نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي يعيد إحياء النموذج الاقتصادي الفاشل لنظام مبارك

حجم الخط
1

القاهرة ـ «القدس العربي» على الرغم من نشر الصحف الصادرة يومي السبت والأحد الكثير من الأخبار والموضوعات السياسية المهمة، إلا أنها لم تفلح في اجتذاب اهتمامات الأغلبية بعيدا عن القضايا والهموم الداخلية، فلا تزال الأغلبية تركز اهتماماتها على امتحانات طلبة الجامعات، وما سيعقبها من امتحانات الثانوية العامة، وهي مشكلة كل بيت في مصر كل سنة، لدرجة أن غالبية الصحف تنشر من مدة نماذج لأسئلة وأجوبة المواد التي سيمتحن فيها الطلبة وهو ما تفعله كل عام لزيادة التوزيع، إضافة إلى تركيز الاهتمام على توافر السلع الغذائية، خاصة الخضراوات واللحوم في شهر رمضان في المجمعات الاستهلاكية الحكومية والمراكز التي ستقيمها هي والجيش لبيعها بأسعار معقولة، وضمان عدم انقطاع الكهرباء، حتى لا تثير الحكومة غضب الناس الحقيقي من عدم متابعة برامج ومسلسلات التلفزيون وقضاء السهرات.
ومن الأخبار والموضوعات التي تجتذب اهتمامات الأغلبية، أنباء توفير الحكومة دواء سوفالدي، لتنفيذ خطتها للقضاء نهائيا على مرض «فيروس سي الكبدي»، الذي يضرب أكباد ستة عشر مليونا، ويصيب كل عام مئة وخمسين ألفا، وكذلك استمرار رئيس الوزراء في تسليم دفعات من الشقق التي يتم الانتهاء من بنائها، في إطار خطة بناء مليون وحدة سكنية، ثم تسليم أكثر من مئة وسبعين ألف وحدة منها، والاستعدادات مستمرة لرفع العدد إلى ربع مليون وحدة بعد شهر، كما تم الاتفاق مع شكرنا للسعودية على تنفيذ مشروع سكني بتكلفة ثلاثين مليون جنيه بمشاركة مع وزارة الإسكان، وهذه النوعية من المشروعات تجتذب الاهتمامات أيضا، لان بناء العقارات يجتذب أعدادا كبيرة من الأيدي العاملة، وتحرك نشاط ما لا يقل عن تسعين صناعة.
هذه أهم الموضوعات التي لا تزال وستظل تجتذب اهتمامات الغالبية، التي ضاقت ذرعا بالأخبار والمعارك السياسية وكل ما يتصل بها، لدرجة أن الكثيرين صدموا من عدم اهتمام الأغلبية بالضجة حول أحكام الإعدام ضد الإخوان، وما أثارته من ردود أفعال، ولا العمليات الإرهابية ورد الشرطة والجيش عليها، وإن كان هناك خطر على النظام من هذه الأغلبية، إذا لم يضع حدا لهذه الأعمال، وحتى الضجة التي ثارت حول أبو تريكة والخطاب الديني ودعوات إيناس الدغيدي للسماح، والعياذ بالله، بفتح بيوت الدعارة والممارسة الجنسية قبل الزواج، على سبيل التجربة وفك الأزمة، وما ينشر عن الإلحاد والشيعة لم يعد ذلك مثيرا للاهتمام الآن .
بينما أبرزت الصحف كلمة الرئيس السيسي في المنتدى الاقتصادي العالمي في الأردن، رغم أن أبرز ما قام به الرئيس كان مقابلاته مع مسؤولين عراقيين مثل مسعود بارزاني رئيس إقليم كردستان وإياد علاوي نائب الرئيس العراقي وسليم الجبوري رئيس البرلمان، وهو ما يعكس استمرار اهتمام مصر بالأوضاع في العراق وعملها على الوجود هناك. كما أبرزت الصحف الحوادث المؤسفة عن عمليات إرهابية نظمها تنظيم «داعش» في مسجد لأشقائنا الشيعة في القطيف في السعودية، ومسجد آخر في صنعاء لأشقائنا من الحوثيين، وهم يمنيون أولا وأخيرا. كما اهتمت الصحف باجتماع رؤساء أركان حرب الجيوش العربية لبحث تشكيل القوة العربية الموحدة، ورغم بدء محكمة الجنايات محاكمة الرئيس الأسبق محمد مرسي، بالإضافة إلى أربعة وعشرين آخرين في قضية إهانتهم للقضاء وما أثارته المحاكمة من إثارة وطرافة شديدة، لأنها جمعت بين متهمين إخوان وأعدائهم في تهمة واحدة، إلا أنها لم تثر الاهتمام الكافي.
أما التسجيلات لرئيس حزب الوفد السيد البدوي، التي يذيعها زميلنا وصديقنا عبد الرحيم علي رئيس مجلس إدارة وتحرير صحيفة وموقع «البوابة» في برنامجه «الصندوق الأسود» على قناة العاصمة، والتي أثارت في وقتها الكثير من اللغط، فان الأهتمام بها يكاد يتلاشى، رغم حالة الخوف التي أحدثتها التسجيلات.
وإلى بعض مما عندنا….

عبد الناصر انحاز للفقراء

ونبدأ تقرير اليوم بأبرز المعارك والردود وستكون من «الأهرام» يوم الأحد قبل الماضي من الندوة التي نظمتها عن الخطاب الديني وشارك فيها عدد من المفكرين والكتاب وأدارها زميلنا أشرف عبد المنعم وجاء فيها: «البداية هذه المرة جاءت على لسان الدكتور قدري حفني أستاذ علم النفس السياسي في جامعة عين شمس، ما حدث في 52 ثورة غيرت المجتمع ذاتها، ولكن الذي حدث هو أن عبد الناصر انحاز للفقراء وهذا صحيح، وأراد لمصر أن تتقدم وأن تصبح دولة صناعية قوية متقدمة، ولكن في ما يبدو لأنه نشأ بين الناس ونشأ في ظل هذه الثقافة، مقتنعا كان أو غير مقتنع بها، كان لابد حين يتناقض مع الإخوان المسلمين أن يقول إنني مسلم أفضل منكم، ولست أنادي بتجديد يختلف مع ما تقولون به. عبد الناصر لم يجد بأسا لأنه يريد أن يعلم ابنته في معزل عن الذكور، أن يفعل ليس في جامعة الأزهر فحسب، وإنما في كلية البنات. ولم يجد بأسا في أن يتحدث عن الشعوب الإسلامية ودائرة الاهتمام الإسلامي، فهذا يحسب عليه، لسنا في مجال المحاكمة ولكن هناك قوى استثمرت ذلك وضغطت في اتجاه التمييز الديني.
وقال رجائي عطية المحامي والمفكر الإسلامي وعضو مجمع البحوث الإسلامية الذي شارك في الندوة معترضا: أنا أختلف على أن التغييرات المجتمعية التي أدت إلى هذا مرتبطة بعام 1952، لا فسوف أثبت أنها منذ القرن الأول للهجرة هذه التغييرات تراكمات بدأت حقيقية منذ القرن الأول للهجرة».

تحالفات عبد الناصر مع الدول
لم تقم على أساس ديني

وفي حقيقة الأمر فإن الدكتور قدري حفني يعيدنا مرة أخرى إلى القضية التي أنبه إليها مرارا، وهي أن بعض المثقفين والكتاب، وهم على درجة عالية جدا من الثقافة، للأسف معلوماتهم وقراءاتهم للأحداث عن فترات تاريخية قريبة ومعلوماتها متاحة للجمـــيع، لأنها منشورة ومعلنة في الصحف، أي ليست مخبأة في وثائق محظور نشرها، أقول معلوماتهم ناقصة، وهذا أخف وصف استخدمه، فالدكتور قدري وهو من هو في مجاله يقوم بتحليل مواقف يستند فيها إلى معلومات غير حقيقية بالمرة، فحين يرجع سبب تطرف الخطاب الديني إلى خالد الذكر، بأن سببه إما نشأته أو صراعه مع الإخوان المسلمين، ويقول عبارة أنا مسلم أفضل منكم وليس أنا أنادي بتجديد يختلف مع ما تقولون، فإن عبد الناصر لم يرد على لسانه حكاية الخطاب الديني أو تجديده، وما نشر على لسانه أو في المعارك التي دارت على صفحات الصحف، لم يختلف في جوهره وعباراته عما دار من معارك عام 1948 عند اغتيال القاضي أحمد الخازندار عام 1948، وحل الجماعة ثم اغتيال رئيس الوزراء محمود فهمي النقراشي وما تبعه من الرد باغتيال حسن البنا، بل قبل هذه الأحداث وحتى بعد اكتشاف سيد قطب عام 1965، وما نشر لم ترد أبدا حكاية تجديد الخطاب الديني هذه قضية لم تكن مطروحة لا قبل ثورة يوليو/تموز سنة 1952 في العهد الملكي ولا بعدها.
المطروح كان تطوير الأزهر والدراسة فيه وعدم خلط الدين بالسياسة واستغلاله، أما عبارة أنا مسلم أفضل منكم فلا أعرف ما هي المشكلة فيها أو دلالاتها، حين يرد على اتهامات له بأنه كافر ويحارب الإسلام عندما طبق الاشتراكية، وهي عبارة كان يقولها بكلمات متعددة قبله الزعيم خالد الذكر مصطفى النحاس باشا زعيم حزب الوفد، ردا على من كانوا يتهمونه بمحاربة الخلافة الإسلامية، ورفضه استخدام الدين في السياسة، وكانت غالبية المصريين تعتقد أن النحاس رجل مبروك ومن الأولياء، بسبب شدة تدينه. والمعلومات نفسها عن أنه كان السبب في فصل الذكور عن الإناث في المدارس والجامعات، وهي للأسف وقائع غير حقيقية وعكسها هو الصحيح، ذلك أن الفصل كان معمولا به بعد المرحلة الابتدائية قبل ثورة يوليو ومعمولا به في الجامعات فقط، وكانت تخصص أماكن خاصة للسيدات في الترام والأتوبيسات وكان ممنوعا في العهد الليبرالي على المرأة حق التصويت في الانتخابات والترشح لها. وبعد ثورة يوليو 1952 تم لأول مرة منحها حق التصويت والترشح في انتخابات عام 1957، وتعيين أول امرأة في منصب الوزير وهي المرحومة الدكتورة حكمت أبو زيد وزيرة الشؤون الاجتماعية، والتوظيف الهائل للنساء والفتيات في الوظائف في الحكومة والقطاع العام، اعتمادا على مبدأ المساواة وطرحت للمناقشة قضية التعليم المختلط في المرحلتين الإعدادية والثانوية، ولقي معارضة عنيفة جدا من الأغلبية، إلى أن تم العمل به في المدارس الخاصة فقط لا الحكومية، فمن أين جاء الدكتور قدري حفني بمعلوماته تلك. أما حكاية الشعوب الإسلامية والاقتراب منها فلم تكن جديدة بالمرة وما تغافل عنه أن يذكر أن تحالفات خالد الذكر مع الدول لم تكن على أساس ديني، بدليل أنها كانت مع الهند ضد باكستان، لارتباط الأخيرة بأمريكا والأحلاف العسكرية الأوروبية، وباليونان ضد تركيا للأسباب نفسها، وهي السياسة ذاتها التي كان يسير عليها حزب الوفد. أما حكاية كلية البنات وغيرها فما دخله في سياسات الأزهر وجامعته. الحقيقة أنني أشير باستمرار للأخطاء المعيبة التي يقع فيها كثير من كبار الكتاب والمثقفين عندما يوردون وقائع سياسية لم يقرأوا عنها شيئا ويبنون عليها نتائج سياسية يفسرون بها أوضاعا حالية».

حرمان أبناء السواعد
التي تبني وتنتج الخير لمصر وشعبها

وإلى معركة ثانية من «الأهرام» أيضا يوم الاثنين لرئيس مجلس إدارتها المفكر الاقتصادي زميلنا أحمد السيد النجار وقوله عما يحدث في مصر هي أمه وأمي:
« في سياق الصور السلبية التي لابد لمصر من إنهائها باعتبارها علامة رديئة على التمييز الطبقي، تأتي صورة المتفوقين من أبناء العمال والفلاحين المحرومين من دخول النيابة، لمجرد أنهم أبناء السواعد التي تبني وتفلح الأرض وتنتج الخير لمصر وشعبها. إن حرمان هذا النبت المكافح في أرض مبتلاة بالحشائش السامة للواسطة والمحسوبية منذ سنوات طويلة، يغلق بوابات المستقبل أمام بعضٍ من أنجب خريجي كليات الحقوق.
وإذا كان الأمر يتعلق بالمنتمين للجماعة الإرهابية والمتورطين في أنشطتها العنيفة، فإنه تم استبعادهم بالفعل، ولا علاقة للمجموعة الباقية التي لم يتم تسليمها عملها في النيابة بعد صدور قرار مجلس القضاء الأعلى بتعيينهم في 24/6/ 2013 بهذا الأمر. والأمر الحاسم في هذا الشأن هو تقارير أجهزة الدولة التي من المفترض أن تقوم بدورها بصورة نزيهة وعادلة بشأن علاقة أي من هؤلاء الخريجين المتفوقين بالعنف والتطرف، الذي يوجب استبعاده بدون أي تردد.
وما عدا ذلك من أمور مثل الانتماء الطبقي أو تعليم الأبوين، فإنه ضد قواعد الحق والعدل. وإذا كان وزير العدل المستقيل قد صرح بأن أبناء عمال النظافة لا يحق لهم دخول السلك القضائي فإنه في الحقيقة لم يكن يغرد في هذا السياق وحده، بل هو كان أكثر استقامة في التعبير عن روح التمييز الطبقى الرديء الذي يكتنف الكثير من العاملين في هذا القطاع بلا أي مبرر منطقي أو أخلاقي أو علمي. إن أي دولة تبنى على مثل هذه القيم التمييزية الرديئة تحرم نفسها من روافد للتطور والإبداع والإنجاز بحرمانها نفسها من المتفوقين من أبنائها، وتعيين الفاشلين والأقل تفوقا من أبناء الطبقة العليا أو ابناء العاملين في القطاع المعني في محسوبية فجة ومدمرة لكفاءة أجهزة الدولة. ويكفى أن نذكر للعنصريين الذين لا يحترمون حقوق ابناء العمال والفلاحين أن انعدام الحس بالعدل والحق وعدم احترام القانون موجودة في كل الطبقات والمهن، فرئيس إحدى النيابات وشقيقه تورطا في تجارة الآثار، وغيرهما كثيرون تورطوا في كل أنواع الجرائم. والرئيس المخلوع وأبناؤه، وهم بالضرورة من الطبقة العليا، تورطوا وفقا للحكم القضائي بحقهم في عملية سطو على المال العام، بما يعني أن الإجرام لا يعرف طبقة دون غيرها، ولأن الموضوع في يد الرئيس الآن، وهو من بيده إنفاذ الحق، فإنني آمل أن يطلب التقارير الخاصة بموقف هؤلاء المتفوقين من خريجي كليات الحقوق من قضايا التطرف والعنف، ومن لم يثبت بحقه أي انتماء لمجموعات متطرفة أو عنيفة، فإن الإنصاف يقتضي إنفاذ قرار تعيينهم الذي أصدره مجلس القضاء الأعلى عام 2013، لأن الموقف المضمر بعدم تعيينهم لأنهم أبناء فلاحين أو عمال، هو سبة وعار، كنا نحسب أنه انتهى منذ قام الزعيم الراحل جمال عبد الناصر بتعيين ابن الفلاح المتفوق في النيابة العامة، رغم عدم موافقة مجلس القضاء الأعلى آنذاك. وكلي أمل أن يصدر قرار ينتصر للحق والعدل والدستور الذي شارك العمال والفلاحون وأبناؤهم في إقراره والذي ينص على إتاحة الوظائف العامة على أساس الكفاءة وليس المحسوبية أو مؤهل الوالدين».

الخضوع لمطالب رجال الأعمال وأثرياء القوم

وثالث المعارك من «الشروق» يوم الخميس لزميلنا أشرف البربري الذي نظر بغضب للحكومة وقال عنها: «عندما ترضخ الحكومة لضغوط رجال البورصة، وتتراجع عن قرار فرض ضريبة على «الأرباح الرأسمالية» أي أرباح التعامل على الأسهم في البورصة تحت مسمى « تأجيلها لمدة عامين»، فإنها تكون قد كررت للمرة الثانية الخضوع لمطالب رجال الأعمال وأثرياء القوم، لتؤكد مرة أخرى ما قلناه من قبل من أنها حكومة لا تحب الفقراء، فنظام الحكم الذي لم يتردد في رفع أسعار الوقود والكهرباء، ليكتوي بها الفقراء في صورة زيادة في أسعار كل مستلزمات الحياة، هو نفسه الذي خفض الحد الأقصى للضرائب، الذي يستفيد منه الأغنياء. وبعد مرور نحو عام من حكم الرئيس السيسي، يمكن القول وبضمير مستريح تماما إننا أمام نظام حكم «موال لرجال الأعمال والأثرياء»، ربما بدعوى أنهم يستطيعون ضخ الاستثمارات التي ستتحول إلى فرص عمل للفقراء، وهي نظرية ثبت فشلها الذريع في سنوات حكم مبارك، لأنها ببساطة لا تقدم أي ضمانة لتوزيع عوائد النمو.
نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي يعيد إحياء النموذج الاقتصادي الفاشل لنظام مبارك حيث التوسع في الاستثمار العقاري واقتصاد الخدمات، بفضل التسهيلات التي يقدمها النظام للمستثمرين والتي تجعل من بناء المنتجعات والمراكز التجارية الفارهة أكثر جاذبية من الاستثمار الصناعي والزراعي، وهو ما يمكن أن يحقق للاقتصاد نموا «دفتريا» جيدا، من دون أن تكون لذلك انعكاسات حقيقية على الأغلبية الساحقة من الشعب».

حيتان الرأسمالية
لا تشبع حتى إن جاع الجميع حولها

ولو تحولنا من «الشروق» إلى «الأخبار» الحكومية في يوم الخميس نفسه سنجد زميلنا وصديقنا رئيس المجلس الأعلى للصحافة جلال عارف يقول في عموده اليومي «في الصميم»: «وزير المالية الدكتور هاني قدري جاء للوزارة ولديه رؤية للإصلاح المالي تختلف أو تتفق، وأنه حاول بكل الطرق ورغم كل الصعوبات أن ينفذها، لم يحاول الرجل تجميل الموقف، بل كان يدرك حجم التحديات التي علينا أن نواجهها، ولم يلجأ الرجل للخداع، بل كان حريصا على أن يشرك الجميع حتى إن تهرب بعضهم من تحمل المسؤولية .
الحكومة التي قررت ضريبة استثنائية على الأغنياء الذين يربحون أكثر من مليون جنيه في العام، لا تتجاوز الـ5٪ ، هي نفسها التي تلغي هذه الضريبة بعد شهور، ورأينا الحكومة التي تزيد أسعار البترول والكهرباء، هي نفسها التي تفرض الضرائب التصاعدية على الأثرياء، ثم تخفض الضرائب العادية عليهم استنادا إلى النظرية «الخالدة» التي تم ترويجها في نهاية عهد مبارك، فكانت إيذانا بنهايته، وهي أن تراكــــم ثراء الأغنياء سيعود يوما ما على الغلابة أو من تبقى منهم. انهزم هاني قدري أخيرا في معركة البورصة وانتصر المضاربون، وذهب رئيس الحكومة بنفسه ليزف البشرى بإلغاء الضريبة على أرباحهم من صفقات البورصة، نهنئ الحيتان الذين أداروا المعركة بكل شراسة، وفرضوا إرادتهم على الحكومة، ونقول لحكومتنا أن تستعد للمزيد من التنازلات، لأن الحيتان لا تشبع حتى إن جاع الجميع حولها».

مائدة الأغنياء تنافس مائدة الفقراء

ما شاء الله .. ما شاء الله ناصري كبير يهنئ حيتان الرأسمالية على انتصارهم؟ أما زميله في العدد نفسه من «الأخبار» علاء عبد الهادي فقد كاد يجن وهو يتابع ما ينشر عن فرض ضرائب جديدة على الفول المدمس وصاح: «أيوة.. كله إلا طبق الفول الاقتراب من سعر طبق الفول وقرص الطعمية أمن قومي زمان، كنا نقول ما فيش حد بيبات جعان في مصر وبخمسة جنيه تأكل عيلة وتشبع فول وطعمية ومعاها ربطة جرجير أو فجل، الآن قد يدخل الفول في مجال دائرة المحرمات بالنسبة للفقراء ويحصل طبق العدس الذي اختفى بغير رجعة من مائدة الفقراء، وذهب بقدرة قادر إلى مائدة الأغنياء الذين لا يكفون عن النظر إلى مائدة الفقراء الخالية، خطفوا منها من قبل طبق «البصارة» وقلنا بلاها بامية وبلاها كوسة على كثرتها في مصر وبلاها جبنه.
طيب ماذا يأكل السواد الأعظم من المصريين الذين يمثل لهم طبق الفول صمام أمان، بروتين رباني ونباتي ويقفل المعدة ولا يجعل الفقير يشعر بالجوع إلا بعد ساعات، الحكومة بتفكر تضع ضريبة جديدة، سعر كيلو الفول الناشف وصل 12 جنيها كم سيصل إذن مع دخول رمضان؟ لن يقلل من شأن مجلس الوزراء والمجموعة الاقتصادية أن تخصص اجتماعا طارئا من اجل استقرار سعر طبق الفول لأنه في رأيي أمن مصري قومي ولا أيه؟».

«الحكومة طلعّت الغلابة من هدومهم
وخرّجت الأغنياء من جحورهم»

وإلى المعارك السريعة والخاطفة وبدأها يوم الاثنين الماضي زميلنا في «الوفد» محمد زكي حيث اخترنا خمس معارك من بين خمسة وعشرين هي:
– أقرأوا اعتراف الحكومة طلعت الغلابة من هدومهم وخرجت الأغنياء من جحورهم.
– وزير التعليم العالي سيد عبد الخالق لما يقول «من أشاع وجود خلافات بين رؤساء الجامعات كذاب ونتن وقليل الأدب» يبقى التعليم العالي كيكا ع العالي وكيكا على الواطي .
– في عالم الفضائيات عندنا مذيع «أمنجي» ومذيع «كلامنجي» ومذيع «مطبلاتي» ومذيعة ترقص على «الآلاتي».
– برامج «التوك شو» أصبحت زي رقص غلاء الحكومة لا اللي فوق شافوها ولا اللي تحت عبروها.
– جاءنا البيان التالي : من «سيدة المطار» إلى «حمار المطار» يا كلبي لا تنبح.

نسأل الله أن ينقذنا من قيادات «خيال المآتة»

وثاني المعارك في اليوم نفسه لزميلنا في «الجمهورية» سمير الجمل وقوله في بابه اليومي «أكشن»:
– مصر تحتاج إلى خيال تاني، هكذا تحدث الرئيس السيسي مخاطبا القيادات، لكن هذا الكلام في تصوري يخص أهل الفن والثقافة، لأنهم صناع الخيال وأرباب الابتكار أو هكذا ينبغي أن يكونوا.
– وبالله عليك هل ما تراه في أفلامنا ومسلسلاتنا وبرامجنا يمكن أن يساهم في بناء الخيال النافع؟
والآن هل عرفت لماذا يحاربنا تجار المخدرات والسلاح والدعارة بأموالهم في صناعة الفن الفاسد والثقافة السطحية.
يا سيادة الرئيس نسأل الله أن ينقذنا وأنت معنا من قيادات «خيال المآتة».

أحمد جلال: عندنا رئيس
حكومة بسبع أرواح!

وثالث المعارك السريعة ستكون يوم الخميس لزميلنا خفيف الظل في «الأخبار» أحمد جلال وقوله: «لا تستغرب إذا وجدت المهندس إبراهيم محلب في كل مكان، فعندنا رئيس حكومة بسبع أرواح، تنام بالليل وهو في السعودية يؤدي فريضة الحج، وتصحى تلاقيه بيصلي العيد في مصر. تشوفه في التلفزيون قاعد مع رئيس فرنسا، وتدخل تنام ساعتين تشوفه تاني في التلفزيون نفسه بيعمل جولة مفاجئة بالوايلي في قلب القاهرة، يزور الوادي الجديد الصبح، ومصنع في حلوان الظهر، بالليل تفاجأ أنه وصل دولة في أفريقيا ولا مستر أكس في زمانه، يعني محلب واخدها كعب داير واليوم عنده 48 ساعة ولو قام المحافظون بربع مجهود رئيس الحكومة لتم حل كل المشاكل، لكن للأسف على رجليهم نقش الحنة ربنا يديك الصحة يا محلب».

حكايات وروايات اليمن زمن الإمام يحيى وابنه

وإلى الحكايات والروايات وستكون هذه المرة عن اليمن والسياسي والمناضل رئيس الوزراء اليمني الأسبق محسن العيني، وجاءت في المقدمة التي كتبها لكتاب الطبيبة الفرنسية كلودي فايان وعنوانه «كنت طبيبة في اليمن»، الذي قام بتعريبه محسن العيني وصدر عن دار الطليعة في بيروت عام 1960، أي منذ خمسة وخمسين سنة، وكان يباع في كشك صديقنا الناشر الراحل الحاج محمد مدبولي في ميدان طلعت حرب، قبل أن يتحول إلى مكتبة في العقار الواقع بعد أربعة أمتار من المكان نفسه. اييه.. اييه أيام وذكريات، وكان العيني مع كثيرين آخرين من اليمنيين الأحرار الذين سعوا للإطاحة بحكم الإمامة في اليمن، وأطلق عليهم الأحرار، في عام 1948 في ثورة أدت إلى مقتل الإمام يحيى حميد الدين، ولكنها فشلت، وتولى الإمامة من بعده الإمام أحمد، وهو والد الإمام البدر الذي أطاحت به ثورة السادس والعشرين من سبتمبر/أيلول سنة 1962 وتم إعدام من شاركوا في الثورة.
ويحكي محسن العيني في مقدمة الكتاب في صفحات 7 – 9 – 10 عن بعض الأحداث التي وقعت عام 1958 فيقول: وخلال هذا العام مرت اليمن بأحداث وتطورات مهمة لم يحس بها أحد في الخارج، بسبب النطاق المضروب حولها، فقد انتقل الإمام ومعظم أفراد أسرته وحاشيته إلى إيطاليا، وترامت إلى أسماع الشعب أنباء وأخبار تزكم الأنوف، وصرف الإمام وصحبته في بذخ يحسد عليه أمراء السعودية وشيوخ قطر، وتوقفت مرتبات موظفي الدولة ثلاثة أشهر، وكان الإمام يردد في وقاحة «ما معناش فلوس.. أصبروا علينا»، لقد سحبوا أموال الشعب إلى الخارج، وصرفوا منها على ملذاتهم وشهواتهم وإصلاح ما أفسده الدهر والشذوذ من أجسادهم، وأودعوا ما تبقى في البنوك استعدادا لما تأتي به الأيام. وفي طريق عودته مرت باخرته بقناة السويس وخرج الرئيس جمال عبد الناصر لاستقباله، وخفت الزوارق والسفن تحيط بباخرته وهي تدخل مياه الجمهورية العربية المتحدة، ورغم كل هذا رفض النزول إلى أرض الجمهورية، بل لم يخرج حتى إلى ظهر الباخرة لاستقبال الرئيس عبد الناصر بدعوى المرض وتدهور الصحة. وفي اليوم التالي وصل الحديدة وأقبلت جماهير الشعب تتفرج عليه وترقب مقدمه وتنتظر أن ينزل من الباخرة متهالكا ضعيفا محمولا على الأكتاف، إلا أنه فاجأ الناس ممتلئا حيوية ونشاطا، فقد نزل شاهرا سيفه وسار على قدميه ووقف أمام جماهير الشعب التي كانت تنتظر أن تكون رحلته قد غيرت أفكاره وأقنعته بضرورة الخروج من ظلام القرون الوسطى، وفتح النوافذ والأبواب لنور القرن العشرين، وقف أمام هذه الجماهير والسيف في يده وراح يتوعد الشعب ويتهدده ويردد في صوت فظ غليظ ولهجة وحشية بشعة عبارته المشهورة «أنا أحمد يا جناة من يفكر في معارضتي والتمرد عليّ والله لأقطعن الأيدي والأرجل من خلاف، ولأقتلن كل من تحدثه نفسه بالخروج عليّ، ومن لم يقتنع فليجرب وهذا الفرس وهذا الميدان» .
جزار غليظ يواجه شعبه الذي خرج لاستقباله بمثل هذه العبارات الشرسة وبدأ فعلا في تنفيذ أفكاره السوداء، فأخرج ضابطا شابا إلى الميدان ليقطع يده ورجله وقطعت يده فعلا، وسَلِمت رجله بفضل غلطة مباركة موفقة، لم يتقدم أحد لمبارزة الإمام في الميدان فبدأ هو التحدي، استدعى كبير القبائل شيخ قبيلة حاشد للمثول بين يديه مبطنا له الشر والأذى، ولقبيلته الإذلال والهوان فرفض الحضور هو وابنه الشاب، أرسل الجيش فوقفت حاشد وقفة باسلة، وانتظر الشعب أن يصفي الحساب مع هذا الوحش وتنتهي المأساة، ولكن مشايخ آل الأحمر اخطأوا التدبير ففضلوا حقن الدماء وسلموا أنفسهم وثوقا بكلمة شرف لطاغية يشرب الدماء ولا يقيم وزنا لعهد او لشرف، فذبح الابن الشاب وألحقه بأبيه الشيخ الكبير الطاعن في السن، وأودع سجونه الأرامل والأطفال من آل الأحمر ولا يدري أحد ما الذي تنتظره قبيلة حاشد.
واستدعي الطاغية بعد ذلك كبار المشايخ، ولكنهم رفضوا، ووقفت قبيلة خولان ترد على بذاءته قائلة في برقية شهيرة «لن نسلمك مشائخنا، فقد قتلت غيلة وغدرا مشايخ حاشد الكبار، ولن نرهن أبناءنا ضمانا لولائنا وإن ينزل جيشك في بيوتنا وأراضينا إننا ندفع الزكاة ونؤمن الطرق ليس لك علينا أكثر من هذا، فإن أردت غير هذا فنحن نفضل أن نقاتل ونموت على عتبات بيوتنا والشعب حكم بيننا وبينك». وأرسل جنوده غير النظاميين واستمر القتال أكثر من ثلاثين يوما اضطر بعدها إلى عقد صلح مع القبيلة الشجاعة ولم يستتب له بعد ذلك أمر ولا استقرار، فالمنشورات تعم مدن اليمن وقراها والمتفجرات تنسف بيوت أذنابه وحواشيه والبلاد كلها تنتظر أن تسمع مصرع حكمه الظالم المقيت».

حسنين كروم

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية