نفائس القراءة

حجم الخط
3

منذ سنة 1996، حين صدر كتابه الفريد «تاريخ القراءة»، لا يكفّ الأرجنتيني الكندي ألبرتو مانغويل عن إتحافنا ـ ويجب القول: إدهاشنا ـ باللطائف والنفائس والذخائر، حول تلك السيرورة الخاصة التي يطلقها القارئ في علاقته بالقراءة؛ أو تنطلق من تلقاء أعراف تأويل واسعة، ومتحررة منفلتة من كلّ عقال؛ بين ثلاثي النصّ والمؤلف/ المرسِل، والقارئ/ المستقبِل.
مؤخراً نشر مقالة مستفيضة في مجلة:
New York Review of Bookss
بعنوان «كلاب دانتي»؛ استعرضت دلالات مفردة «كلب» كما استُخدمت في «الكوميديا الإلهية، و«الجحيم» خاصة، فضلاً عن مؤلفات دانتي الأخرى، لتوصيف نماذج الشر والنذالة والخسة. والمقالة هذه تستأنف فصلاً في كتاب جديد بعنوان «فضول»، يسائل مفردة «لماذا؟» في أعمال سقراط وتوما الأكويني ودانتي ولويس كارول ودافيد هيوم، وسواهم.
مؤخراً، أيضاً، قرأت له، في ترجمة إلى الفرنسية، كتاباً بعنوان «القيامة حسب دورر»، يضمّ 16 نصاً قصيراً حول كلّ من أعمال الحفر الستة عشر التي أنجزها الرسام الألماني ألبريخت دورر، سنة 1498، بعنوان موحّد هو «القيامة». ومانغويل، هنا، يتابع رياضة شاقة، ولكنها شيّقة تماماً، هي قراءة الصورة؛ مارسها، بنشاط وطرافة، في مؤلفات سابقة قرأت سلسلة أعمال تشكيلية تطرح تحديات تأويلية، على القارئ أسوة بالناقد.
وفي هذا الصدد، أتيحت لي ذات يوم بهجة الاستماع إليه مباشرة، في المكتبة الأمريكية هنا في باريس، يحاضر عن كتابه الأحدث آنذاك: «قراءة الصورة: تاريخ الحبّ والكراهية». وهذا عمل يسعى إلى إنصاف الذائقة البصرية للمشاهد العادي الذي يهوى الفنون التشكيلية وأعمال النحت والفوتوغراف والعمارة، ولكنه مضطرّ للخضوع لهذا أو ذاك من أنماط الاستبداد التي تفرضها رطانة النقد ونظريات فلسفة الفنون. والكتاب يتضمن قراءات في عدد من الأعمال، تبدأ من الفنان الإرتيري فيلوكسينوس الذي رسم جدارية للإسكندر الأكبر في العصور الكلاسيكية، وتنتهي عند الفنانة الكندية المعاصرة ماريانا غارتنر، مروراً بأمثال كارباشيو وبيكاسو وجون ميتشل وأليخادينو. وهذه قراءات تنقّب عميقاً في باطن اللوحة، أو المنحوتة أو النصب التذكاري، لكي تستخلص خطوط ترميز جامعة، حول الصورة بوصفها حكاية، أو غياباً، أو أحجية، أو شاهداً، أو استيعاباً، أو انعكاساً، أو عنفاً، أو تهديماً، أو فلسفة، أو ذاكرة، أو مسرحاً…
الكتاب الذي يحلو لي أن أتوقف عنده، وأعود إليه لأنه لا يقلّ إدهاشاً وطرافة وجدّة في آن معاً، هو «مفكرة قراءة: تأملات قارئ شغوف حول سنة من الكتب». وكما قد يوحي العنوان، يدوّن مانغويل وقائع قراءات سنة كاملة، يوماً بيوم تقريباً، وأحياناً وقت الصباح والظهيرة والعشية والليل؛ ولكن ليس على النحو الطبيعي الذي قد يخطر على بالنا جميعاً، أو لعلّ بعضنا قام ويقوم به بالفعل. إنه لا يدوّن مذكرات حول ما قرأ أو يقرأ، بل حول نمط ـ ولعلّي أقول: حول نسق ـ محدّد فريد واستثنائي من القراءة.
إليكم الحكاية: ذات نهار من عام 2002 كان مانغويل يعيد قراءة واحد من الكتب الكلاسيكية المفضّلة عنده، حين اكتشف أنّ هذا الكتاب يحمل الكثير من المغزى الراهن، ليس في الوقائع اليومية التي يعيشها صاحبنا، فحسب؛ بل في الأحداث التي يشهدها البلد الذي يتحدّر منه مؤلف ذلك الكتاب، والعالم على نطاق واسع أيضاً. وهكذا قرّر مانغويل أن يقوم بالتالي: سوف يختار 12 من أمهات الكتب التي يحبها، ولسوف يوزّع كلّ كتاب على شهر من شهور السنة، ثم يبدأ ـ أثناء إعادة قراءة الكتاب ـ في تأمّل ورصد وتدوين أية صلات وروابط ودلالات بين مضمون الكتاب (الحكاية والشخصيات والأزمنة والرموز والرسالة العامة…)، ومضمون الوقائع الفعلية في العالم الفعلي ذلك الشهر.
الحصيلة مذهلة بالفعل، في جانب أوّل هو تلك المهارة العالية التي تحلى بها مانغويل في الربط بين المتخيَّل والواقعي؛ وأيضاً، وأساساً، في جانب العبقرية العالية التي تحلى بها أصحاب تلك الكتب، وأتاحت لهم اجتراح أعمال خالدة تجد فيها الإنسانية ضالتها أياً كانت الحقبة، وأنى انصرمت الدهور وتبدّلت الأمور. وللوهلة الأولى قد لا تبدو بعض الأعمال التي اختارها مانغويل «خالدة» في رأي الكثيرين، وربما في يقين السواد الأعظم من القرّاء، وقد يبدو بعضها مغموراً أو عادياً أو حتى مجهولاً. غير أنّ بعض اللعبة يكمن ههنا تحديداً: تلك ذائقة قارئ، وهذه حصيلة قراءته هو وليس سواه؛ ولكنها أيضاً حصيلة الخلود التي تمتّعت وتتمتع بها تلك الأعمال، كما التمسها مواطن حرّ اسمه مانغويل!
وما هَمّ أن تتقاطع أهواء التأويل وتتصادم تقلبات المغزى، كما دأب مانغويل على استعراضها؛ ما دامت القراءة، في نهاية المطاف، تتيح إبصار الخفاء وامتلاك النفائس!

صبحي حديدي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية