نتنياهو: الأرض كلها لـ «إسرائيل»

حجم الخط
1

كان تسيون والد بنيامين نتنياهو قال قُبيل وفاته عن الأخير انه- فيما يتعلق بالدولة الفلسطينية- مناور، ولا يؤيدها، وانه قال له انه وضع شروطا على الفلسطينيين لن يتمكنوا من القبول بها.
وقبل أيام وقف نتنياهو أمام الجمعية العامة مخاطبا دولَ العالم، مصادما، أكثر منه ديبلوماسيا، مع انه مشهود له في براعة الخطاب، إلا ان المضامين السياسية المتشنجة والمتعالية كانت هي الأغلب على اللغة السطحية، فقد أبرز بعدا دينيا إيديولوجيا حين قال ان الأرض كلَّها لـ»إسرائيل»، وانه إنما يريد السلام من أجل شعبه، فالسلام عنده بالمعنى الأمني فقط، فإذا حقق السلامُ الأمن الذي كالصخرة الراسخة فيمكن، وإلا فلا. ويُفهم من هذا انه إذا لم يكن ثمة تهديد جِدِّي للأمن فلا داعي لما يسمى بالسلام؟
واليوم يمر العالم العربي الذي عرضت دولُه على «إسرائيل» عام 2002 المبادرة العربية التي تهدف إلى انهاء تاريخي للصراع، وتشمل تطبيع الدول العربية ومعظم الدول الإسلامية الكامل معها مقابل انسحابها من الأراضي العربية المحتلة عام 67 وحل مقبول للاجئين على أساس قرار194، يمر في مرحلة تحولات جيوستراتجية عميقة، وليس من السهل توقُّعُ مساراتها…
ولا يخفى شعور نتنياهو بالتوتر فهو خارج من عدوانه على غزة، ذلك العدوان الذي خرجت منه دولة الاحتلال مدانة دوليا، ولو دون حكم قضائي، ولكن الانتقادات لـ»إسرائيل» تصاعدت وتوسعت ليس في أوروبا فحسب، بل حتى في أوساط أمريكية جديدة.
ولذلك وكعلامة على هذا التوتر جانب نتنياهو الديبلوماسيةَ، حين وصف مجلسَ حقوق الانسان بالإرهاب ومعاداة السامية لتوصيته بمحاكمة «إسرائيل» في محكمة الجنايات الدولية لارتكابها جرائم حرب.
ومع ان الكل يعلم الفرقَ الكبير بين أضرار حماس على «إسرائيل»، وتدمير الأخيرة لغزة، وهنا الاختلاف في الدرجة والنوع يوجب اختلافَ التوصيف واختلاف الموقف، إلا ان نتنياهو ظل يعاند ويغالط حين سوَّى بين حماس و»داعش» واصفا إياهما بفرعين لنفس الشجرة السامة، وانهما كالورم السرطاني الذي يجب استئصالُه، علما بان أمريكا لم توافقه هذه التسوية، جاعلةً من الفرق في مستوى التهديد مانعاً من معاملة مشابهة.
بالطبع، قد يكتفي نتنياهو من شيطنة حماس، وحشرها في المنظمات الإرهابية الخطرة، بان تغيِّر إدارةُ أوباما موقفَها غير الرافض بقوة لحكومة الوفاق، إلى الضغط على محمود عباس من أجل فسخ هذه الوحدة مع حماس من أجل إضعافها، وإضعافه كذلك. ولكن «عباس» الخائب الأمل من نتنياهو حتى التبرُّم من كل المفاوضات التي رعتها واشنطن، فعليا، وحدَها، منذ اتفاق أوسلو 1993 ليس له بديل في هذه المرحلة عن هذه الوحدة.
قد تفهم واشنطن، أو تتفهم ان هذه المناوشات بين نتنياهو وعباس هي تعبير عن حالة فقدان الثقة، وعن ضعف القيادتين عن اتخاذ خطوات ضرورية يتطلبها الحلُّ النهائي، ولكنها كالعادة مضطرة، قياسا على نهجها السابق، إلى الاستمرار في إدارة «عمـــلية الســـلام» لكن ثمة تطورات يمكن ان تــــكون خطيرة لو استمرت، وخارجة عن الخطوط الحمر أمريكيا، وهي شروع عباس في تدويل القضية الفلسطينية وإدارة الظهر للمفاوضات: الطريقة المفضلة والوحيدة أمريكــا، (ما لـــم يُتَّفق على دولة فلسطينية في حدود الرابع من حزيران وفق جدول زمني ملزم)، فهل تتغاضى أمريكا عن ذلك، وترقُب ذلك أو تضبطه من بعد؟ كما حصل جزئيا حين سمحت بمنح فلسطين دولة غير عضو في الأمم المتحــدة، وغضبت «إسرائيل» لذلك؛ لانها فهمت الرسالة؟
هل تتمادى واشنطن في رفع الغطاء الدولي عن «إسرائيل» في المحافل والمحاكم الدولية؟
لا إشارات كافية على نضج مثل هذا التحوُّل، وان كانت إدارة أوباما من أكثر الإدارات الأمريكية ضيقا بنتنياهو، وما يمثلّه من أطروحات وتقنيات تملّصٍ ومراوغة عقيمة.
ويُبعِد هذا الاحتمالَ طبيعةُ الحلف الاستراتيجي التاريخي الذي لم تنجح الجماعاتُ المناوئة للوبي الصهيوني في أمريكا بزعزعته بما يكفي.
من الناحية الإقليمية ليست الأوضاع في الإقليم والمحيط العربي مساعدةً للفلسطينيين، وتستغلها «إسرائيل» لتكثيف احتلالَها و- تحديدا هذه الأيام- تهويدها للقدس، وللمسجد الأقصى الذي تتوالى عليه الطَّرقات حتى يتكرَّس -على مستوى الوعي والواقع- الوجودُ اليهودي الصهيوني، وأمريكا ليست هــــذه المرحلة في وارد زخم جديد للسلام، ولكن الرئيس عباس يدُه في النار، لا يستطيع ان يظلَّ في ذات الطريق المسدود. وهو مع ذلك لا يـــزال محافظـــا على الخطوط العريضة، فهو لا يزال مؤمنا بالمفاوضات لكن بمرجعية محددة وجدول زمني واضح، وهو لم يدعُ إلى النضال المسلح، وهو لم يتوافق مع حماس إلا على حكومةٍ تلتزم ببرنامج منظمة التحرير السياسي المعترِف بـ»إسرائيل» وغير ذلك.
قصارى ما تفعله أمريكا منع التفجر، ولا سيما في الضفة الغربية، موطىء السلطة، ومجال الاشتباك الأخطر، والحفاظ على صمود السلطة كمشروع دولي أمريكي اقتصاديا، لكنها، وليس بعيدة عن نتنياهو، تستخفُّ فعليا، بالتطلعات الفلسطينية للتخلص من الاحتلال الذي تفاقم وأصبح أكثر استيطانيةً ويهوديةً متطرفة.

٭ كاتب فلسطيني

أسامة عثمان

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية