لم يكن عبد الرحمن قطناني فنان الكاريكاتير الشاب، هو الوحيد الذي يعلن دائما وابدا انه من عشاق فن ناجي العلي الكاريكاتوري، وأنه تأثر ويتأثر برسومه، ويعتبره أستاذه ومعلمه في مسيرته الفنية. بل إن رساما مشهورا وأستاذا في فن رسم الكاريكاتور هو الفنان بهجت عثمان، يقول في رثاء صديقه الفنان ناجي العلي «كلما رأيت صفحة بيضاء – وأنا رفيق سلاحه – إلا وتمنيت لو أن هذه الصفحة مرصعة بأحد رسومه ».
فما هي مميزات فن ناجي العلي، خصوصا في كتابيه الكاريكاتوريين الأول والثاني (1976 و1983) اللذين احتويا على رسومات من تجربته أثناء عمله في صحيفة «السفير» اللبنانية، والتي امتدت منذ عام 1975 وحتى عام 1983؟ ذلك هو مضمون البحث الذي نال على أساسه الفنان الشاب قطناني دبلوم دراسات عليا من معهد الفنون الجميلة في الجامعة اللبنانية مؤخرا، بإشراف الناقد الفنان د. فيصل سلطان . فما أهم ما احتواه البحث؟.
في التقديم – التعليق الذي كتبه الفنان الأديب غسان كنفاني مع الرسومات البواكير الأربعة، للفنان ناجي العلي في مجلة (الحرية) اللبنانية بتاريخ 25 أيلول/سبتمبر من عام 1961، أجمل ما احتوته تلك الأعمال الأربعة، خصوصا من الناحية الفنية، فذكر»إن الحدة التي تتسم بها خطوطه، وأن قسوة اللون الراعبة والانصباب في موضوع معين، يدلل على كل ما يعيش في صوره، وبشكل أكثر من كاف».
تلك كانت كلمات عن بواكير الفنان ناجي، فهل ما قرأه غسان فيها استمر بصورة أو أخرى في الأعمال اللاحقة، والتي وصل عددها – حسب بعض المصادر إلى أربعين الف لوحة منشورة، وهل أصاب أعماله التطور من الناحية الفنية، على الرغم من غلبة «الإنصباب في موضوع معين»؟.
حسب رأي الفنان الشاب قطناني، وكما جاء في رسالته، فإن الأعمال الأولى للفنان ناجي العلي، بشرت «بطاقة كبيرة ومخزون قوي من المشاعر». فهل بقي الأمر ضمن الحدود والتحديدات السابقة في المراحل اللاحقة، خصوصا في مرحلة الرسومات في الكتابين الأول والثاني؟.
المعروف والمشهور أن المعمار الفني الكاريكاتوري لدى ناجي العلي، قام على الفطرة والفكرة في الأساس. وهذا ما كان يصرح به الفنان نفسه في الكثير من المواقف والمقابلات، فماذا ذكر قطناني عن هذين الأمرين؟.
من خلال كتابي ناجي العلي، وبعض الرسومات التي نشرت له في جريدة السفير، يتبين لنا أن العلي لم يقع في فخ تأثيرات القوالب الكاريكاتورية المباشرة، بل كان يسعى دوما الى تجاوزها.
أما في ما يتعلق بوجود التعليق، مترافقا مع الرسم، أو عدم وجوده، فإن قطناني يقول «يمكننا الإستنتاج بأن وجود التعليق الكتابي – مع الرسم – لا يقلل أبدا من القيمة الجمالية للوحة الكاريكاتورية». أما في ما يتعلق بعدم التعليق فيقول «نجد في كتابه الثاني حضور حنظلة – والتعليق الكتابي شبه غائب – كعنصر رئيسي في سيناريو المشهد والحدث، وهذا يعتبر ولادة ذروة الفكرة التعبيرية الرمزية عند العلي». وإزاء هذا الأمر يستعين قطناني بما كتبه أستاذه فيصل سلطان، إذ ذكر «أصبحت الفكرة أكثر اقترابا من المناخ الرمزي والنبرة الاحتجاجية الساخرة، في عفويتها وسلاستها وبساطتها الفطرية ومخزونها التأملي الواعي لتداعيات الحدث».
أما عن فن ناجي العلي وتآليفه الفنية، فيذكر قطناني «يعتبر ناجي العلي أحد أبرز الرسامين المبدعين، الذين يتمتعون بمخيلة إبداعية قوية وفريدة في نوعها، نظرا لما قدمه من نماذج جديدة في تكوين اللوحة الكاريكاتورية، وكان يومئ دوما بموهبة متفوقة ومتجددة عن سائر فناني جيله من الرسامين الكاريكاتوريين، فقد رفض أن يتحول إلى رسام استهلاكي هامشي، وذلك لإيمانه العميق أن قضيته تتطلب نتاجا إبداعيا يرقى بمستوى حقوقيتها».
خصائص في الكتابين
درس قطناني تجربة الفنان ناجي العلي في كتابيه الأول والثاني – تجربة عمله في صحيفة «السفير»- وبيّن الفوارق والتطورات التي واكبت التجربة، وركز على درس بعض اللوحات من خلال التراكيب الفنية التي تميزت بها، من حيث المسطحات اللونية، وتوزيع المساحات والتظليل الذي رافقها، والكتل الموزعة في اللوحات، من حيث الأحجام وتفاوتها، ودرس وبيّن ما هو بيضاوي أو متعرج، أو ما تم تجسيده في مستطيلات أو في مربعات ودوائر، أو ما تميز في امتداداته الأفقية، وشرح الرموز والمعاني التي تجسدت في بعض اللوحات، وهو ما يمكن اعتباره من جديد البحث والإضافة، في دراسة انجازات الفنان ناجي العلي في تجربته الفنية .
ذكر الدارس عن الرسومات في الكتاب الأول -1976- ما يلي: «نجد أن العديد من الرسوم تشير إلى مرحلة ما قبل النضوج، أي مرحلة البحث عن الأسلوب الذي ابتكره وحققه في تجاربه اللاحقة». وذكر في فقرة أخرى «أظهر ناجي العلي في مرحلة أواسط السبعينيات مظاهر التحدي للذات في تجاربه التأليفية، بحيث نرى أنه اعتمد أحيانا على التأليفات المركبة التي تتكون من العناصر التأليفية واللونية المختلفة، والتي أحدثت تلك النقلة النوعية في رسوماته». يضيف «كما ونلمس تأثيرات الفن الشعبي الفلسطيني ودخول نسيجه في وجدان رسومه، وهذا رهان على محاولاته دمج المعاصرة بالتراث، في أصعب اختبار تأليفي له جسده في هذه المرحلة، وهذا ماجعله يغوص في الموضوعات الشعبية ورموزها وعناصرها».
وعن كتاب ناجي العلي الكاريكاتوري الثاني ورسوماته- 1983 – يذكر قطناني» البساطة بامتياز هي العنوان الرئيسي لرسوم ناجي العلي التي جمعها في هذا الكتاب، ويعود السبب في ذلك الى معايشة تتابع الأحداث اليومية، ومحاولاته الحقيقية للتعبير عن أجواء الحرب الأهلية في لبنان التي انطلقت شرارتها في عام 1975». ويضيف «باعتماد الفنان البساطة في التأليف، فإنه لجأ الى إيجاد حلول ذكية لمختلف موضوعاته ورموزه، فقد اقتحم المربع الأسود خلفيات رسومه، واخترقت العناصر البيضاء اللون أو الرمادية هذا المربع من نصفه أو من أحد طرفيه، كما عمد أحيانا في بقية رسومه على التأليفات التي كانت تعتمد على المنظور وعلى الحركة الدائرية».
ينهي قطناني دراسته لهذه المرحلة بقوله «إن مسار تطوره الفني كان سريعا ومميزا، وقد عكس من خلال هذا التطور قلقه الإبداعي في إيجاد خصوصيته وفرادته التي استمدها من معايشته اليومية لمعاناة شعبه وحلمه الكبير بالعودة الى كامل التراب الفلسطيني».
عن اللونية في تجربة ناجي العلي الفنية، يقول الفنان قطناني «أما من الناحية اللونية، فقد اقتصرت رسوم ناجي العلي على الأسود والأبيض والرماديات، وذلك للتــعبير عن المســـاحات والمسطحات وحتى للـــدلالة عــلى الظل والنور». وذكر في فقرة أخرى «أيــقن ناجي العلي أن اللونين الأسود والأبيض يعطيان الإيحاء بالقسوة إلى جانب بعضهما البعض، لذا استخدمهما لإضفاء مسحة من الدراما العنيفة في مسرح رسومه، التي كانت تعكس تداعيات الفواجع المتتالية».
ثم يعرج قطناني على دراسة معاني الرموز والشخصيات في أعمال ناجي في المرحلة المدرسية، فقال عن ذلك «اتجه ناجي العلي في مسار تطوير الرموز الى منطلقين، المنطلق الأول هو اختيار الشخصيات التي تدل على الواقع الذي يريد معالجته، ضمن رؤية واضحة في عملية اختيار الشخصيات. أما المنطلق الثاني فقد تبلور من خلال الرمزية التي تجلت في الخطوط، وهذا الأمر كان الشغل الشاغل في مراحله الفنية الأولى، إلا أنه سرعان ما تجاوزها، حيث تخلص من الخطوط المعقدة ليستعمل خطوطا مختزلة، تتماشى مع الرمزية التعبيرية ورونقها الشعبي.
أما عن التوقيع الذي ترافق مع أعمال الفنان ناجي العلي في مراحل حياته الفنية، فإنه بدأ من البسيط العادي، ثم حمل أشكالا وتنويعات في كتابة الإسم، مرورا بتوقيع الإسم مترافقا مع شبه مستطيل بداخله صليب، وصولا إلى اختزال الإسم بشخص حنظلة اعتبارا من عام 1968، حيث يذكر الدارس «كان حنظلة يتقمص شخصية ناجي العلي ومواقفه في كل حركة يقدم عليها. هكذا أصبح ناجي العلي هو حنظلة، وأصبح حنظلة رمزا للمعاناة والانتفاضة والتحرير والشهادة في آن معا».
سليمان الشّيخ