نجاح الاشتراكية في الجنة فقط وفي الأرض الرأسمالية هي الأفضل… وحرب التسريبات تشتعل مجددا

حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: ازدحمت الصحف الصادرة أمس الأربعاء 10 يونيو/حزيران بالكثير من الأخبار والموضوعات المهمة، بوصول ولي عهد أبو ظبي الشيخ محمد بن زايد، على رأس وفد عالي المستوى، وتأكيده على استمرار دعم بلاده لمصر سياسيا واقتصاديا، وكذلك إشادة الرئيس بدعم الإمارات المستمر.
والواضح أن الزيارة تتم وقد علا غبار في سماء العلاقات بسبب ما ينشر من أخبار عن دعم الإمارات للفريق أحمد شفيق للضغط على السيسي للسماح له بالعودة، رغم وجود اسمه على قوائم الترقب والوصول، حتى الآن. وكذلك الأزمة التي نشبت بين الحكومة ورجل الأعمال الإماراتي محمد العبار، الذي أسندت إليه الدولة عملية بناء العاصمة الجديدة، وما نشر عن محاولته التخلص من الشروط التي قبلها في شرم الشيخ، بأن تكون حصة الدولة من المشروع أربعة وعشرين في المئة وأن يأتي بالتمويل من خارج مصر لا الاقتراض من بنوكها.
كما أصدرت محكمة الجنايات التي تنظر قضية مقتل أربعة وسبعين من مشجعي النادي الأهلي في إستاد بورسعيد عام 2012 بإعدام أحد عشر شخصا، وتواصل الاهتمام بامتحانات الثانوية العامة واستقرار حالة الكهرباء، ونفي الحكومة ما نشر عن إلغاء بنزين 80، واستمرارها في صرف كروت البنزين المدعوم لأصحاب السيارات.
وقد أخبرنا زميلنا الرسام في «المصري اليوم» عبد الله أمس، أنه ذهب للوقوف في الطابور فشاهد رجلا في مقدمته يقول بعد أن خبط جبهته:
– يا دي النيلة نسيت أني ما عنديش عربية.
أيضا اجتمع رئيس الوزراء إبراهيم محلب بممثلي عشر شركات خاصة لإنتاج الأدوية للاتفاق معها على التبرع بمليون جرعة من دواء سوفالدي، كما طالبها الرئيس لعلاج مليون شاب مصاب وتخفيف السعر للدولة في كميات أخرى. وإلى بعض مما عندنا…

دور الدولة في الاقتصاد

ونبدأ بواحدة من القضايا الخطيرة والمطروحة من مدة في مصر، منذ عام 2005 في عهد مبارك، وتم استئنافها بشدة بعد تولي السيسي الحكم، ومع ذلك لا ينتبه إليها كثيرون رغم أنها محرك خفي لكثير من الصراعات المكتومة بين السيسي وعدد لا بأس به من رجال الأعمال، وهو دور الدولة في الاقتصاد والأنشطة التي يجب عليها أن تعمل فيها، وتلك التي عليها أن تبتعد عنها، وما هي حدود ملكيتها، وهي قضية أثيرت بدءا من عام 1974، عندما أعلن الرئيس الراحل أنور السادات سياسة الانفتاح الاقتصادي، وأبدى كراهية ملموسة لوجود الدولة في المشاريع الاقتصادية والقطاع العام، ورغبته في بناء نظام رأسمالي، مما أدى إلى إهماله وإشارة البدء في هدمه وبيعه، وعدم توفير الاعتمادات اللازمة لتجديد الآلات واستيراد المواد الخام والسلع الوسيطة في الإنتاج وتطويره، حتى يمكن بيع الشركات بعد ذلك، بحجة أنها تحقق خسارة، وأصبحت عبئا على ميزانية الدولة، وازداد الأمر ضراوة في عهد مبارك، خاصة بعد ظهور نجم ابنه جمال ومجموعته الاقتصادية، وطرحوا علنا أفكارا لبيع كل ما تملكه الدولة، منذ عهد محمد علي باشا وأبرزها السكة الحديد وقناة السويس وشركاتها، وجاء بخمسة وزراء من رجال الأعمال في الوزارة التي شكلها عام 2005، برئاسة الدكتور أحمد نظيف، لتقوم بهذه المهمة، وهو ما أدى إلى ردود أفعال عنيفة، نظرت بعين الريبة والشك إلى هذه المجموعة، وظهرت معركة ما سمي بتزاوج المال والسلطة، وكان أبرز الأطراف التي خاضت المعركة ضد جمال مبارك ومجموعته من داخل النظام، الجيش والمخابرات العامة والحربية، بالإضافة طبعا إلى مجموعة مساندة من داخل الحزب الوطني على رأسها صديقنا صفوت الشريف، الأمين العام للحزب ومجموعة من داخل الحزب، خاضها بطريقته الناعمة كرجل مخابرات سابق، وتشكلت مجموعة في مجلس الوزراء برئاسة وزير الدفاع المشير محمد حسين طنطاوي وأحمد شفيق وزير الطيران المدني وسيد مشعل وزير الدولة للإنتاج الحربي، وانضم إليها وزير التجارة والصناعة ورجل الأعمال رشيد محمد رشيد، وكانت مهمته تحطيم احتكار أحمد عز لإنتاج الحديد، ونجحت هذه المجموعة في تعويق اندفاع مجموعة جمال مبارك لبيع كل شيء في مصر، بل وتدخل الجيش لشراء بعض المشروعات التي كانوا يريدون بيعها وإنشاء الدولة لمصانع جديدة، بدل التي باعتها، خاصة الإسمنت والحديد، والعودة إلى تطوير المجمعات الاستهلاكية، وكل هذا وغيره من تفاصيل موجود في التقارير المنشورة وقتها، ولم يكن توجه هذه المجموعة إيمانا بالاشتراكية، إنما مبدأ أن تكون الدولة موجودة حتى تضبط الأمور ولا تنزلق إلى ثورة شعبية، لدرجة أن زميلنا وصديقنا الدكتور عبد المنعم، رئيس مجلس إدارة مؤسسة الأهرام وقتها، ومن الداعمين الكبار لتوجهات جمال مبارك ومجموعته كتب في «الأهرام» متعجبا من اتجاه الدولة لبناء مصانع جديدة مملوكة لها، وازدادت هذه المشكلة بسبب تركيز رئيس الجمهورية السيسي على دور الدولة في القيام بمشروعات وحدها، والدخول شريكا في مشروعات أخرى، صحيح أنه لم يقل اشتراكية أو رأسمالية، إنما أكد أن ذلك ما يحتمه الحفاظ على الأمن القومي لمصر، وهو ما أكده في افتتاحه أعمال التطوير في الترسانة البحرية في الإسكندرية.

عبد المنعم سعيد: القطاع العام
لا يستطيع التخلص من أمراضه

ما أغاظ عبد المنعم سعيد وهو الآن رئيس مجلس إدارة مؤسسة جريدة «المصري اليوم» فقال غاضبا يوم الأحد قبل الماضي: «أظن أن حديث الرئيس السيسي في الترسانة البحرية بالإسكندرية كان يستحق تعليقا وتحليلا، فقد عاد مرة أخرى إلى كلماته الأولى عن العمل والجهد والعرق، ولكن الأهم كان ما جاء عن «الفساد»، حينما قال إنه ليس معقولا أن نقيم المؤسسات العامة ثم بعد ذلك تخسر، أو أن نقوم فيها بتعيين الأقرباء أو نعجز عن المنافسة، أو نتكاسل ونتواكل، أصبح تعريف الفساد شاملا ويغطي ببساطة كل أمراض القطاع العام المعروفة، التي نريد التخلص منها في معالجتنا المقبلة للمؤسسات الإنتاجية العامة، التي تملكها الدولة، أو باختصار الحكومة. بالطبع فإنني أتمنى كل النجاح للرئيس السيسي، ولا يوجد أمر أتمنى أن أكون فيه مخطئا قدر هذا الموضوع، سوف أترك جانبا ربط الترسانة البحرية بالأمن القومي المصري، فهذا يعرفه الرئيس أكثر من الجميع، ولكن الهواجس كبيرة بمجرد الابتعاد عن هذه النقطة بالغة الحساسية، أولا: ثبت أن التجربة العالمية والإقليمية والأخطر المصرية أن القطاع العام لا يستطيع التخلص من هذه الأمراض، وبدلا من أن يقوم بإنقاذ البلاد فإن المعادلة تنقلب عادة لكي تقوم البلاد بإنقاذ القطاع من خلال عملية استنزاف طويلة للثروة القومية. وثانيا: أن هناك معضلة هيكلية في المؤسسات العامة، لأنه من الناحية النظرية فإن ملكيتها للشعب، وهو ما يعني عمليا ملكية لا أحد، فالملكية التي لا تورث، والتي لا يمكن الاقتراض بضمان أصولها من البنوك، والتي لا تستطيع تجنب المخاطر وانتهاز الفرص، والتي لا يمكن لها التعرض للإفلاس إذا ما فشلت، فإنها ليست ملكية على الإطلاق. وثالثا: إن ما نبه له الرئيس ربما لا يكون قابلا للتحقيق، لأن ما فُطرت عليه مؤسسات الملكية العامة هو التضخم الإداري والبيروقراطي، ولا يكون ذلك بسبب الضغط الحكومي من أجل تعيينات غير مرغوبة وليس لها عمل، ولكن لأن العاملين، والأعضاء «المنتخبين» في مجلس الإدارة، سوف يمارسون ضغوطاً كبرى من أجل تعيين الأقارب، ومن أجل استخدام الاحتياطيات كأرباح لتوزيعها على العاملين، حتى لو كانت الشركة خاسرة خسارة فادحة وعاجزة عن التجديد التكنولوجي، ولا تعلم الكثير عن التغيرات الجارية في السوق العالمية، ولكنها تعلم أنه بمجرد انكشاف إفلاسها فإنها تستطيع الصراخ بأن الدولة لم تساعدها في الوقت المناسب، وأنه لا يمكن إلقاء العاملين بها في الشارع، وأنها في الأول والآخر تقدم خدمة عامة للمجتمع، ومن ثَمَّ عدم جواز محاسبتها بمعايير القطاع الخاص! ورابعا: أن فكرة «المساواة» بين جميع العاملين شائعة ومتجذرة، بحيث تستحيل فى النهاية مكافأة المجد والمجتهد، والمبدع والمبتكر، والذين يعلمون والذين لا يعلمون، وهناك بعد كل ذلك آلة دعائية مرعبة يفوز فيها الأقل جهدا وعملا وتفكيرا».

الجيش يوقف بيع الترسانة البحرية

وقام زميلنا وصديقنا في «الأخبار» الأديب جمال الغيطاني بتخصيص عموده اليومي في «الأخبار» للإشادة بما قام به الجيش من إنقاذ بعض المؤسسات من مصير أغبر: « صديق عمر ورفيق درب جميل ومخلص وفي المهنة أستاذ، تقريره اليومي في جريدة «القدس العربي» أواظب على قراءته منذ ثلاثة عقود.. إنه جبرتي العصر، أرسل معلقاً على ما كتبته حول الترسانة البحرية التي أنقذها الجيش من الخصخصة.
الصديق العزيز جمال الغيطاني
خصصت عمودكم اليومي المتميز – عبور – للتعليق على افتتاح الرئيس السيسي التجديدات التي قامت بها القوات المسلحة للترسانة البحرية في الإسكندرية والتي كان قد تم بناؤها في عهد الزعيم خالد الذكر جمال عبدالناصر، وعرضت للبيع بعد سلسلة طويلة من الإجراءات لمنع تطويرها، لتحويلها إلى ما يشبه الخرابة وليصبح تمرير البيع مقبولاً.. لولا سرعة تدخل الجيش وشراؤها لمنع وقوعها في أيادي جهات أجنبية تهدد الأمن القومي لمصر، كما أعلن ذلك الرئيس بنفسه. وأشرتم إلى بيع شركة المراجل البخارية أيضاً.. التي لم يتمكن الجيش من إيقافها. وإلى أن سياسة البيع بدأت في عهد الرئيس الراحل أنور السادات.. ولدرجة أنك تخيلت في قصة عنوانها ما جرى لأرض الوادي – بيع الأرض والجسور والطرق والنهر وأيضاً البشر.. والواقع أنه لم يكن خيالاً.. وانما وقائع حدثت منذ بداية سياسة الرئيس السادات في الانفتاح.. وهي كراهيته للقطاع العام ووجود الدولة في الاقتصاد.
وأذكرك بوقائع محددة في عهده بدأت ببيع شركة النسر لبطاريات السيارات لشركة أجنبية.. كل ما فعلته أنها وضعت اسم كلورايد عليها وضاعفت السعر.. منح شركة مجهولة اسمها جنوب الباسيفيك موافقة على إنشاء مشروع سياحي في هضبة الأهرام كان سيؤدي إلى تدمير المنطقة الأثرية كلها لولا المقاومة التي قادتها الدكتورة نعمات أحمد فؤاد وغيرها وأوقفت المشروع.. منح موافقة لمستشار النمسا وقتها برونو كرايسكي لدفن النفايات النووية في الصحراء الغربية، ولم يعلم المصريون بالكارثة إلا بعد أن أثارتها الصحف النمساوية، وأجبر الرأي العام هناك كرايسكي على التخلي عن الاتفاق حماية لأرواح المصريين.. أعلن عن رهن قناة السويس مقابل قرض تحتاجه مصر قدره خمسمئة مليون دولار.. وفي عهد مبارك واصل سياسة تخسير القطاع العام لبيعه بالكامل.. لدرجة عرض كل شركات البترول ومعامل التكرير المملوكة للدولة للبيع بواسطة ابنه جمال ومجموعته.. وكل صوامع الحبوب والشركات التابعة لشركة قناة السويس.. وتأجير القناة نفسها وردم جزء من النهر بطول المنطقة من بولاق أبوالعلا وحتى سور مجري العيون لإقامة كورنيش، بعد شكوى أصحاب فندق على النيل من زحمة المرور أمامه وحتى المشروع الوحيد الذي اعتبره مشروعه القومي وهو توشكي، وزع أراضيه المفترض استصلاحها وزراعتها ومساحتها حوالي أربعمئة وخمسين ألف فدان على رجال أعمال عرب ومصريين.. بعضهم حصل على مئة ألف وآخر على ثمانين ألفا وثالث على أربعين ألفا.. وهكذا وبقي للمصريين حوالي أربعين ألفا بحجة توزيعها على الشباب. وما أذكره لك لا أسرار فيه وانما منشور علناً في الصحف، فما توقعته لم يكن خيالاً وانما أحداث حقيقية.. أطالبك بتبني دعوة للرئيس السيسي أن يأمر بالكشف عن كواليسها وغيرها.. مادام قد أشار إلى وقف الجيش عملية بيع الترسانة البحرية.
أخوكم حسنين كروم»

شركة إسمنت أسيوط صرح عال
وليست رجسا من عمل الشيطان

وفي اليوم نفسه نشرت «الجمهورية» في صفحتها التاسعة في باب «عمال» الذي يشرف عليه زميلنا محمد المنايلي: «أصدرت هيئة مفوضي الدولة لدى محكمة القضاء الإداري تقريرها بإلغاء القرار الصادر من الشركة القابضة للصناعات المعدنية في 20 فبراير/شباط 1999 بالموافقة على بيع أسهم شركة إسمنت أسيوط بمرحلتيها الأولى والثانية بما يعادل نسبة 90٪ من الأسهم للشركات الواردة أسماؤها بعقد البيع وبطلان شرط التحكيم الوارد بالعقد، مع ما يترتب على ذلك من آثار وإعادة المتعاقدين إلى الحالة التي كانت عليها قبل التعاقد، واسترداد الدولة لجميع أصول وفروع الشركة وكافة ممتلكاتها المسلمة للمشتري، مطهرة من كل الرهون التي سبق أن أجراها المشتري، وإعادة العاملين إلى سابق أوضاعهم، مع منحهم كامل مستحقاتهم وحقوقهم عن الفترة، منذ إبرام العقد وحتى تاريخ تنفيذ الحكم بكامل أجزائه، واسترداد الدولة لجميع الأصول والممتلكات، وإلزام المدعى عليهم بصفاتهم بالمصروفات. إن الشركة القابضة نيابة عن الدولة، وكذا المجموعة الإدارية للسياسات الاقتصادية، تصرفت في شركة إسمنت أسيوط ليس باعتبارها صرحا ساهم على مدار تاريخه الطويل في تلبية الحاجات الأساسية لقطاعات عريضة من الشعب من الإسمنت، فقد قامت بإنتاج أربعة أنواع من الإسمنت الفاخر، ولكن باعتبارها رجسا من عمل الشيطان يجب التطهر منه بأي ثمن، أو بوصفها ذنبا يلقي على الشركة والدولة واجب تقديم القربان للاستغفار عن ارتكابه، وتعاملت مع شركة إسمنت أسيوط بكل ما اشتملت عليه من آلاف العمال والموظفين وأراض وعقارات وفروع، منها ما اعتبرته الدولة وكأنه من المهملات وأصناف سريعة التلف يتعين التصرف فيها على وجه السرعة قبل نهاية تاريخ الصلاحية، الأمر الذي من شأنه أن يثير الشك والريبة حول حقيقة التصرفات التي قام بها جميع المسؤولين عن إتمام تلك الصفقة، فلقد بلغت تلك التصرفات حدا كبيرا من الجسامة تصل إلى شبهة التواطؤ لتسهيل تمرير الصفقة بكل ما شابها من مخالفات».

محمد محمود الإمام: ليست حربا للاستيلاء
على أرض بل على نمط مستقل للتنمية

ونظل في يوم الاثنين ولكن بعد أن ننتقل إلى «الشروق» لنكون مع مقال الدكتور محمد محمود الإمام خبير التخطيط الاقتصادي في عهد خالد الذكر وقوله: « ..إذا كانت الخمسينيات بمنازعاتها الداخلية وبالعدوان الثلاثي الذي كشف خطورة تغلغل الأجانب في قطاعات الوساطة والمال وتحكمها بالتالي في قرارات الإنتاج التي كان لابد من تحريرها لإقامة قطاع صناعي يشكل العاملون فيه قوة شعبية في مواجهة المالكين لرأس المال، فإن استعادة مقومات الاستقرار، أفسح المجال أمام إدارة شؤون البلاد اعتمادا على خطة شاملة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية. وتطلب هذا تأهيل الجهاز الإداري للقيام بواجبات مستحدثة تجاوزت شؤون الإدارة العامة، وهو ما ساهم فيه معهد التخطيط القومي. كما أن دخول الدولة بقوة في الصناعات المدنية والحربية اقتضى إنشاء معهد الإدارة العليا. وفي الحالتين استغلت الخمسينيات فى إيفاد متدربين إلى الخارج للتعمق في الأساليب المتفاوتة لإدارة النشاطين التخطيطي والإنتاجي. كما استقل قسما الاقتصاد والعلوم السياسية عن كلية التجارة في جامعة القاهرة.
شهدت الستينيات تصاعد وتيرة بناء دولة قادرة على إرساء قواعد تنمية بديلة.. لا شرقية ولا غربية. ففي بدايتها انطلقت أول خطة للتنمية في ظل الوحدة مع سوريا، وأظهر تنفيذها ثغرات جرى سدها من خلال تأميم بعض الأنشطة التي وجدت منها مدخلا لنهب مخصصات الاستثمار، لاسيما في قطاع التشييد، وجرى تعزيز قواعد برنامج الإصلاح الزراعي، وأوضحت عدم قدرة الأجهزة التنفيذية على مجاراة سرعة عجلة التنمية، فتحول ديوان المحاسبة إلى جهاز مركزي للمحاسبات، وضمت مصلحة الإحصاء والتعداد إلى الجهاز المركزي للتعبئة لتمكين الدولة من النهوض بقاعدة البيانات، وإزالة التضارب بين المصادر المختلفة وإحكام متابعة الخطة وتقييم الأداء. وساعدت الطفرة التي أحدثها نجاح البرنامج الصناعي الأول الذي أعده المهندس الدكتور عزيز صدقي وأدرج ضمن الخطة على تزايد الثقة في إمكان بناء صرح صناعي شامخ، يسد الثغرة التي تتسلل من خلالها الرأسمالية العالمية لتواصل استعمارها المقنع، فقررت إيقاف العجلة قبل أن تتحول إلى نموذج ينقذ العالم الثالث من أيدى استعمار كان لازما لتقدمها.
من جهة أخرى جرت محاولات لتعزيز الذراع التعاونية لثلاثية المجتمع الاشتراكي الديمقراطي التعاوني التى أخذ بها تنظيم الاتحاد القومي، ونضجت الصيغة الاشتراكية معززة بمعهد للدراسات الاشتراكية ومجلس لرعاية الشباب إلى جانب إشاعة قصور الثقافة لتتغلغل في الكفور والنجوع، مزيلة عنها أتربة الإهمال التي أهالها عليها الإقطاع، واستخدمت الإذاعة ثم التلفزيون في الوصول إلى جميع أرجاء الدولة وامتدت إلى الوطن العربي والقارة الأفريقية فأفاق الأفارقة على صوت الحرية، ولعبت شركات المقاولات والنصر للاستيراد والتصدير على إنعاش الحركة الاقتصادية في دول استغلها الأوروبيون أسوأ استغلال معتمدين على وسطاء عرب، لبنانيين وسوريين بوجه خاص.
وعندما شعر بعض الزملاء بطبول الحرب تقرع قام نبيل شعث ورمزي زكي الأستاذان في معهد الإدارة العليا بالدعوة إلى محاضرات أسبوعية، كان نصيبي منها «اقتصاديات الحرب والتعبئة» حددا لها الخميس 8 يونيو/حزيران 1967 وأصررت على إلقائها لأننا إذا كنا خسرنا معركة فإن علينا الإعداد لكسب الحرب. وفي ظل التطورات سالفة الذكر بدأتها بعبارة أنها ليست حربا للاستيلاء على قطعة أرض، بل على نمط مستقل للتنمية. ومازالت الأحداث تتوالى لتثبت صواب هذا التعريف. وعلينا الآن أن نواصل ما قطعه السادات وخلفاؤه من المضي نحو إعادته إلى نهج عبدالناصر»..

«النيوليبرالية» جالبة البؤس والتعاسة

وإلى «أهرام» الاثنين حيث دخل زميلنا وصديقنا الدكتور وحيد عبد المجيد طرفا في المعركة بطريقة غير مباشرة بالقول في عموده اليومي «اجتهادات»: «ينبغي وضع حد لـ«فوبيا» النمو في قطاع المقاولات الذي توليه «النيوليبرالية» أهمية كبرى، لمجرد أن نموه يؤدي إلى تشغيل قطاعات أخرى، وينبغي أن ندرك في هذا السياق تحديدا أن أي توسع جديد في بناء المساكن الفاخرة والكمباوندات والمنتجعات المرفهة، أصبح عبئا على الاقتصاد والمجتمع وربما يجوز اعتباره نوعا من الجنون، لأنه يبدد مدخرات بعض الشرائح الاجتماعية ويوجهها في الاتجاه الخطأ، وكأنه يدفنها تحت الحديد والإسمنت والطوب والرمل، وليس هذا إلا نزرا يسيرا من أعطاب «النيوليبرالية»، جالبة البؤس والتعاسة لأغلبية البشر في مختلف البلاد المصابة بدائها، والعاجزة عن الشفاء من مرضها العضال».

رؤوف غبور: حزب «المصريين الأحرار»
الأمثل لخدمة مصر

وننتقل إلى يوم الثلاثاء حيث جريدة «فيتو» التي تصدر كل ثلاثاء ويرأس تحريرها زميلنا وصديقنا عصام كامل، وترتبط بحزب المصريين الأحرار، حيث نشرت حديثا مع رجل الأعمال رؤوف غبور رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لمجموعة «جي. بي أوتو غبور» وعضو المكتب السياسي لحزب المصريين الأحرار أجراه معه زميلنا ريمون ناجي على صفحة كاملة وأبرز ما قاله: «الأحزاب السياسية تجسيد أيديولوجيات مختلفة «اشتراكية وشيوعية ورأسمالية»، تراعي البعد الاجتماعي، وأخرى تمثل اليمين المتطرف، لكن النموذج الشيوعي لم يعد موجودا في العالم، حتى في كوريا الشمالية وكوبا، ما يعكس صعوبة وجوده في مصر. أما الاشتراكي فرأينا فرنسا الدولة العظمى يختار مواطنوها حزبا اشتراكيا وتعيش الآن معاناة، فشعارات الاشتراكية جميلة ينادى بها في الجنة، وليس على الأرض. وعدم وجود تجربة للاشتراكية ناجحة في العالم يجعل من الصعب تطبيقها في مصر.
أما النموذج الرأسمالي المتطرف فبات مفجرا للبلاد لأنه يقوم على أساس ثراء المجتمع علميا وماديا ويخلق فرصا لمن لديه الإمكانيات، ما يصعب تنفيذه في مصر، وسبق وطبق بصورة أو بأخرى خلال فترة 2005 /2010 ، واستفاد منه القادرون، ولم يفد المجتمع في شيء، وكانت النتيجة المعاناة وزيادة معدلات الفقر، ولهذا لا يتناسب هذا النموذج مع ظروف مصر. في حين النموذج الأمثل أن نبني الاقتصاد والإنسان معا لأن المشروعات وغيرها لن تدار إلا بالبشر، ولو كانوا غير أكفاء وليست لديهم الإمكانيات العلمية سيكون مصير الاستثمارات في مهب الريح. الأيديولوجية الأمثل لمصر هي وجود حزب رأسمالي يراعي البعد الاجتماعي، لذلك أرى حزب المصريين الأحرار وهو الأمثل لخدمة مصر عقب فوزه في انتخابات مجلس النواب، نظرا لوجود برنامج جاد في كافة المجالات «صحة وتعليم وغيرها» لبناء جيل قادر على القيادة والريادة يتوقع حصول «المصريين الأحرار» على الأكثرية. لو لم أكن مقتنعا بذلك لما استمررت فيه».
وهكذا وضع غبور نفسه وحزبه في مأزق صعب، فلنفرض أنه لم يحصل على الأكثرية فهل سينسحب منه علما بأنه ونجيب ساويرس الممولان الرئيسيان للحزب وبدونهما لن تكون له مقالات ولا الصرف على المعركة الانتخابية.
اتهام صاحب جريدة «المصري اليوم»
بالتجسس لحساب أمريكا

وإلى قضية استمرار لعبة تسريبات الأسرار والتسجيلات، حيث دخل زميلنا في «الأهرام» عمرو عبد السميع يوم الاثنين في عموده اليومي «حالة حوار» إلى الحلبة بأن وجه اتهاما صريحا إلى رجل الأعمال وصاحب جريدة «المصري اليوم» صلاح دياب بأنه اجتمع مع السفير الأمريكي في القاهرة، وأخذ يحرضه ضد نظام السيسي، كما فعل من قبل الصحافي الكبير مصطفى أمين مع رجل المخابرات الأمريكية عام 1965 وحرض أمريكا ضد نظام خالد الذكر، وقبضت المخابرات العامة عليهما وحكم على مصطفى بالسجن بتهمة التجسس، وتساءل عمرو عن سر عدم اتخاذ الإجراء نفسه مع صلاح دياب بقوله عنه: «إذا لم يكن هذا هو التخابر فماذا يكون إذن؟ غداء جمع السفير الأمريكي في القاهرة مع ملياردير من رجال الأعمال، وفي منزل الأخير. وفيه راح الملياردير يلوم الأمريكي على تراخي الولايات المتحدة الأمريكية في مواجهة السيسي، ويذكره بموقف بلاده القوي ضد مبارك، حتى أقصته عن الحكم بكلمة أوباما «الآنNow »، لا بل وراح الملياردير المصري، الذي لا يطيق اسم الرئيس السيسي يحرض السفير على نحو مباشر جدا، ويلهمه بأشكال التدخل التي ينبغي على الأمريكان توخيها. كان السفير الأمريكي يسطر بنفسه كل حرف يتفوه به الملياردير ليكتب بذلك تقريرا يرفعه إلى وزارة الخارجية، أو إلى الإدارة أو إلى المخابرات المركزية. الموضوع لم يعد يحتمل هناك عشرات الشواهد والقرائن على ذلك الملياردير، وينبغي على الدولة «أكرر الدولة» التحرك لمواجهته، وأذكركم بقضية جاسوسية كبرى تم الكشف عنها والتعامل معها عام 1965 وهي قضية مصطفى أمين، إذ كان الصحافي العملاق جالسا في الإسكندرية في حديقة منزله ويقوم بإملاء أحد رجال السفارة الأمريكية ما يعد في ذك التوقيت تحريضا على البلد، وقد شمل توصية بقطع واشنطن شحنات القمح المصدرة لمصر من أجل تركيع عبد الناصر، فداهمه رجال المخابرات العامة وألقوا القبض عليه تلك القضية هي رقم « 1 « في متحف المخابرات، وقد شاهدت وثائقها وإحرازها بنفسي. كانت لدينا دولة وهو ما نريده الآن نتوق إليه، إذ كيف يمكن للملياردير المتخابر الجاسوسي أن يتآمر ضد البلد وضد رمز ثورة 30 يونيو/حزيران العظمى على ذلك النحو المروع الذي جرى، بينما ما زال يسرح ويمرح في اجتماعات ولقاءات وسهرات وأفراح وبارات على طول البلد وعرضها».

صلاح دياب يرد: ضعاف النفوس
أوانيهم تنضح بما في داخلهم

وفي اليوم التالي مباشرة رد صلاح على عمرو في عموده اليومي الذي يوقعه باسم نيوتن فأرسل خطابا إلى نيوتن نفى فيه الواقعة من أساسها وهاجم عمرو بتذكيره بأشياء لم يفصح عنها قال صلاح لنيوتن: «بالمناسبة يا صديقي نيوتن في إطار حرب الشائعات التي يئن منها مجتمعنا في هذه الآونة، حدثت محاولات ترويج لكذبة ملفقة انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، تلفقها بعض الصحف والفضائيات، وأشار إليها أحد الصحافيين، مفادها أنني استقبلت في منزلي سعادة السفير الأمريكي ستيفن بيكروفت ودارت بيننا حوارات ممتدة. المحزن أنني لم أر سعادة السفير الأمريكي الجديد إلى يومنا هذا، ولو كان حدث هذا اللقاء فلن أتبرأ منه، وأجدني أتساءل ما هو المتوقع كنتائج من مثل هذا اللقاء في حال حدوثه؟ هناك للأسف من يفترض الاستسلام والانبطاح للسفير إذا ما حاول إرغامي على شيء قد يحولني عن ديانتي أو جنسيتي. على أقل تقدير سوف أفرط في معلومات خطيرة حول بلدي بقدرة قادر، وفي لحظات معدودة أصبحت من العملاء، هكذا يتوهم البعض أو خيلت لهم أنفسهم الشريرة. بالمناسبة مرة أخرى زارني سفير أمريكي في مكتبي كان ذلك منذ سنوات بعيدة وكانت زيارة مفاجئة لي. يومها اتصلت باللواء صلاح سلامة رئيس مباحث أمن الدولة، حينها أبلغته بأن فلانا قادم الساعة كذا هل يريد أن يبعث مندوبا لديه أو القيام بأي إجراءات أخرى يراها؟ قال لي لا تثريب عليك إلتق بمن شئت فأنت محل ثقة. لمن لديه عقل يدرك ويفكر ما الذي حدث لمجتمعنا الآن؟ أصبح من السهل التشكيك في أي شيء وكل شيء أصبح من الطبيعي اتهام هذا بالعمالة وذك بالتمويل، بعض المقالات بمثابة تصفية حسابات، بل ابتزاز في معظم الأحيان. المحاكم أصبحت تئن بقضايا من هذا النوع لكن إلى متى تستمر هذه الأوضاع وإلي أي مدى يمكن أن يتحملها المجتمع؟ لا أستطيع أن أخفي حزني على ضعاف النفوس هؤلاء، أوانيهم تنضح بما هو في داخلهم من تربص ومن خيانة بالسليقة، فالخائن يرى الجميع خونة. خائن لا يفرق بين خيانة وطنه أو خيانة صديقه أو خيانة أهله، أما عني فهذه دعوة مفتوحة مني لاستقبال أي سفير جميعهم على الرحب والسعة ونحن قدها وقدود».

تسريب تسجيلات لرئيس حزب «الوفد»

أما في «وفد» يوم الثلاثاء نفسه فقد توعد رئيس تحريرها عبد الرحيم علي رئيس مجلس إدارة وتحرير جريدة «البوابة» وموقعها الإلكتروني بمصير أغبر بسبب إذاعته تسجيلات لرئيس حزب الوفد السيد البدوي عن محادثاته مع الإخوان المسلمين وقال زين: «من أين حصل عبد الرحيم علي على هذه المكالمات التي تصرف فيها طبقا لهواه؟ ومن المسؤول عن التنصت على الشخصيات الحزبية والعامة؟ ومن سرب هذه المكالمات ولماذا في هذا التوقيت بالذات؟ على أي حال هناك في الأصل جريمة تنصت على شخص رئيس الوفد، ومن وردت أسماؤهم، وهي واقعة كارثية بكل المعايير والمقاييس وتمثل اعتداء صارخا على حرمة الحياة الخاصة للمواطنين ولشخصية سياسية تترأس أكبر حزب سياسي في البلاد، ما حدث يؤكد أننا رجعنا إلى الخلف عقودا طويلة، حيث كانت حياة الناس مشاعا لكل من هب ودب، وهذه الوقائع أجزم بأنها لن تمر مرور الكرام، بل اقتربنا من محاكمة الذين قاموا بالتنصت والذين أذاعوا المكالمات المحرفة حتى يأمن المواطن على حياته. بعد ذلك الدولة لن يغمض لها جفن أو تسكت أبدا على مثل هذه الجرائم الشنيعة في حق الوطنيين أو الاعتداء على حرمة الوفد ورئيسه، وعما قريب جدا سينال من فعلوا جريمة التنصت أو من سربها أو من أشاعها. عما قريب سيصمت عبد الرحيم علي وكل أبواق أعداء الدولة الجديدة، سواء في الداخل أو من الهاربين في الخارج وإنا لمنتظرون».

حسنين كروم

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية