من السمات التي تتّسم بها الآداب في الأزمنة الحديثة، هذا الفيض من فنّ التراجم بمختلف أنواعه وأشكاله، فقد صار ظاهرة لافتَة، وصار الافتنان في أساليب كتابته، سمة لا تخفى. ويرجع الدارسون ذلك إلى عوامل فردّية شخصيّة، من جهة؛ حيث يستوقفنا كتّاب لهم من الفطنة النافذة، والاستعداد الخاصّ، ما دفعهم إلى النبوغ في هذا الفنّ؛ وعوامل اجتماعيّة ثقافيّة، من جهة أخرى. من ذلك روح العصر التي طغى عليها الشكّ والحيرة، فهي في تقديرهم؛ مناسبة للإجادة في هذا الفنّ، والعناية بالشخصيّة الانسانيّة. ويرون أنّ عصور اليقين والإيمان، تصرف الناس عن حاضرهم؛ ويتمثّلون بقول القسّ ستنانلي، في أنّ الأتقياء المنشدّين إلى عالم ما بعد الموت، ليس لهم أيّ استعداد أو موهبة لكتابة الترجمة. وفي القرن العشرين، نلاحظ بكلّ يسر وفرة الإقبال على هذا الفنّ كتابة ونقدا أو تنظيرا. وفي عام 1984 نشر جورج ماي كتابه المتميّز عن السيرة الذاتيّة. وهو يرجع شكلها الأدبي، إلى «اعترافات» جان جاك روسو، ويرى أنّ كلّ المحاولات التي سعى أصحابها إلى تصنيف السيرة الذاتيّة؛ كان مآلها الإخفاق. وهذا ما جعله يصنّف السيَر الذاتيّة حسب مميّزات أصحابها ودفائن عقولهم ودخائل نفوسهم، والسمات التي تجمع بعضها إلى بعض.
ومن هذا المنظور، فإنّ القارئ لا يظفر إلاّ بخاصّيتين: إحداهما أنّ السيرة الذاتيّة ثمرة سنّ النضج والذهن الحصيف، والأخرى أنّ أغلب هؤلاء الكتّاب معروفون لدى القرّاء؛ قبل أن ينشروا قصّة حياتهم. وواضح من كلام ماي أنّ هناك استثناءات لا تنتظمها هذه القاعدة. وهذا ما جعله يحاول «تصنيف» السيرة حسب الدوافع أو العوامل التي أمْلَتْ ما أمْلتْ على كتّابها. بيْد أنّه سرعان ما أدرك أنّ تصنيفا كهذا ليس أكثر من بذل ضائع وسعي خائب. وتهيّأ لي وأنا أقرأ ماي في أنّ هذا النوع من السرد؛ لاينتظمه قانون ثابت، أو قاعدة واحدة؛ فالأمر أشبه بـ»متحرّك» النحّات الأمريكي كالدر؛ وهو شكل فنّيّ يُتّخذ من معدن خفيف، فتتحرّك أجزاؤه لدى أقلّ نفحة هواء. وأقدّر أنّ في كلّ سيرة ذاتيّة نفحة من صاحبها، وبواعث مستترة، لا نقدر على رياضة مجاهلها؛ فلا نعرف حقّا كيف طفر اليافع من الطفل، أو نجم الكهل أو الشيخ من الشابّ، في «أيّام» طه حسين أو «سبعون» ميخائيل نعيمة أو «ذاكرة للنسيان» لمحمود درويش مثلا. ومن ثمّة حاول ماي أن يجد ضالّته في الأساليب الأدبيّة أو الأنساق التي تجري عليها السيرة؛ مثل التكلّم (أنا) والغيبة (هو). بل نجده يفترض ـ وكأنّه شاعر رسّام ـ سلّما من الألوان هي أشبه بألوان الطيف. فالبنفسجي للرواية التاريخيّة حيث يكاد لا يمثل من الكاتب سوى شبحه، والنيلي للسيرة التي مدارها على تطوّر شخصيّة الكاتب، والأزرق للسيرة التي يقودنا فيها متلفّظ غائب (هو)، والأخضر لقرينتها ولكن بضمير المتكلّم. وأمّا الاصفر فلهذا النمط السردي «الهجين» أي السيرة الرواية أو «السيرة الروائيّة» والتي يترجمها بعضنا خطأ ب»التخييل الذاتي»، والبرتقالي لسيرة يسوقها صاحبها باسم مستعار، والأحمر لسيرة ذاتيّة باسم صريح. ومثالها اعترافات نجيب محفوظ الجريئة التي جمعها رجاء النقّاش، ودار بشأنها حوار طريف بين نجيب محفوظ وجمال الغيطاني وعبدالرحمن الأبنودي وزكي سالم (أخبار الأدب 260/98)، أفصّله في ما يأتي، عسى أن نتبيّن كيف كان محفوظ أجرأ هؤلاء الثلاثة. كان الدافع إلى هذا الحوار، اعترافات محفوظ لرجاء النقّاش، الصادرة في كتاب باسم الكاتب المصري الكبير حقّا. وقد دار الحوار حول قضايا وطنيّة وسياسيّة عامّة، وأخرى ذاتيّة خاصّة؛ والمحاورون الثلاثة ما بين مستنكر ومنزعج وحائر. يقول جمال الغيطاني لمحفوظ: «ما جاء في الكتاب أحدث عندي صدمة. وفي ما يتعلّق بي شخصيّا، أقول لك يا أستاذ نجيب إنّني تألّمت جدّا من رأيك في حرب الاستنزاف». ويتساءل محفوظ: «هو أنا قلت حاجة عن حرب الاستنزاف؟ّ»، ويردّ الغيطاني: «نعم قلت إنّها كلام فارغ.» ولاستنكار الغيطاني أو انزعاجه، ما يُسوّغه؛ فقد عمل طوال ستّ سنوات، مراسلا حربيّا لجريدة الأخبار،وكان شاهد عيان، مثله مثل الأبنودي الذي عاش هذه المرحلة في السويس. وهو يؤكّد لمحفوظ أنّ هذه الحرب هي التي خلقت الجنديّ المصريّ،وأعادت صياغته من جديد: «لولا هذه الحرب ما كان يمكن حدوث حرب أكتوبر بالجندي المهزوم في 1967… لأنّنا لو أخذنا جنود 1967 إلى 1973 كانوا سيهزمزن من جديد». (أستحضر هنا قصيدة الأبنودي الاستثنائيّة عن جندي 67» خيال المقات»، وكنت سمعتها منه أوّل ما تعرّفت إليه في تونس عام 1970، ولا أزال أحفظ بعضها. وهي بالمحكيّة المصريّة، ولها ترجمة فرنسيّة رائقة). أمّا محفوظ فيلوح في هذا الحوار، وكأنّه يعاني من خرف أو وهن ذاكرة، فهو يُقرّ من جهة أنّه يعتبر حرب الاستنزاف «كلاما فارغا» إذ أفضت في تقديره، إلى تخريب منشآت البترول، وتهجير أهالي السويس ومدن القناة. ويقول: «الاسرائيليّون احتلّونا، ووجب أن يكون الردّ أفضل من حرب الاستنزاف؛ فإمّا تكون حرب حقيقيّة، وإمّا تكون مفاوضة كاملة.» ولكنّه يٌقرّ من جهة أخرى أنّها «كلمة يجوز طلعت عفوا»، بل هو يردّ على سؤال زكي سالم: «حضرتك متذكّر أنّك قلت حرب الاستنزاف كلام فارغ أو لا تتذكّر؟»، بقوله: «لا أتذكّر». ثمّ يعود إلى تأكيد رأيه في أنّ حرب الاستنزاف استنزفت مصر لا اسرائيل: «الحرب إمّا انتصار أو مفاوضة.. حروب الدنيا كلّها على هذا الشكل. إذا دخلت حربا وكسبتها؛ تملي شروطك. وإذا خسرتها تقبل شروط الآخر، ولا يوجد وسط بينهما. إنّما تقول حرب استنزاف، وتنتظر؛ فهذا استنزاف للبلد».
ولا أحبّ أن أسترسل في عرض هذا الحوار المثير حقّا، وقد اتخذته مثالا على أدب السيرة أو الاعترافات ذات اللون الأحمر، بعبارة جورج ماي أو اصطلاحاته. ومن ذلك رأي محفوظ في ثورة يوليو وعبد الناصر وفي تأميم قناة السويس وفي أنور السادات… وإنّما أقف على بعض المسائل أو القضايا الخاصّة التي يستنكرها عليه محاوروه؛ وهي نبش ما انطوى من حياته، وسيرته الحافلتين. من ذلك اعترافه لرجاء النقّاش: «في الفترة التي سبقت زواجي، عشت حياة عربدة كاملة. كنت من روّاد البغاء الرسمي [العلني] والسرّي، ومن روّاد الصالات والكباريهات.. ومن يراني في ذلك الوقت؛ لا يمكن أن يتصوّر أبدا أنّ شخصا يعيش مثل هذا الحياة المضطربة، ويمكن أن نصفه بأنّه حيوان جنسيّ؛ يمكن أن يعرف الحبّ والزواج…». أو اعترافه بأنّ نظرته إلى المرأة كانت جنسيّة خالصة: «ليس فيها أيّ عواطف أو مشاعر، وإن كان يشوبها أحيانا شيء من الاحترام. ثمّ تطوّرت هذه النظرة، وأخذت في الاعتدال بعدما فكّرت في الزواج والاستقرار». أو حديثه عن»شلّة العوّامة» التي انضمّ إليها، وهي كما يقول» مجموعة من الأصدقاء كانوا يستأجرون عوّامة على النيل؛ لقضاء السهرات التي لم تكن تخلو من البيرة والحشيش…». أو» شلّة الحرافيش» التي كان من روّادها صلاح جاهين ومصطفى محمود «قبل أن يدخل في دور الدروشة»، بعبارة محفوظ.
هذه الاعترافات وغيرها، هي في نظر الغيطاني «فقرات مزعجة» في الكتاب الذي أعدّه النقّاش، على ما فيها من صدق شديد صادم. وعلى قدر ما أستغرب من كاتب مرموق مثل الغيطاني، أن يستنكر مثل هذه الاعترافات التي يراها تخدش الحياء؛ وكأنّها أوراق شخصيّة لا يجوز هتك حرمتها؛ أحمد لرجاء النقّاش الجهد الكبير الذي بذله في تجميع أشتاتها؛ وهي التي استعرق أعدادها، منه سبع سنوات، وخمسين ساعة من الحورات.
أقدّر أنّنا بحاجة إلى مثل هذه الاعترافات التي تعلي من مكانة محفوظ، مثلما أعلت قبله من مكانة المغربي محمّد شكري في «الخبز الحافي» و»زمن الأخطاء». فهي محور من اتجاه مستتر في الأدب العربي الحديث، أخذ بالظهور والبروز، وليست من الظواهر العارضة التي لا تعمّر. وهي على كونها شذرات وخواطر ونظرات، قد تكون عابرة غير منتظمة؛ ممّا يستأنس به الباحث، ويعوّل عليه الدارس؛ في تفهّم مذهب الكاتب أو استجلاء غوامض أدبه، وقد تكون من غوامض سيرته وثقافته. ولعلّ قارئ هذه الاعترافات أن يقف فيها على صلة حميمة بين محفوظ وبعض شخوص رواياته؛ وهو الكاتب الذي يعرف كيف يتّخذ سبيلا وسطا بين حرفيّته الروائيّة وقدرته على التصرّف فيها. يقول محفوظ :» أليس من الأفضل أن تُكتَبَ هذه الاعترافات؟»، ويتساءل زكي سالم :» تُكتَبُ لماذا؟»، ويردّ محفوظ مستغربا: «الله! واحـد جاء ياخذ اعترافاتي، وأنا جلـسـت معه على أساس أن اقول كلّ شـيء عن حـيـاتي.. أقــوم أخفيها!؟ طيّب ما كنت رفضت من الأوّل.. هو حَدْ غصبْني!؟»
منصف الوهايبي