القاهرة ـ «القدس العربي» : رغم توالي الأحداث والأخبار المهمة عالميا وعربيا ومصريا، التي نشرتها صحف السبت والأحد، فلا يزال اهتمام الغالبية الشعبية مركزا على امتحانات الثانوية العامة، التي ستبدأ يوم السبت المقبل، والنشر المكثف في الصحف والإشارات في القنوات الفضائية عن البرامج والمسلسلات التي سيتم عرضها في شهر الصلوات والعبادات.
لدرجة أن زميلنا الناقد الفني في جريدة «الجمهورية» سمير الجمل، وهو ناصري له توجهات دينية رفع يديه للسماء ودعا يوم السبت قائلا في بابه «أكشن»:
– يارب بلغنا رمضان وامنحنا القدرة على تسلية صيامنا نهارا بسامية جمال وتحية كاريوكا وأن نحيي ليلنا مع غادة وعلا وحورية ونجلاء ودينا.
– يارب.. تعبنا طوال السنة من التسالي وإضاعة الوقت وجاء شهرك المبارك اللهم سلسلنا أمام الشاشات ويسر لنا سهرات الخيمات والتبتل إليك بالشيشات.
– يارب أنقذنا من أنفسنا من التفاهات والمؤامرات.
وتسلية الصيام في النهار بالفنانتين سامية جمال وتحية كاريوكا، إشارة إلى إعادة عرض الأفلام القديمة أبيض وأسود، التي لا تزال حتى الآن تحظى بنسب مشاهدة عالية، حتى بين الأطفال، خاصة أفلام إسماعيل ياسين رغم عرضها المستمر. أما بعد الإفطار فالمقصود بغادة عبد الرازق وعلا غانم وحورية فرغلي والراقصتين نجلا ودينا، المسلسلات التلفزيونية الجديدة وعلي العموم فهو دعاء مقبول من التلفزيون والقنوات الفضائية.
أما زميلنا الرسام في مجلة «آخر ساعة» محمد عمر فقد أشار إلى اهتمامات قريب له زاره واستمع إليه وهو يقول لزوجته:
– ح يبان في رمضان نصوم ونفطر ولا ح نصوم بس.
هذا رغم تأكيدات وزير التموين ورئيس الوزراء، وتعليمات الرئيس السيسي بتوفير السلع في رمضان في المجمعات الاستهلاكية، ومنافذ البيع لعدد من الوزارات بأسعار أقل من القطاع الخاص بالربع. أما عن حالة الكهرباء فهناك ثقة متزايدة لدى الحكومة بتحسنها، خاصة بعد نجاحها في مواجهة موجة الحر في الأيام الماضية التي ارتفعت فيها الحرارة إلى خمسة وأربعين درجة مئوية.
وتوسعت الصحف في أخبار افتتاح الرئيس أعمال التوسع والتطوير في الترسانة البحرية في الإسكندرية، وقام بتوجيه اتهام صريح وغير مباشر لنظامي السادات ومبارك، بالعمل على اتباع سياسة تخريب منشآت الدولة التي لها علاقة بالأمن الوطني وبيعها للأجانب، إذ قال بالنص عن ترسانة الإسكندرية: «كانت من ضمن المنشآت الحكومية المتعثرة حتى عام 2007، وفشلت الدولة وقتها في إنقاذها وعرضتها للبيع، لكن نظرا لدواعي الأمن القومي رفضنا أن تخرج الترسانة البحرية من سلطات الدولة وتقدمت القوات المسلحة لشرائها وإصلاحها لأنها منفذ على البحر ومكنش ينفع مؤسسة غير مؤسسة الدولة تشرف على الترسانة».
ومن المعروف تاريخيا أن الترسانة البحرية التي أنشأها عام 1827 محمد علي باشا لبناء أسطول حربي مصري قوي، تم تدميره عام 1840 في موقعة نفارين البحرية، بواسطة تحالف أساطيل بريطانيا وروسيا ضد الخلافة العثمانية، وتم تفكيك الترسانة إلى أن أعادها بشكل جزئي الخديوي إسماعيل، بشرط عدم بناء أي سفن حربية، وفي عام 1962 أنشأ خالد الذكر شركة الترسانة البحرية وتوسعت، وبعد تولي السادات بدأ سياسة تصفية القطاع العام، بإهماله وعدم تطويره، وأكملها مبارك. وفي عهد ابنه جمال ومجموعته، خاصة بداية من عام 2005 طالبوا علنا ووضعوا الخطط لا لبيع الترسانة البحرية فقط وإنما بيع قناة السويس وشركاتها، وجميع معامل تكرير البترول الأحد عشر، وشركات البترول الوطنية وصوامع الحبوب والسكك الحديدية وميناء الإسكندرية، ومن يعود للتقارير المنشورة في «القدس العربي» سيجد تفاصيل وافية عن كل ذلك، وتدخل الجيش والمخابرات الحربية والعامة لإحباط هذه الخطط بقدر الإمكان ومنها شراء الجيش للترسانة البحرية ولمصنع سيماف لعربات السكة الحديد.
المهم أنه بالإضافة إلى هجوم السيسي على نظامي السادات ومبارك، فإنه ركز على الفساد ومقاومته، كما فعل من قبل، خاصة بعد تزايد الانتقادات للنظام بأنه لا يقاومه، ومن بين اهتمامات الغالبية قضية «الفيديوالكليب» بعنوان «سيب أيدي» الذي قدمته رضا الفولي والذي قيل إن به مشاهد وكلمات خادشة للحياء، وللأسف لم أشاهده، رغم الحاجة لعجوز مريض مثلي للتسلية قبل التفرغ للعبادة والدعاء في شهر الصوم، ولم تلق الأحداث والأخبار والمعارك الاخري الساخنة اهتماما جماهيريا، لا «البلاك بلوك» وحرقها بعض الأماكن، ولا بيان علماء مسلمين من دول عدة بالدعوة لشن حرب ضد النظام، في ما سموه «بيان الكنانة»، ولا ما نشر عن الانقسامات بين الإخوان والقبض على محمد طه وهدان، أو ترحيل محمد صلاح الدين سلطان إلى أمريكا بعد تنازله عن الجنسية المصرية واحتفاظه بالأمريكية، وكان محكوما عليه بالسجن المؤبد، أو جلسة محاكمة المتهمين في مجزرة إستاد بورسعيد، والمعارك بين أنصار أحمد شفيق والسيسي، كل هذا وأكثر منه مما تثيره برامج «التوك شو» لم يعد يحرك أي اهتمام للأغلبية التي تصبر على النظام، انتظارا لحل ولو جانب من المشكلة الاقتصادية وتحريك السوق وامتصاص البطالة وفرض الأمن والقضاء على الإرهاب، وكل ما يقال وينشر عن مصر غير ذلك لا يوجد إلا لدى دوائر ضيقة من أمثالنا من الصحافيين والمثقفين والسياسيين من مختلف الاتجاهات. وإلى بعض مما عندنا….
معركة التسريبات
ونبدأ بمعركة تسريبات التسجيلات الهاتفية التي قدمها زميلنا وصديقنا عبد الرحيم علي رئيس مجلس إدارة وتحرير الموقع الإلكتروني وجريدة «البوابة» من قبل في «قناة القاهرة والناس» والآن في «قناة العاصمة» وتناولت محادثات بين رئيس حزب الوفد السيد البدوي وآخرين. وقد وجه زميلنا مجدي سرحان رئيس تحرير جريدة «الوفد» يوم الأربعاء بلاغا للنائب العام طالبه فيه بالتحقيق مع عبد الرحيم علي ومما قاله: «سيادة النائب العام أعترف عبد الرحيم علي بتحصله على التسجيلات من أشخاص يعلمهم ويتستر على شخصياتهم، ولا ينكر أنهم من ذوي الحيثيات والنفوذ حاليا، أو سابقا، ويصفهم «بأنهم رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه من حماية بلدهم»، وكلنا نعلم على من تطلق هذه الأوصاف ومن الذي يستخدمها في خطابه الرسمي والإعلامي.
ونتوقف في مقال عبد الرحيم علي عند نقاط ودلالات من عبارات كتبها نصا كما يلي:
– التسجيلات التي تتم إذاعتها حتى الآن، تم تسجيلها بين شهري يناير/كانون الثاني ومايو/أيار 2011؟
– لم تكن مصر في تلك الأيام لا دولة ولا شرطة ولا نيابة.
– في تلك الفترة كان في كل متر مربع من أرض مصر يقبع جهاز مخابرات أجنبي يعمل ضد مصر.
– كان هناك رجال حاولوا ألا يمرروا ما حدث، من دون تسجيله ليكون وثيقة لمصر وللمصريين.
– يقول عبد الرحيم علي: «أجلس بالساعات لأدقق وأسمع حتى أجد ما يستحق أن يسمعه الناس».
أما دلالة ذلك فهي أن الزميل حصل على تسجيلاته بأحد طريقين لا ثالث لهما، الأول هو أحد أجهزة المخابرات الأجنبية تلك التي يلمح إليها في مقاله. والثاني هو أحد عناصر جهاز أمن الدولة السابق الذي تم اقتحامه إبان الثورة ونهب مستنداته ومحتوياته سواء بواسطة من شاركوا في اقتحامه، أو بعض من ينتسبون إليه الذين اختفوا بعد ذلك وخرجوا من الخدمة ومعهم ما معهم من وثائق وأسرار، وهم هؤلاء الرجال الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، على حد وصف السيد علي، وفي كلتا الحالتين فإن الأمر يستوجب المحاكمة نظرا لاعتراف عبد الرحيم علي بجريمة التخابر مع جهات أجنبية تمده بالمستندات والتسجيلات، ممن كان يعلم بوجودهم في ميدان التحرير وغيره من ميادين الثورة، وهي التهمة نفسها التي وجهها هو نفسه للرئيس المعزول محمد مرسي، أو لتهمة الاشتراك في اقتحام مقر جهاز أمن الدولة السابق والاستيلاء على محتوياته، وهي جريمة اعتداء على منشأة عامة يخضع مرتكبها للمحاكمة أمام القضاء العسكري».
تجاوزات في الإعلام
واختراق القانون
وفي يوم الأربعاء نفسه شن رئيس التحرير التنفيذي لجريدة «البوابة» زميلنا محمد الباز هجوما ضد من قال إنهم يطالبون الرئيس السيسي بالتدخل لوقف إذاعة التسجيلات بالقول: «إذا أردتم أن يتدخل الرئيس لمنع إذاعة التسجيلات، وهو ما أعتقد جازما أنه لا يتورط فيه، فإننا ندعوه لأن يتدخل لمنع أي تجاوز في الإعلام أو اختراق للقانون، سندعوه لإيقاف برنامج إبراهيم عيسى الذي يهاجم مؤسسة الأزهر، لأن الدستور يحمي الأزهر كمؤسسة منحها حق متابعة والإشراف على الشؤون الدينية، سندعوه لمنع برنامج يوسف الحسيني، لأن الدستور يمنع الإساءة إلى رئيس دولة صديقة، وهو ما ارتكب في حق السعودية، ما يجعل منعه ضرورة قانونية ودستورية، سندعوه لإيقاف برنامج عمرو أديب، الذي يشن هجوما طاغيا على نظام الحكم ويقول، إن الناس غير راضية عما فعله السيسي، وهو من شأنه أن يثير قلاقل في البلاد في ظرف تاريخي تواجه البلاد فيه حربا ضد الإرهاب، وهو ما يجعل كلام عمرو أديب خطرا على الأمن القومي للبلاد. سندعوه لإيقاف برنامج ليليان داود لأنها وهبت نفسها حق الحديث عن انتهاكات الشرطة وتبالغ في الأمر، وتتبنى وجهة نظر واحدة، وهو ما يمثل تجاوزا في حق جهاز المفروض أنه يقوم بدور كبير ضد الإرهاب. سندعوه لإيقاف برنامج وائل الإبراشي الذي يحرص في كل حلقاته على أن يثير موضوعات تسبب فتنة اجتماعية من شأنها أن تكدر السلم الاجتماعي.
برعونة شديدة يقوم صبيان رجال الأعمال في الإعلام حاليا بنصب أكبر شرك للرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي لو تجاوب معهم، فإنه يفتح على نفسه بابا من الهجوم ليس في مصر فقط ولكن في العالم كله، باعتباره يعادى حرية الإعلام.
إننا أمام لوبي واضح المعالم والمصالح أيضا، يقف عاجزا أمام عملية تعريته وفضحه، لا يمتلك الشجاعة الكافية التي تمكنه من الاعتراف بأخطائه، فذهب يحرض، محاولا جعل الرئيس خصما للإعلام، في عملية استقواء واضحة به، من دون النظر إلى خطورة هذا الأمر على الرئيس وعلى الإعلام في آن، فلو فعلها الرئيس هذه المرة واستجاب لمن يحرضونه ضد الإعلام، فستكون هذه سابقة أولى، ستتبعها تدخلات أخرى، وساعتها لن ينجو أحد. الفيصل في التسجيلات التى تذاع الآن، أو في التسجيلات التى أذيعت قبل ذلك في قنوات ومواقع ونشرت عبر صحف، أنها لا تتعرض للحياة الخاصة للشخصيات العامة، وأعرف بحكم قربى من عبد الرحيم علي أنه ترفع بالفعل عن إذاعة مكالمات كثيرة فيها ما يمثل فضائح شخصية لشخصيات عامة، دفعه كثيرون إلى إذاعتها، لكنه رفض، فهو لا يسعى وراء الفضح، بقدر ما يعمل على الكشف والمواجهة».
عبد الرحيم علي: الرئيس
لن يتدخل في شؤون الإعلام
وفي اليوم التالي الخميس دخل عبد الرحيم علي المعركة بقوله في «البوابة»: «موقف الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي قدم نموذجا نهديه إلى كل من يدعي الليبرالية والديمقراطية، ويدعو إلى الفصل بين السلطات وحرية الرأي والتعبير، ولكنهم في الوقت نفسه وعند أول اختبار يحرضون الدولة على الإعلام. لقد كان موقف الرئيس ذي الخلفية العسكرية رائعا عندما أكد لكل من طلبوا منه التدخل لوقف إذاعة حلقات البرنامج، أنه لن يتدخل في شؤون الإعلام، لقد أعطى الرئيس النموذج والمثل، فهناك نيابة عامة وقضاء يستطيع أي متضرر من تلك التسريبات أن يذهب ليقدم بلاغا إليه، فتحققه الجهات المسؤولة بالطرق المتعارف عليها قانونا وتتصرف فيه وفقا للأوراق والمستندات والأدلة والقرائن المقدمة من الجانبين».
ماذا سيفعل شفيق عندما يعود؟
ومن «البوابة» إلى «الشروق» في يوم الخميس نفسه ورئيس تحريرها التنفيذي زميلنا وصديقنا عماد الدين حسين، الذي واصل التركيز على الإشارة إلى التسريبات التي تقوم بها الجريدة عن الاتصالات السرية التي قام بها رجل أعمال مصري ـ أمريكي جاء من أمريكا إلى القاهرة لمحاولة تشكيل تكتل انتخابي لتأييد الفريق أحمد شفيق. وفي البداية ترك عماد لزميلته الجميلة دينا عزت القيام بعملية التسريب، ثم دخل هو فيها للمساهمة بقدر فقال الخميس: «هل هناك خلاف بين الفريق أحمد شفيق وبين الدولة الجديدة في مصر؟ الإجابة هي نعم خلاف من نوع آخر مختلف تماما عن الخلاف بين النظام وجماعة الإخوان المسلمين، بل مع بعض الأحزاب المدنية الأخرى، أي كلام غير ذلك فهو للاستهلاك المحلي والعلاقات العامة ودفن الرؤوس في الرمال. شفيق تصور بداهة أنه يجب أن يعود لمصر عودة الظافرين المنتصرين، وينبغي استقباله كبطل، لكن ذلك تكسر على نصال الدعاوى القضائية التي طاردته. كان الرجل وهذا حقه الطبيعي يعتقد أنه مع نهاية الدعاوى القضائية سيعود لكن «شيطان التفاصيل» كان يظهر له كل مرة ويعطل العودة، وحتى هذه اللحظة فإن اسمه لا يزال موجودا على قوائم ترقب الوصول وليس معلوما بالضبط سبب هذا الإجراء. قبل ذلك بذل الحزب جهودا مكثفة لينهي أزمة عودة شفيق وتواصلوا مع بعض المسؤولين وطلبوا وساطات آخرين، قبل نحو شهر فاتحت شخصية مهمة أهل الحكم بإنهاء الأزمة لكنها تلقت إجابة خلاصتها، أن الموضوع في يد القضاء أولا، وأنهم غير متحمسين للملف. ثانيا الرسالة التي وصلت إلى الفريق وحزبه هي أن عودة الفريق غير مستحبة حتى تنتهي الانتخابات النيابية.
مصدر مطلع على تفاصيل القضية ومصنف كمحب للفريق شفيق قال لي، إن حقيقة الأزمة تكمن في أن شفيق لا يزال يتعامل مع الوضع المصري وكأنه مجمد عند اليوم الذي غادر فيه البلاد، إن نصف الشعب لا يزال معه، لكنه ينسى أن كل الذين انتخبوه ومعهم كثيرون قد انتخبوا السيسي وأعطوه من الشعبية ما لم يحصل عليه أحد من قبل ربما باستثناء عبد الناصر، الخلاصة سواء عاد شفيق بعد أسبوع أو شهر أو سنة فالقضية ليست متى بل ماذا سيفعل عندما يعود؟» .
النظام لا يقبل أن يتنافس
معه أحد على السلطة
وعلق على تسريبات «الشروق» في يوم الخميس نفسه في «الوطن» مستشارها وأستاذ الإعلام في جامعة القاهرة الدكتور محمود خليل قائلا: «السلطة لا تعرف «الهزار» تلك واحدة من الأفكار الجوهرية التي حملتها رسالة السيسي إلى شفيق وأعوانه، الذين قيل لهم بشكل صريح «اتلموا»، فهي لا تقبل أن يتنافس معها أحد على السلطة، رغم أنها وصلت إليها بـ«الانتخاب»، والانتخاب قائم على مفهوم المنافسة، ومن العجيب أن يصادر من في السلطة حق الآخرين في مصارعته عليها، سواء عبر آليات ديمقراطية أو عبر موجات ثورية شعبية كما حدث في 30 يونيو/حزيران.
ومن المضحك أن التقرير الذي نشرته «الشروق» حول رسالة «إنس يا شفيق»، ذكر أن الأجهزة، التي لم يسمها، رصدت اجتماعات لرجال المرشح الرئاسي السابق مع رجال أعمال ومسؤولين إماراتيين وسعوديين وأمريكان، بهدف زعزعة شرعية السيسي. والمضحك هنا أن هذا الاتهام بالتآمر هو الاتهام ذاته الذي وجه إلى ثوار يناير/كانون الثاني، وهو أيضا ما يحاكم في سياقه مرسي وجماعته بتهمة «التخابر» مع دول أجنبية مع اختلاف طفيف في تسمية الدول التي تتشكل منها خريطة التآمر. ؤتعال إلى السؤال الأخطر هل ثمة جهات من داخل الدولة تتساند مع هذا الطرف أو ذاك من أطراف الصراع؟ نحن أمام موضوع كبير وبصدد صراع ليس بالهين، وهو ليس مجرد صراع بين شخصين، بل صراع بين جهات تصطف عناصر من داخلها وراء كل منهما، وهو أمر ينذر بمخاطر كبرى على وطن بأكمله لكنه في التحليل الأخير يبدو حتميا».
أحمد عز العرب لشفيق:
أصارحك بأنك قد احترقت تماما
هذا ما كتبه محمود خليل، أما صديقنا رجل الأعمال وعضو الهيئة العليا لحزب الوفد وأحد رؤسائها الشرفيين أحمد عز العرب، فقد وجه رسالة يوم السبت في «الوفد» إلى الفريق شفيق باعتباره صديقا قديما له، عندما كان شفيق ملحقا عسكريا في العاصمة الإيطالية روما، وعز العرب مديرا لمكتب شركة مصر للطيران، عز العرب قال لشفيق: «أبعث إليك بأطيب تحية، وأقدم لك هذه النصيحة التي لم تطلبها، ولكنني أدين لك بها إكراما لحق الزمالة التي جمعتنا في روما ثلاث سنوات، عندما كنت أنت ملحقا عسكريا فيها، وكنت أنا مديرا لمصر للطيران بها، يحاول حلف الأفاعي المحيط بمصر في الداخل والخارج بكل أطيافه من المتأسلمين الإرهابيين وأدعياء اليسار وحقوق الإنسان، وكل من يتآمر على استقرار هذا البلد، يحاول هذا الحلف غير المقدس استخدامك لزعزعة استقرار مصر وإجهاض فرص تقدمها، فيزج باسمك كمرشح مقبل لرئاسة مصر، ولم تتخذ أنت موقفا حاسما لسحق هذه الشائعات المسمومة.
إسمح لي يا سيادة الفريق أن أصارحك بأنك قد احترقت تماما، عندما صرحت بأن مثلك الأعلى في الحياة هو الرئيس الأسبق المعزول مبارك، الذي اتسم حكمه الذي طال ثلاثين عاما بالاستسلام الكامل لمطالب الاستعمار الأمريكي ومخلبه الإسرائيلي، والذي حشد حوله جوقة من المنتفعين نهبت موارد هذا البلد وأفقرته سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، تزعمها ولداه. وأحرقت البقية الباقية إن كانت هناك بقية من رصيدك الشعبي، عندما صرحت خلال ثورة يناير/كانون الثاني المجيدة، في استخفاف وسخرية بأن ما يحدث هو مجرد فوضى وأنك لو توليت الأمر فستجمد هذا العبث خلال 24 ساعة، وكل تصريحاتك خلال تلك الفترة مسجلة والشعب لا ينسى يا سيدي لذلك يستحيل على الشعب أن يراك أمينا على ثورتين».
بعض إعلاميي الفضائيات
يحصلون على الملايين شهريا
ومن تسريبات «الشروق» وشفيق والمعركة الدائرة، إلى استمرار الخلافات والمعارك حول الرئيس السيسي معه أو ضده، أو تقديم النصح له أو التحذيرات وبدأها في «أهرام» الاثنين الماضي زميلنا في «الأهرام» أشرف أبو الهول بقوله: «يبدو أننا نعيش هذه الأيام موسم ابتزاز الرئيس عبد الفتاح السيسي، وللأسف فإن من يقوم بهذا الابتزاز الرخيص هو بعض الفضائيات الخاصة التي تعاني من أزمات مالية طاحنة، بالاتفاق مع سياسيين فاشلين ورجال أعمال فاسدين يستغلون جميعا قرب مرور عام على وصول السيسي للرئاسة بعد انتخابات شهد العالم أجمع بنزاهتها، ويحاولون الترويج بأنه لم يحدث أي تقدم على أي مستوى في البلد خلال هذا العام، وبالتالي فالأمر يتشابه مع ما حدث مع الرئيس المعزول محمد مرسي، الذي أطاح به الشعب في الثلاثين من يونيو/حزيران 2013. تلك الفضائيات تهدف إلى ابتزاز السيسي لأنها تعاني من أزمات مالية طاحنة ناجمة عن توقف معظم التمـــــويل الخارجي المشبوه لها، وسوء إدارتها، فبعضها توسع وأنشأ العديد من القنوات الجديدة، ما أدى إلى استنزاف موارده، ناهيك عن تراجع حصيلتها من الإعلانات، نتيجة لازدياد أعداد القنوات والصحف التي تتصارع على الكعكة المحدودة، ولكن السبب الرئيسي في الخسائر الفادحة للفضائيات يتمثل في بعض الإعلاميين العاملين فيها ممن يحصلون على الملايين شهريا، بينما يحــــصل زمــــلاؤهم على الفتات، ولأن هؤلاء يريدون مواصلة الحصول على تلك المبالغ فإنهم يبتزون الدولة لكي تدعمهم وتتغاضى عن ديونهم».
علاء الغطريفي ينصح
السيسي بالإبتعاد عن الفردية
وإذا تركنا «الأهرام» إلى «الوطن» في يوم الاثنين ذاته، نجد زميلنا علاء الغطريفي يقدم النصائح التالية للسيسي:
– التخلص من الفردية في إدارة البلاد والعباد.
– الالتزام بإجراء الانتخابات البرلمانية قبل نهاية العام.
– الاستقالة الفعلية من الماضي بعيدا عن الخطابات التلفزيونية وارتجالات «المايك».
– إعادة إنتاج النخبة الحاكمة وإنهاء أسطورة الطبقة العازلة التي تكونت في شهور.
– تجنب الوقوع في فخ «المشروع الواحد»، فالمصريون سيسألون بعد افتتاح قناة السويس الجديدة: أعيدوا إلينا ما دفعناه ماذا بعد؟
– المساواة بين الفقراء والأغنياء في دفع فاتورة الإصلاحات الهيكلية للاقتصاد «الدعم وخلافه».
– تجنب الإفراط في الوعود والالتزام بالواقع مع التمسك بالطموح والخيال.
– إجراءات فورية فعلية لإرساء دولة العدل والقانون «تطهير الشرطة واجب».
– تطبيق الالتزامات التي وضعها الدستور بما فيها الخاصة برأس الدولة «إقرار الذمة المالية مثالا».
– إعلان خطة للرأي العام واضحة المعالم للقضاء على الإرهاب، لا تتناول البعد الأمني فقط بل كافة الأبعاد مع مصارحة ومكاشفة عن الفترة الماضية.
– إعلان التزامات واضحة من الدولة أمام الرأي العام بحماية ثروات المصريين بعد «سيول التسهيلات الحكومية» للشركات والمستثمرين الأجانب على الأراضي المصرية.
– سرعة إصدار تشريعات تحمي المجتمع والإعلام معا من سطوة رأس المال والأجندات وضبط المهنة ومنع تملك أي وسائل إعلام لغير المصريين.
– القضاء على الاحتكارات «الحديد مثالا» التي تمص دم الشعب رغم انخفاض الأسعار العالمية لتلك المنتجات.
– التخلي عن كافة السياسات الاقتصادية التي أفقرتنا، فجميعنا يرى جمال مبارك يسير في طرقات المجموعة الاقتصادية وعلى أكتاف رجالها.
الأسعار… «نار يا حبيبي نار»
وبعد يومين مما قاله علاء قال زميلنا وصديقنا الساخر في مجلة «روز اليوسف» عاصم حنفي في مقاله يوم الأربعاء الماضي في «المصري اليوم»: «الأصول أن رئيس الجمهورية لا يقف على الحياد بين الشعب والتجار، خصوصا أن الأسعار نار يا حبيبي نار، ورمضان يدق الأبواب والكابتن محلب يلاعبنا ويتسلي بنا، ووزير التموين يعلن بصريح العبارة أن التسعيرة الجبرية مخالفة للدستور وزمان زمان أقال جمال عبد الناصر زكريا محيي الدين لأنه رفع سعر الأرز من ثلاثة لأربعة قروش للكيلوغرام الواحد، بما يضر بأحوال الغلابة. عبد الناصر كان منحازا بامتياز ولم يقف على الحياد أبدا فأقام المجمعات الاستهلاكية ليوفر السلع ويضبط الأسعار. صحيح أن المجمعات عانت من الطوابير والزحام، لكن أسعار السلع كانت في متناول الجميع ومات عبد الناصر وكيلو اللحم لم يرتفع عن ثمانية وستين قرشا، والسادات مات بعده بعشر سنوات وقد قفز اللحم إلى ستة جنيهات، ومبارك غادر القصر الرئاسي وقد صارت اللحمة من السلع الاستفزازية، وارتفع ثمنها إلى ستين جنيها، والآن اللحم يباع لدى الجزار في الأحياء الشعبية بمئة جنيه للبتلو».
لماذا لا يتخذ السيسي قرارات كبيرة؟
أما زميلنا وصديقنا رئيس تحرير جريدة «المقال» اليومية المستقلة إبراهيم عيسى فنصح السيسي بالآتي: «نحن نحتاج من الرئيس السيسي اليوم قبل غد إلى القرارات الكبيرة، نعم مر عام الرئيس الأول، بهذا القرار الكبير الرائع، وهو حفر فرع جديد لقناة السويس أصاب قلوب المصريين بالفرحة والفخر، وأحدث توهجا كبيرا للأمل، غير ذلك فإن قرارات الرئيس المهمة كلها كانت مجرد قرارات مهمة لا أبعد ولا أعمق من ذلك الذي نحتاجه من رئيس يتمتع بهذا القدر الهائل من الشعبية ومحاط بهذا السيل الجارف من الحب، أن يتشجع لا أن يتردد في اتخاذ القرارات الكبيرة، قرارات تحول البلد من حال إلى حال من مرحلة إلى مرحلة. ما الذي يخشاه الرئيس بالضبط؟ أم أن الرئيس لا يريد تلك القرارات؟ أم أنه يعتقد أنه اتخذها فعلا، أو أن البلد لا تحتاجها حقا؟ دعنا نضع تعريفا للقرارات الكبيرة، هي القرارات التي تؤسس لوضع جديد مختلف عن سابقه بشكل جذري «بعيدا عن قرارات الحرب والسلم»، مثلا قانون الإصلاح الزراعي في عهد جمال عبد الناصر، حل الأحزاب، التأميم، إنشاء قصور الثقافة، إنشاء الساحات الشعبية، بعد ذلك ستصبح مراكز شباب، عدم الانحياز، منح المرأة حق التصويت والترشح. هذه عينة من قرارات كبيرة جدا ومغيرة للأوضاع ومؤسسة لمواضع جديدة في المجتمع، بصرف النظر أحببت هذا أو كرهته كانت إيجابية، أم أنها صارت سلبية أثبت المستقبل صحتها أو خطأها، هذا ليس مربط الفرس مربطه أنها قرارات أسست لبلد ولشعب في مرحلته الجديدة. عند الرئيس السادات هناك قرارات مؤسسة حقيقية أيضا، التخلص من رجال الحكم المنافسين «أطلق عليهم تعبير مراكز القوى»، الانحياز للسياسة الأمريكية والانقلاب على الروس، إطلاق الإخوان والجماعات الإسلامية في المجال العام، الانفتاح الاقتصادي إعادة الأحزاب. مرة أخرى ليس مهما هنا أنها قرارات موضع إعجاب أو رفض، ولكنها محل اعتراف كامل بأنها أسست لبلد مختلف ولعهد جديد. هل لدى الرئيس السيسي إيمان بالقرارات الكبيرة؟ هذا سؤال مهم للغاية سبق وقلت إن الرئيس يملك روح القناص، القناص صبور ومتأمل متمهل ويأخذ وقته جيدا، ولا يتعجل الفعل، فضلا عن أن ركيزة تصرفه يكمن في أنه رد فعل حركة خصمه أو عدوه، أظن لو كان هذا التشبيه دقيقا وأتصوره، فهو يفسر لماذا لم يتخذ الرئيس السيسي قرارات كبيرة».
ثورة يناير شهدت ظهور أحزاب
تمتلك القدرة على التطور والبقاء
لذا قال زميلنا أشرف البربري في «الشروق» يوم الخميس عن نغمة أنه لا توجد أحزاب حقيقية في مصر: «هل يعجز حزب الوفد عن تشكيل حكومة من بين أعضائه تضم خمسة لواءات سابقين وعشرة أساتذة جامعة وثلاثة من رؤساء الشركات العامة وخمسة من رجال الأعمال؟ وهل يعجز حزب الحركة الوطنية، أو حتى حزب النور وحزب مصر القوية؟ لا أظن هذا فهذا الخليط، الذي تعاقب على حكم مصر منذ 1952، ولم يحقق في أغلب الأحيان أي نجاحات ملموسة باستثناء سنوات حكم الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، متاح للكثير من الأحزاب القائمة وربما بقدر أعلى قليلا من الكفاءة.
استمرار نغمة أن مصر بلا أحزاب وأن الموجود فيها مجرد كيانات ضعيفة كلمة حق يراد بها باطل، فالأحزاب لا تنشأ أو تنمو في ظل الاستبداد والسعي إلى الانفراد بالسلطة، وتهميش كل القوى السياسية، وإنما تقوى وتتطور عندما تتوافر لها البيئة الملائمة.
يناير/كانون الثاني شهدت ظهور أحزاب تمتلك القدرة على التطور والبقاء والمنافسة وبمرجعيات مختلفة، بدءا من حزب النور وصولا إلى المصريين الأحرار مرورا بالحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي ومصر القوية والتحالف الشعبي الاشتراكي .. ببساطة شديدة أحزاب مصر مثل رئيسها وحكوماتها وقضائها وإعلامها وشرطتها وجيشها بكل مزاياها ونواقصها، ورجال الأحزاب لا يقلون عن رجال الحكم شيئا، وربما يزيدون عنهم، لأنهم ببساطة هم الذين اختاروا لأنفسهم ممارسة العمل العام، في حين وصل حكامنا إلى السلطة بالدفع الذاتي وبحكم انتمائهم إلى مؤسسات القوة في البلاد».
حسنين كروم