«ميديا السلاح»: لعبة العار بين عنترة والساموراي الأشقر… فلا تعتذر عمن قتلت!

لينا أبو بكر
المهم أن الرصاصة أدت غرضها، ولن يهم بعدها إن ألقينا الرصاصة في القمامة أو وضعناها في المتحف..أليس كذلك ! ولكن إلى أي درجة يتحكم تجار السلاح بجهازك الخليوي وصحنك الطائر وحزامك الناسف؟
من الذي يجعل من السلاح كرتا رابحا في الترشح لانتخابات الرئاسة الأمريكية وفتوحات البيت الأبيض؟ ثم ما الفرق بين «جينيين بيررو» الإعلامية والقاضية الأمريكية التي دعت الأمريكيين على الـ «فوكس نيوز» لحمل السلاح ليدافعوا عن أنفسهم ما دام رئيسهم ضعيفا ولا خطة لديه لحمايتهم، وبين جدك عنترة الذي كان يدلل على سلاحه بين القبائل كطبيب شعبي: «حسامي كان في الهيجا سلاحا / يداوي رأس من يشكو الصداعا»؟
وحين تشاهد فضائية عربية تحث على تسليح الثورات وتجند رجال دينها وإعلامييها لنشر ثقافة المواجهة المسلحة لإسقاط الطغاة وحماية الثورات من اللصوص، هل تكون ساهمت بضخ مرابح مادية على خزائنها من فائض دمك ودم قتلاك، لنصل إلى ما نحن عليه الآن من فوضى وعبث وتفكيك جيوش وتمزق طائفي ووووو؟
أغلب تجار السلاح يعملون بذهنية ماسونية، توظف الإعلام لصالح أهدافها ومبادئها، إلى حد تحريف النبوءات التاريخية وإعادة تصنيعها بشخصيات وأحداث ودلائل مفبركة لتقنع المشاهدين بها حتى ليبدو أبو بكر البغدادي هو المهدي المنتظر…فلماذا يرضخ العالم بأكمله: سياسييه، وإعلامييه ومشاهديه لهؤلاء؟
هل تعلم أن تقريرا إحصائيا تداولته الجهات الإعلامية الأمريكية يفيد بأن عدد مقتني السلاح في أمريكا يفوق تسعة وسبعين مليون شخص؟ وهل تعلم أن عدد الأسلحة التي يحملها هؤلاء تتجاوز الثلاثمئة مليون سلاح؟
الأمر إذن يتعلق بخطة عسكرية ينفذها هؤلاء بأيد إعلامية، يشترونها أو يؤجرونها لتنجز المهمة على أكمل وجه، وهدفها الرئيسي نشر ثقافة التسلح والتسويق للحروب، لا بل إن الرابطة الوطنية للسلاح «الإن آر إيه» تنشط بعد كل مجزرة تقع في أمريكا، فتشغل آلتها الإعلامية الضخمة لنشر صور جديدة لأحدث الأسلحة وأكثرها تطورا وإبهارا، معتمدة على طزاجة الحدث وتصاعد وتيرة الخوف عند الأمريكيين، والعنصرية ضد الأجنبي وخاصة العرب والمسلمين بعد أحداث باريس !
برنامج «المرصد»، الذي تبثه قناة «الجزيرة» ظهر الثلاثاء، وقف مليا عند هذه الظاهرة، وكشف عن حقائق لن تجعل من «ترامب» ولو هُرَيْقِلا قدر عقلة الإصبع، ولكنها على الأقل ستزود المشاهد بقرون استشعار ليستشرف كيف سيكون عليه الوضع لو وصل هذا الساموراي الأشقر إلى السلطة !

بين آينشتاين وعنترة نصف ذراع

تقرير زياد جلال ينكش من حيث يدري ولا يدري قبرين: الأول لموشيه ديان، الذي قال يوما إنه لن يقلق أو يخاف من العرب لو رآهم مدججين بالسلاح، إنما سيخشاهم حقا حين يصطفون بانتظام لركوب الباص، فأي عار هذا الذي لا يجعل لسلاحنا هيبة بين أعدائنا؟ أما القبر الثاني فلجدنا الفحل «المتنبي»، ماذا سنرد عليه حين يقول: إن السلاح جميع الناس تحمله / وليس كل ذوات المخلب السبع «.. وفي هذا إيحاء فعليكم به!
أمة بلا سيوف وبلا فرسان، تسير على نهج «الإن آر إيه»: الترويج للوحشية والهسترة، ولم تستعن باللاتينيين القدماء الذين جردوا السلاح من ملكة الحكمة!
في المرصد ترى هذا الهوس الإعلامي، الذي تقف خلفه ترسانة دفع أمامية تطيح بالجميع وتهرسهم تحت أقدامها وهي تتقدم باتجاههم، كما حدث مع الإعلامية الأمريكية «ستيسي داش» وزميلها «رالف بيترز» على الـ «فوكس نيوز» حين تفوها بعبارات بذيئة ضد أوباما الذي تقدم بمشروع للكونغرس عام 2013 يطالبهم فيه بالتصدي لنشر هذه الثقافة وهو الذي قوبل بالرفض وطرد المذيعين من القناة !
(الفلقة) اختراع علمي حديث، يحتفظ آلبرت آينشتاين بحقوق ملكيته الفكرية، لأن الحرب العالمية الرابعة ستعود بالعالم إلى عصوره الحجرية قبل التاريخ، فلا رؤس نووية ولا «إف – 22 « ولا شبح روسية، ولا صواريخ باتريوت أمريكية، ولا الرمح السحرية أو القبة الحديدية الصهيوينة ولا حتى بارودة صيد، لا بل قد لا يجد المسلمون في أعياد الذبح ولو (خوصة) ، فالحرب الرابعة لن تتجاور المراجدة بالحصى أو التطبيش والفشخ بالعصا، ويبدو أن بشائر هذا هلت في فلسطين، مما يعني أن التطور العلمي في صناعة السلاح بلا فائدة، ما دام الفلسطينيون تجاوزوه وهم يواجهون أعتى العتاد بأدوات الطبيعة والأرض… أما ترامب فتاجر سلاح يخاف على بضاعته من لعنة «أبي النسبية»، وكل هدفه أن يظل السلاح صاحيا في اسطوانة العندليب الأبرص.. والباقي في جعبة «الجزيرة» !

الكاوبوي عار وطني

يقول محمد مزيمر: «عندما تتحول الساحة الإعلامية في أمريكا إلى ساحة للرماية، مع وضد حمل السلاح الفردي، فإن القضية تتحول إلى مأزق أخلاقي وقانوني وإعلامي تبعا لهذا الإنشقاق الذي تغذيه آلة فضائية تصنع الخوف وتزرع الشكوك حول المهاجرين والغرباء».. خاصة أن تقرير «الدايلي نيوز» نشر حسب «المرصد» خبرا يفيد بأن فاروق وزوجته تشبين مالك كانا يحملان سلاحا مرخصا، في اعتداءات كاليفورنيا الأخيرة، وهو ما علقت عليه ذات الصحيفة بقولها: «في أمريكا فقط يمكنك أن تشتري سلاحا يفجر حروبا»، كيف إذن نتوقع أن تكون مواجهة الشر والدفاع عن النفس مسألة لا تخضع لمعايير أخلاقية وقانونية، إنما تسير وفق منهج إعلامي يستثمر خصلة التعصب العرقي أو الانتقام ، ليبيع ذخيرته ويحقق هدفه التجاري بعيدا عن كل الإعتبارات الوطنية والأمنية؟
يسترسل التقرير بتغطيته لهذه الحرب الإعلامية في قارة كولومبس، فلأول مرة منذ مئة عام تخرق الـ «نيويورك تايمز» الأعراف الإعلامية، لتنشر في صفحتها الأولى قنبلة من العيار الثقيل: «أن يتم تداول السلاح بسهولة بين العامة هو عار وطني» و(خذلك طخطخة)، وووجهت الصحيفة بهجوم شرس يطالب بإطلاق النار على صفحة الغلاف، كتعبير عن مناهضة الصحيفة، ونشر صور عملية كاليفونيا، وما خلفته من دماء وحسرة، ثم استغلال موسم الإنتخابات الذي لن يجازف فيه الحزب الجمهوري بمطالبة الأمريكيين خيانة إرثهم، ما دام الكابوي ولد وفي يده مسدسه، مما زاد من شعبيتهم وشعبية خطاب ترامب الإعلامي!

«فوكس نيوز» الجناح العسكري لترامب

بالمقاييس الأمريكية، تعتبر عمليات إطلاق النار مجزرة حين يصل عدد القتلى فيها إلى أربعة أو أكثر، كما أفاد زياد جلال في مرصد «الجزيرة»، لا بل إن بعض مفوضي الشرطة في الولايات الأمريكية يأذنون باستخدام السلاح علنا في الشوارع، وتنظم الهيئات الداعمة لتجار السلاح حملات تدريبية مجانية لتسليح الموظفين في الجامعات والمستشفيات والمدارس، وغيرها، عداك عن حملة اللوم والتأنيب التي يواجه بها هؤلاء أهل الضحايا الذين لا يقتنون سلاحا، فإن كنت تريد أكثر، فاعلم إذن أن قيادات الحزب الجمهوري تضم أكثر من خمسة ملايين عضوا من محبي الأسلحة وتجار السلاح، الذين يدعمون المرشحين بالمال والأصوات، والإعلام وعلى رأسه قناة «فوكس نيوز»، بل إن السناتور هاري ريد، وصف في خطابه في مجلس الشيوخ «منظمة الإن آر إيه» بالجناح العسكري للجمهوريين، ودعا مع هيلاري كلينتون إلى تقنين السلاح، فلك أن تتخيل الإحتفال الإعلامي بهما والموالد الفضائية على طريقة أبناء الكاوبوي، بعد هذه الطخطخة الناعمة؟

GUN TV

أفاد البرنامج أن عدد الذين قتلوا نتيجة حمل السلاح الفردي واستخدامه يفوق خسائر أمريكا البشرية في حروبها التي خاضتها منذ عام 1968، وأن عام 2015 سجل ما معدله مجزرة كل يوم بمعدا 350 حادثة إطلاق نار، وباسم «الإسلاموفوبيا» يطالب البعض بتقويض الخطاب المناهض للتسليح والذي يرى فيه العدو الأكبر والأخطر للأمريكيين، وهاهم وباسم الثقافة الأمريكية التي تراعي حرية الفرد بكفالة الدستور، سيعلنون عن افتتاح قناة فضائية بداية العام المقبل باسم « GUN TV» ، لتداول الأسلحة وشرائها عبر التلفاز والانترنت، كأن هذا ما كان ينقص الأمريكيين حسب تعبير «جلال»، الذين أثبت تاريخهم أن أهم ما يحتاجه الأمريكي هو السلاح، وللتثبت من الأمر دعا جلال المشاهد للعودة إلى أرشيفهم وسؤال السود عنهم في زمن العبودية، والفيتناميين والعراقيين والأفغان والفلسطينيين أيضا، ثم السوريين والليبيين وهلم جرا، فأي ثقافة هذه؟ أي وحوش هؤلاء؟
إنهم قراصنة العصر، عبدة الدم، وسدنة الشياطين في الدرك الأسفل من الجحيم، إنهم تجار السلاح، فما الفارق بينهم وبين قراصنة البر الداعشيين؟ ثم أي رصاص هذا الذي يقتل دون أن يضطر لإراقة دم أو خوض حروب رخيصة؟ إنه القلم، هو الوحيد الذي لا يسمح له بالإعتذار عمن قتلهم، فهل أكتفي أم أزيد !

كاتبة فلسطينية تقيم في لندن

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية