يُعد تاريخ نظرية الأدب بمثابة تاريخ محاولات الاقتراب من منطقه.
و مع كل مُحاولةٍ، تُراكم نظرية الأدب مفاهيمها المتعددة والمتنوعة للأدب، وتصوراتها حول خطابه. لا يُلغي التعدد انسجام وحدة الأدب، بقدر ما يعبر هذا التعدد عن حيويته، وحركيته التاريخية التي تجعله خطابا مفتوحا على التحولات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.
وعندما يتعطل التفكير في الأدب، وتتعثر قراءته بسبب أزمة الفكر، أو ضعف الخطاب النقدي، أو سوء تدبير الاقتراب منه، يتعطل تاريخ مفاهيمه.
لهذا، يطرح سؤال الاقتراب من الأدب في كل مرحلة تاريخية قدرة التفكير النقدي على تمثل جديد له، وحسن الإصغاء إلى عالمه، والتمعن في طريقة بنائه. وهو وضعٌ لا يتم بمجرد التفكير في القراءة، والتحليل سعيا للبحث عن المفهوم الجديد الذي يُؤسسه الأدب في وضعيته الجديدة، إنما يحتاج الأمر إلى منهج يُمكن القارئ/الناقد من الدخول إلى الأدب، والسير في منعرجاته، وإضاءة مناطقه غير المرئية.
غير أن المنهج باعتباره طريقة في التفكير في النص الأدبي لا يعد مجرد آلية للتحليل، أو عبارة عن طريقة تقنية لتفكيك الأدب، أو مجموعة من الخطوات التي باتباعها بشكل آلي يحصل الناقد/القارئ على مبتغاه، فيتبدد الغموض ويتلاشى اللبس، ويُحقق القارئ تواصلا مضمونا مع النص، بعيدا عن إكراهات اللغة الإيحائية والرمزية ، إنما المنهج هو رؤية معرفية وتصور فلسفي.
وعندما نعود إلى مختلف المناهج الأدبية التي تم اعتمادها في قراءة الأعمال الأدبية، فإننا نجدها تنحدر من حقول معرفية وفكرية، وذات خلفية فلسفية، ومن ثمة فهي عبارة عن تصور للعالم.
من هنا، يصعب الجمع بين عدة مناهج أدبية من أجل مواجهة تحديات الأدب التي يطرحها على القارئ. فلا يمكن في الوقت ذاته الجمع بين رؤيتين متناقضتين للعالم. ولذا، فقد فشلت مختلف التجارب التي سعت إلى الجمع بين المناهج الأدبية – خاصة تلك التي لا تصدر عن الخلفية الفلسفية نفسها – لتحليل النص الأدبي، إذ جاء منتوج القراءة مُرتبكا، وغير دال. والمسألة تبدو واضحة بمجرد الانتباه إلى الجهاز المفهومي لكل منهج على حدة. إذ، يكفي أن نعود إلى مفاهيم المناهج، ومعجمها وتقنياتها، حتى نتأكد من كون المنهج يُوثق لحمولته المعرفية والفلسفية في مختلف تدبيراته.
عندما يستعمل المنهج التاريخي مثلا مفهوم الانعكاس، فإنه ينطلق من تصور يجعل الأدب انعكاسا للتاريخ، وعندما يوظف أفعال التفسير والشرح باعتماد الرجوع إلى خارج العمل الأدبي، فإن هذه الأفعال تكون حاملة للرؤية، وليست عبثا في المنهج.
وعندما تستعمل البنيوية بكل مراحلها مفاهيم المقاربة والمعاينة، واعتماد مفهوم النص بدل مفهوم «الأثر» الذي يتماشى وخلفية المنهج التاريخي، فإنها تنطلق من رؤية للأدب باعتبار منطقه الداخلي الذي يُحقق نظامه وأدبيته، وعوض الانشغال بما يعكسه الأدب من وعي المرحلة أو المؤلف، فإنها تنشغل بالنص وخطابه، وبالنظام الداخلي وطريقة بنائه. مع كل منهج أدبي نستقبل مفهوما جديدا للأدب. وهو مفهوم يُقربنا من جوهر الأدب.
غير أن سؤالا قد يُطرح على وضعية المنهج الأدبي، وعلاقته بالأدب، ومن الأسبق، هل الأدب أم المنهج، ومن الذي يُحدد وجود الآخر، وهل نستطيع أن نتبنى منهجا من خارج الأدب، أم أن الأدب مُؤهل لكي يُنتج طرق تحليله، ثم كيف يمكن الحديث عن تعددية المناهج إذا كان الأدب هو مُنتج أشكال الاقتراب منه. إنها عيَنة من الأسئلة المشروعة التي قد يقترحها كل مهتم بالأدب وقراءته.
وبنظرة سريعة على طبيعة المناهج الأدبية سنلاحظ أنها قادمة من معارف وعلوم وفلسفات مثل، علم التاريخ والاجتماع وعلم النفس وعلم اللغة (اللسانيات) وغير ذلك من مختلف المناهج التي عندما استثمرتها الدراسات النقدية الأدبية حرَرت الأدب من المفهوم الواحد، والبعد الواحد.
وبالتالي، كلما تطورت العلوم والمعارف والوسائط، تمكن الدرس النقدي من استثمارها لصالح اقتراب جديد من الأدب، مع الإشارة إلى أن هيمنة معارف أو وسائط في مرحلة تاريخية، يُؤشر إلى صعود رؤية وتصور للعالم.
وإذا كنا نعيش زمنا يتحكم فيه الوسيط التكنولوجي، الذي هيمن على حياة الأفراد والشعوب، بدرجات متفاوتة، على مستوى الحياة اليومية والعملية والاجتماعية، فإن واقعا تاريخيا يتشكل وفق مُستجدات هذا الوسيط، ويُنتج مسارات جديدة للإنسان، في الوقت ذاته يعرف التعبير الرمزي بدوره- تحولات، انسجاما مع تحولات شرط حياة الأفراد. تحول في نظام الحياة وفي شكل التعبير عنها إبداعيا.
لذا، يحتاج الأمر إلى التفكير في طرق مختلفة عن السابق، للاقتراب من الأدب في شكله الجديد، ذلك لأن استمرار التفكير/القراءة في الأدب بالطريقة والمنهج نفسيهما، يعني استمرار التفكير بالتصور نفسه الذي تجاوزته الحياة وشرطها، والأدب وخطابه.
وبعيدا عن الشكل الأدبي الذي يعقد تواصلا واضحا مع الوسيط التكنولوجي، وتتحقق فيه التحولات بشكل ظاهر، مثلما نلتقي مع الأدب الرقمي، حيث مكون الترابطي يفعل في نظام النص، ويضع القراءة أمام تحدي الشراكة في إنتاج النص، بتفعيل الروابط، وانتقال القارئ إما من موقع الباحث عن موضوع النص، أو موقع المحلل لطريقة بناء النص، أو موقع المؤوَل لدلالات النص إلى موقع المُنتج للنص، بعيدا عن هذه التجربة التي تُعلن عن نفسها من داخل الشرط التكنولوجي، فإن الكثير من النصوص عبر- الورقي خاصة السردية (رواية، قصة قصيرة) باتت مختلفة من حيث طريقة نظامها، وشكل سردها للحكاية.
فبعد أن كانت تعتمد ضمير السارد المُتصرف- وحده- في حياة الحكاية، من موقع امتلاكه للحقيقة، ثم الانتقال إلى تعددية الضمائر، وتوزيع الحقيقة بين تعدد الضمائر مما استوجب حضور القارئ ضميرا مُشاركا ليس في إنتاج الحكاية، إنما في إعادة جمع شتاتها، ونسج بنائها، كما وجدنا مع النماذج العمودية/التجريبية، فإن خطابها الراهن، تجاوز هذين النموذجين، وانفتح على شكل مختلف لحضور القارئ.
نلتقي هنا بما نسميه بـ»الكتابة-الضفيرة»، أو بالسرد المترابط. إنه شكل سردي يجعل القراءة شكلا من الكتابة.
ننتقل في هذا المستوى إلى تصور جديد للكتابة، التي تُغادر أفقيتها وعموديتها، وتقترح القارئ مُنتجا ومُؤلفا وكاتبا للنص.
إن طبيعة تركيبة النص المتداخلة، التي تجعل السارد وهو يسرد لا يتحكم في أفق سرده، ليس بعجز من موقعه ووظيفته، إنما شكل الكتابة الترابطية تجعل السرد ينفلت من السارد باتجاه القارئ الذي يدعوه هذا الشكل في الكتابة إلى تغيير موقعه، والانخراط في صنف المنتجين.
ونتذكر في هذا الصدد وضعية السارد في قراءتنا السابقة للمجموعة القصصية «غرفة فرجينيا وولف» للكاتبة المغربية لطيفة باقا، حيث السارد لا يتحكم في شكل السرد، وفي نظام القصة، كما أنه غير مسؤول عن منطق الترتيب، لأن السرد يعتمد على الانزياحات المتكررة للحكي، ولهذا عند كل محطة في الحكي/السرد، نفقد اتجاه الحكي، عندما تشتغل الانزياحات، كأننا أمام صيغة الحكاية الشفهية التي يُغيرها جمهورها المتغيَر.
نلتقي بصيغة الضفيرة، أو الترابطي في النصوص القصصية التجريبية على الخصوص، ولهذا عندما نفكر في الأدب الرقمي باعتباره استمرارا وتطورا للكتابة الأدبية، فنحن نستحضر الكتابة التجريبية التي بدأنا نلمس فيها صعود هذه الرؤية الجديدة للأدب، والتي تنتقل بالقارئ إلى صنف الكتاب، لكن تحت دلالات جديدة لمفهوم الكاتب.
ألا تقترح علينا مثل هذه التركيبة النصية لكثير من النصوص الروائية والقصصية التفكير في منهج تكون له القدرة المعرفية على تدبير قراءة هذا النوع من الكتابة؟ ألا نحتاج إلى تبني منهج يكون في مستوى التفاعل مع التركيبة الترابطية للنص الأدبي؟.
كاتبة مغربية
زهور كرام