مَا وَجْهُ الحاجة بَعْدُ إلى القسم في كلامنا؟

ما الذي يجعلنا نقسم في كلامنا اليومي؟ ألتأكيد أقوالنا مثلما يشاع؟ أم لأسباب متعدّدة؟ وهل مازلنا نحتاج القسم؟ وما صحّة الرأي القائل بأنّ القسم برأسه كلامٌ له بُعْدٌ تداوليّ نحتاجه ولن نتخلّى عنه حتى إن بدا شيئا مقبلا من عمق التاريخ.
الفنّ المناسب الذي يدرس فيه القسم في الكلام اليوم يعرف باسم التداولية (أو البراغماتية) وهو فنّ يتنزّل في اختصاصات اللسانيّات ويهتمّ باللغة، وهي في حالة استخدام في السياقات الاجتماعية المختلفة ويهتمّ بتأثير المقامات وفعلها في الأقوال الدائرة بيننا، بما في ذلك العلاقات النفسية والاجتماعية بين المتخاطبين.
ومن الممكن أن نفترض وضعيات كثيرة يقال فيها القسم، من بينها هذه الوضعيات الأربع أولها أن يقول لي من يشهدني على أمر (بالله عليك أليس صحيحا؟) وثانيها أن يقول لي صديقي الذي حزّ في نفسه أنني علّقت على كلامه بالسخرية (بالله؟) ويغضب ويغادر. وثالثها أن يقول لي ولدي الذي يرجوني أن يكمل لعبته قبل أن ينجز واجباته المدرسية (بالله، بالله..) ورابعها أن أقول أنا لطالب متأخر عن ميعاده اقتحم عليّ قاعة الدرس المغلقة (بالله!) ثمّ أشير له بيدي أن غادر القاعة. هذه الوضعيات الأربع لا يفيد فيها القسم التأكيد، بل هو يفيد على التتالي التأييد والسخط والرجاء والتعجب، وهذه الأشياء تسمّى في التداولية بالأعمال اللغوية، وتعني أنّ المتكلم عمل باللغة فأغضب وتعجّب مثلا؛ وما يزال الناس يستعملون اللغة لكي ينجزوا أعمالهم بها، فهم يبيعون ويشترون بالكلام ويبرمون المواثيق والعهود بها قبل أن يبرمُوها بالعقود المكتوبة، أو حتّى من دونها.في هذا الإطار من النظر يمكن أن نعيد رؤيتنا للقسم لا بما هو مؤكّد للكلام، بل بما أنّنا نفعل به أشياء كثيرة تتجاوز مجرّد التأكيد إلى أشياء أكبر من ذلك.
وفي حياتنا اليومية لسنا نعتقد أنّ القسم قد دجّنته اللغة وصار كلاما هجينا في خدمة غيره من الكلام يؤكّده، فصحيح أنّ القسم يرسل لنا رسائل أخرى مع الرسالة الأصلية، لكنها ليس هامشية، فأن أقسم بالله ويقسم غيري برأس ولده ويقسم ثالث برحمة والدته ورابع بالقهوة حين نكون إزاء مجلس لشربها، يعني ذلك أنّنا لا نؤمن بأن المُقْسَم عليه واحد، بل لكلّ مُقْسِم مقسَمٌ به وسِياق للقسم؛ وما دام السياق هو ما يفرض تغيير القسم أو تفرضه وضعيّات ثقافية متنوّعة، فيعني أنّنا لا نعمل بالقسم عَمَلا واحدا هو التوكيد أو التوثيق. إنّ المُقْسَم به في الأمثلة السّابقة هو إمّا مقدّس في ذاته، أو له طابع الحميميّة التي تقرب من القداسة، فإذا كان لله في ثقافة من أقسم رمزيّةٌ تجعله قادرا على أن يكون الضمانة بين من أقسم وما أقسم عليه، فإنّ رأس الابن أو رحمة الأمّ، هما بدورهما ضمانة أيضا بحكم أنّ نفاسة العلاقة بين الابن الحيّ أو الأمّ الميّتة هي التي تجعلنا نميل إلى إبرام عهد تصديق لمن يتكلم وننحو نحو إقرار لمضمون ما يقول مهما كانت درجة أهميّته. نحن لا نقسم إنْ أقسمنا دائما على أشياء ذات بال، أو على مواثيق تغيّر عالم الناس أو تنقلهم من حالة فقر إلى حالة غنى. حين يقسم لي صديق في حديث صراحة بالقهوة التي جمعتنا على أنّه لم يستطع أن يجد الوقت ليحلق لحيته من فرط انشغاله بالتفاصيل اليومية، فأنا أعلم أنّ لا المقسم به مهمّ في ذاته ولا ما يقسم عليه مؤثّر، لكنّني مع ذلك آخذ قسمه بجميع عناصره مأخذ الجدّ، وعندئذ أرى القهوة بمنظار رمزيّ يتمثّل في متانة العلاقة التي جمعتنا: أن نجتمع ونشرب القهوة معا وتكون القهوة جليسنا وكاتم سرّنا وماءنا الذي تعاهدنا حوله على أن لا يخون أحدنا الآخر؛ عندها أتعامل مع ما أقسم عليه بشيء من التعاطف يقلّ أو يكبر حسب اقتضاءات كثيرة، من بينها حساسيتي لما يصفه وحميميّة علاقتي به وذكرياتي مع نفسي وغيرها من العناصر التي قد تجعلني أرى في قوله مرآة لذاتي التي أنهكتها هي بدورها تفاصيل الحياة اليومية. سأصدّقه في ما قال، بل سأكون أقرب منه وهو يفضي لي بهذه الحقيقة التي يجعلها حوارنا ذات شأن حتى إن كانت في عمر التاريخ لا تساوي شيئا.
في حياتنا اليومية قد نقسم بالمُحَرَّمِ المنبوذ أو المُدنَّس لا حُبًّا فيه، وإنّما تأكيد على أنّ الكذب فيما نقول قد يوصلنا درجةَ أن يُحَرّمَ علينا حليبُ أمَّهاتنا، أو أن تطلّق أزواجنا منّا قهرا.. هذا الحلف بالحرام له قوّته الإنْفَاذيّة حين يستعمل في التهديد، فتكون الرسالة التي حولها القسم مهمّة بأهميّة القسم نفسه، إن كان تهديدا أو سعيا إلى التحذير من الوقوع في ما لا تحمد عقباه. وما زال كثير من المواقف يتخذ تحت طائلة القسم، وما يزال الناس يخافون من أن يجرى القسم في حالات نفسية يترتب عليها في ما بعد انفصام العلاقات وتغيّر المسارات.
والقسم الكاذب هو أيضا حالة من حالات التأثير بالأقوال، ولسنا نعني ههنا القسم الذي تثبت الأيّام أنّ صاحبه كان كاذبا، فهذا لا يدخل في نطاق دراسة التداوليّين لأنّهم ليسوا أخلاقيّين في دراستهم للأعمال اللغوية. صحيح أنّ دراساتهم لها صلة بالمقاصد وبنوايا المتكلمين لكنّ مفهومهم للنيّة والمقصد ليس يتقاطع مع المفاهيم الأخلاقية ولا الدينية. النيّة ترتبط دائما بالسّؤال لماذا فعلت ذلك؟ ولكنّها في الأقوال ترتبط بالسياقات والمقامات التي تفهم فيها تلكم الأقوال لذلك تكون النّوايا في بُعْدٍ منها هي الأقوال نفسها، لأنّ النوايا في الأعمال اللغوية ليست موضوعا لطرح سببيّ للمسائل، بل لكيفية فهم تلك الأقوال؛ هذا ما أكده الفيلسوف النمساوي فالبريطاني لودويغ فتغنشتاين وتلميذته الفيلسوفة الإيرلندية إيليزابيث أونسكومبر، في تدقيقهما اللافت لمفهوم المقصد أو النيّة. القَسَمُ الكاذب هو الذي نجده في الأشعار الذي لقّبه امرؤ القيس بـ»حلفة الفاجر» حين قال «حلفت لها بالله حلفة فاجر لناموا فما إن حديث ولا صالي» ولا يقصد بالفجور إلاّ «الكذب الأبيض».
أغلب الأشعار التي فيها قسم هي من نوع الكذب الأبيض المحبّذ. لكن ما حاجة المتكلمين في الأدب بأنواعه، خصوصا الشعر إلى أن يقسموا والخيال يقبل أيّ فعل من غير قسم؟ إنّ القسم يعمل في الخيال فعلا أعظم ممّا هو في الواقع ففيه يحلّ لمن أقسم أن يكذب بحكم أنّ العالم الذي فيه القسم يبيحه، فهو خيال محض مطلق من قيم الصدق، بل إنّ القسم ليكون في الأدب حين يوهم بالواقع وفي الواقع يكون القسم أفضل عمل لغوي يقيم المواثيق والعهود. وبعد كل هذا هل يكون من العدل أو من العيب أن نحكم على كلّ حلاّف بأنّه كذّاب؟

أستاذ اللسانيّات في الجامعة التونسية

توفيق قريرة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية