراد الجماعات في الوسط الواحد، وهي تجارب تجعلنا نرى أين تكمن أخطاؤنا ونقاط ضعفنا لتصحيحها وتفاديها، لأن قراءة الأدب نوع من «الثيرابي» أو «المعالجة النفسية» لمتاعبنا الخاصة، وقد كانت الحكاية منذ الأزل محفزا لرفع مستوى التهذيب والأخلاق والمواساة، بل إنها أكثر نجاعة في تربية الأجيال وتشجيعها وبث روح الأمل فيها أكثر من أي خطاب سياسي أو ديني أو مكون طبّي، نضطر لبلعه أحيانا بغية الشفاء من أوجاعنا الداخلية.
أدبنا إن لم نقرأه نحن ونستفيد منه فلا داعي لإلصاق التهم به، أكثر مما لحق به لحد الآن. فحتى أدب نجيب محفوظ ليس بالعالمي، إذا ما قارناه بأدب غابرييل غارسيا ماركيز مثلا، وليس مقروءا مثله، لقد نال جائزة نوبل فأُلحِقت به تهم من أسوأ التهم في الكون، قضى بعدها عشر سنوات من الطعن في شخصه وعقيدته ووطنيته، انتهت بطعنه من طرف شاب من الأجيال التي تم تجهيلها، في محاولة لاغتياله وتخليص مصر من شروره. شيء لا يصدق لكنّه حدث في أم الدنيا، تُرك اللصوص والقتلة، وتجار السلاح والمخدرات وأعضاء البشر، ومروجو الدعارة وكل أصناف البشر السيئيين، يرتعون ويمرحون ويمارسون نشاطاتهم المريبة بسلام، ووُجِّه الخنجر لرقبة نجيب محفوظ البالغ من العمر آنذاك 84 عاما، وقد انتهى في الحقيقة ولم يعد بإمكانه أن يكتب المزيد.
وحتى بعد نجاته حين أراد الله له أن يعيش عشر سنوات أخرى قبل أن يموت، لم تكن فيها أي إضافة لأدبه، كون تجربته كانت قد اكتملت، لكن المؤسف أن الأسطورة العربية للأدب انتهت هكذا، بصدمة القارئ الحقيقي خارج أسوار عالمنا العربي بقسوتنا التي نكافئ بها المتميزين، بدون أي استثمار لتجربة محفوظ، الذي بلغ العالمية ولكنه لم يُقرأ مثلما يُقرأ كتاب غربيون بنهم في كل بلدان العالم، وبلغات مختلفة، وجماهير تكن للأدب الاحترام.
لا أعتقد أن الجائزة السويدية أدخلت الفرح على قلب محفوظ، فقد عاش زاهدا، كما غالبية الشعب المصري، ولم يختلف عن أهله وجيرانه وطبقات مصر الشعبية، أجزم أن أقصى ما كان يتمناه هو أن يُحتَرم ككاتب ويعيش بكرامة، أمّا الجائزة فقد كانت ثقلا لم يتحمله، كشفت له المزيد من الزيف العربي حوله، وكشفت لنا أن الطريق أمام النخب العربية طويل جدا لتحقيق ذواتها.
أما عن قوافل الكتاب العرب اليوم، ففي الغالب ما يحرضهم على الكتابة هو أوضاعهم المزرية، لهذا تجد الواحد منهم يفضل الهجرة إلى بلد غربي ليعيش، ولا بأس بعدها أن يستمر في الكتابة بلغته أو يختار الصمت. وأعتقد أن الفرد عندنا كلما كان نكرة كان سعيدا أكثر وتمتع بحريته، بدون أي تدخلات تفسد حياته. وكلما عبّر عمّا يتعبه بفنه أو أدبه، أوّلت مقولاته جرّاء الخلفيات الثقافية المحدودة للجمهور القارئ، وتحوّلت حياته إلى جحيم.
لا يكاد يتلفظ بكلمة حتى ينبت له من تحت الأرض من يؤولها، ولهذا بدل أن تتظافر مجهودات المثقفين لتغيير ميكانيزمات الفكر العربي، وفتح سجالات مثمرة من عمق اختلافاتهم الفكرية، قُسّــموا إلى كتائب وجماعات وأحزاب وكأنّهم من تلك الدهماء التي سهل تجنيدها في حروب السياسيين والإقطاعيين الجدد، كيف حدث ذلك؟ يصعب فهم ما يحدث ولكنه الأمر الذي نعيشه.
هذه هي الأحوال، والأهوال التي يعيشها كتابنا، من يؤمن منهم بمقام الأدب العالي ومن لا يؤمن، من يرغب منهم بالكتابة حتى الموت، ومن يرغب بقتل غيره ليكون الكاتب رقم واحد، ينفرد في الساحة وحده مثل راقصة الستربتيز، من يحترف الكتابة من حيث تؤكل الكتف، ومن تُلوى كتفه فيكف عن الكتابة، أو يستمر بالكتابة بكتف مخلوع وأصابع مكسورة، لدينا هذا التنوع بجمالياته وبشاعاته، وهي كلها من صنع أيدينا، أما فكرة الغرب الذي يتربص بنا ويجند حتى شعراءنا وكتابنا ويرسم وجهة أقلامنا، فقد أصبحت فكرة مملة وغير منطقية.. إنّه الجحيم القديم المتجدد الذي يلاحق حملة الأقلام منذ قرون عندنا، وهو جحيم يخصنا نحن، يقع ضمن جغرافيتنا، وينمو ضمن مناخاتنا، وهو ما يجعلنا أبناء بيئتنا بامتياز. موضوع قد أذهب فيه أبعد من هذا، لكن ربما لن أتفوق فيه على الكاتب خيري منصور، الذي ابتكر مصطلح « ثقافة التقريد» ليشرح الأمر ببلاغة وعمق رؤية وطرافة في الطرح، لهذا أقترح على قارئي البحث عن مقاله الذي يحمل هذا العنوان ليستمتع ويرى جيدا في أي خندق نعيش اليوم.

شاعرة وإعلامية من البحرين

موت القناعات

بروين حبيب

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية