كان ينقص رواية المسرحية اللبنانية نضال الأشقر للقائها بالرئيس الراحل حافظ الأسد أن تختم عبارتها بالقول «حكمتَ فعدلت فأمنت فنمت»! وصفتْ الأشقر لبرنامج «المشهد» مع جيزيل خوري ذلك اللقاء فبسّطت صورة المكان إلى حد القول «لا قصر ولا شي، بيت عادي».
وفي المقابل أسهبت في وصف الإجراءات المعقدة (المشهدية حسب وصف جيزيل) لأخذها من مكان إقامتها إلى قصر صدام حسين الفسيح. لكنها في الحالين لم تنف إعجابها بالرجلين، وصفت وسامة صدام وأناقته، وترحيبه بها بالطبع، ولم تكن طريقة الرواية تشير إلى ذكرى لقاء مبدع بهذه الحساسية مع مجرم، كذلك وصفت الأسد بالقول إنه «أكثر الشخصيات تميزاً، رجل راق، ومطلع على التاريخ».
في الروايتين لم يكن هناك ما يستحق الروي. كل الفحوى كانت في رغبة الأشقر بأن تروي إعجاب الآخرين بها، من الرئيس حافظ الأسد الذي قال لها صراحة، على ما روت «أنا معجب بك»، إلى الخوري الذي انحنى أمامها على باب الكنيسة قائلاً «أهلاً زنوبيا».
مقابلة النصف ساعة على ال «بي بي سي» ليست سوى هاتين الروايتين، بالإضافة إلى حكاية منع مسرحية «كارت بلانش» في بيروت في ستينيات القرن المنصرم، ليست حكاية المنع تماماً، بل كيف أحرجت معالي وزير الإعلام الذي رافقها إلى حفل في بيت عمها بحكاية المنع.
«أنا أوقات بحكي مثل عمتي»، لعلها الجملة الأصدق فيما قالته نضال الأشقر، ففي كل ما روت لا شيء سوى ذلك، إذ راحت تحكي تفاصيل الكلام العابر من قبيل «شلونك وشلون أمك» التي قالها صدام لضيفة طفلة مع أبيها. أو من قبيل «قال لي الوزير «شوفي ست نضال»، كانوا يستتوني أنا وصغيرة». فهل هذا هو مجد السيدة المسرحية اللبنانية؟! أن الوزير بجلالة قدره كان يناديها كذلك! ليس هذا ما ينتظره المرء من مقابلة مع مبدع له هذه الشهرة، وله هذا التاريخ في المسرح والفن والسياسة. وهذه ليس مسؤولية الأشقر بقدر ما هي مسؤلية المذيعة،
فقد باتت من الشهرة بحيث لا تكلف نفسها عناء تحضير وإعداد جيد لمقابلاتها.
هناك دأبها فقط أن توضح قبيل سؤالها عن مقابلة صدام حسين «له صورة المجرم، صحيح أم غير صحيح، ليس علينا نحن أن نقول». إنها الموضوعية الزائفة والمجانية، أساساً، ليس هناك من داع كي تقدمي لسؤالك بأن له صورة مجرم، كي تضطري بعد ذلك لإظهار موضوعيتك.
واضح أن ليس الأشقر وحدها من كانت تتحدث كعمّتها. مؤسف حين تتحول المحطات المحترمة إلى مجرد أحاديث العمّات.
أكذوبة «لبنان الحريات»
حسب المذيعة اللبنانية ديمة صادق فإن «حزب الله» ادعى عليها بتهمة القدح والذم، بعد حلقة في برنامج «نهاركم سعيد» على قناة «ال بي سي» اللبنانية. الحلقة كانت حواراً مع أحد أبرز المحللين المدافعين عن الحزب والنظام السوري، أما أسئلة المذيعة صادق، وقد تعرضت من قبل لحملات هجومية بسبب جرأتها في طرح آرائها، فكانت بخصوص ملف مخدرات «الكبتاغون»، وبالطبع كان للضيف كل الحق في الدفاع عن الحزب.
لبنان الحريات يضيق اليوم بمجرد أسئلة، ديمة صادق قادرة بمجرد إلقاء أسئلة أن تهز أسطورة «بلد الحريات» من أساسها. لكن إذا كانت مجرد أسئلة قادرة أن تهز أركان الحزب على هذا النحو، إلام ستؤدي الأجوبة؟
جذر أحلامنا
عما قليل سيصل فيديو فتاة عراقية تخبز خبز الصاج إلى المليون مشاهدة. نصف دقيقة فقط جمعت هذا الرقم على يوتيوب المكتظ بملايين الفيديوهات. يحار المرء كيف يفسر هذا الاهتمام الكبير لفيديو غير متقن التصوير إطلاقاً، أو لعلّه لذلك بالذات بدا كأنه مسروق من لحظة واقعية من حياتنا.
مشهد خَبْزٍ في ظل جدار حديث البناء، على أرض تبدو ترابية، وشابة ترتدي فستاناً أحمر طويلاً وملموماً بطريقة ريفية، يفلت جانب من شعرها فتلمّه، وتعود إلى رغيف الخبز تلوّحه بين يديها ثم تضعه على نار الصاج. إلى جانبها امرأة تعجن، وفي العمق طفلة بالباب.
ثلاثون ثانية لم تكن تحظى بهذا الاهتمام لولا النار التي تأكل بلادنا، النار التي دمرت وهجرت الناس وجعلتهم هكذا بلا أمل. ثلاثون ثانية تبدو وكأنها جذر كل أحلامنا: امرأة شابة وجميلة تخبز على الصاج فوق التراب العاري في ذلك الريف البعيد.
وراء الوزير في كل مكان
اللبناني اليوناني ميشال ألفترياديس، وهو خلطة من كاتب وملحن وناشط وسياسي، يلاحق وزير البيئة اللبناني محمد المشنوق حيث يقضي إجازة في فلورنسا في إيطاليا. حتى الساعة نشر شريطي فيديو له يسأل الناس في الشوارع إن كانوا رأوا الوزير المشنوق عارضاً صورته عليهم.
حملة غير لائقة، فيها يتحول الرجل، الذي يسمي نفسه بالامبراطور، إلى ما يشبه الباباراتزي، أي المصورين الذين يلاحقون المشاهير في حياتهم الخاصة. الامبراطور كلف نفسه عناء كل هذه الرحلة كي يقض مضاجع المشنوق في إجازته، ربما كان أجدى بقاؤه في لبنان مع حملة أذكى، وأقل كلفة.
كاتب من فلسطين يقيم في فرنسا
راشد عيسى