نفقات التسلح الجزائرية تقضم من المشاريع الاجتماعية وتنذر باضطرابات

حجم الخط
21

كلما تراجعت أسعار النفط العالمية، ازدادت التحديات الاجتماعية والاضطرابات في الجزائر. خبر الجزائريون هذه المعادلة في ثمانينات القرن الماضي، إذ فشل جهاز الحزب الواحد (جبهة التحرير الوطني) في السيطرة على الشارع أثناء انتفاضة تشرين الأول/اكتوبر 1988، فاضطرت الدولة إلى إطلاق مسار التعددية السياسية. انتكس المسار اليافعُ في 1992 بإلغاء نتائج أول انتخابات تعددية، وعودة الجيش إلى الإمساك بمقاليد الحكم، مستفيدا من طفرة نفطية جعلت الانفاق على المجالات الاجتماعية، ومن بينها دعم الأسعار يُغطي على الاخفاق السياسي.
 حاليا بلغ تراجعُ الإيرادات النفطية أدنى مستوى له منذ الصائفة الماضية، وسط توقعات بأن الأسواق تتجه عموما إلى الانحدار. ولا تقتصر انعكاسات التراجع على إلغاء بعض الخطط التنموية وتجميد مشاريع اجتماعية وتربوية أو إرجائها، وإنما ستشكل عنصر ضغط أيضا على برامج التسلح التي تعتبرها السلطات حيوية من أجل المضي في المعركة ضد الإرهاب. سنقتصر هنا على بحث تداعيات تدهور العائدات على المجالين الاجتماعي والعسكري، لما لهما من استتباعات على علاقة الدولة بالمجتمع، وكذلك على الدور الإقليمي للجزائر ومستقبل علاقاتها مع شركائها الغربيين.
تزايدت نفقات التسلح الجزائرية في السنوات الأخيرة، إذ تضاعفت موازنة وزارة الدفاع خمس مرات، من 2.5 مليار دولار في 2008 إلى 13 مليار دولار في 2015. واستحوذت هذه الوزارة على الرتبة الأولى متقدمة على وزارتي التربية والداخلية، علما أن موازناتها لا تخضع لأي نوع من الرقابة السياسية. وفي خط مُواز عززت الجزائر تعاونها العسكري مع الولايات المتحدة، تنفيذا لاتفاقات توصلت لها اجتماعات اللجنة العسكرية المشتركة في واشنطن في تموز/يوليو الماضي في إطار ما دُعي بـ»الحوار الاستراتيجي» بين البلدين.
وأظهرت وثائق تم الإفراج عنها أخيرا في واشنطن، أن الجزائر من منظور الخارجية الأمريكية «تلعب دورا محوريا في استقرار المنطقة أسوة بما تفعله في ليبيا والنيجر، وعلى الرغم من التقلبات التي هزت دول الجوار فإنها حافظت على استقرارها». مع ذلك غضب الجزائريون من الاتفاق الذي توصل له جيرانهم التونسيون مع الجانب الأمريكي على تسيير طائرات بلا طيار في رحلات لاستكشاف الجماعات المسلحة في المناطق الجبلية. وكان الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي أقر بوجود سبعين عسكريا أمريكيا في بلده، لتدريب العسكريين التونسيين على توجيه تلك الطائرات، مُبررا ذلك بوجود خطر إرهابي آت أساسا من ليبيا المجاورة.
وتُعزى المخاوف الجزائرية إلى توجُسها من إقامة قواعد أمريكية على حدودها الغربية (مع تونس)، ولذلك أبدت استعدادها «لتوفير كل الدعم الأمني والعسكري والاقتصادي لتونس، وتكثيف التعاون في الميادين التي من شأنها أن تُساهم في تأمين الحدود المشتركة بين البلدين». غير أن هذا التركيز على اقتناء مزيد من الأسلحة، معطوفا على محدودية العائدات النفطية، يُضعضع الموازنات التنموية ويُغذي الاحتجاجات الجماعية. وأنهت الجزائر سنتي 2014 و2015 بمؤشرات حمراء اللون بسبب تدهور الإيرادات، في ظل اقتصاد يعتمد أساسا على تصدير المحروقات. ويُقدرُ خبراء اقتصاديون مستقلون أن نسبة النمو تراجعت إلى 3 في المئة، فيما زادت نسبة التضخم من 2.9 في المئة إلى 6.8 في المئة. والأخطر من ذلك أن عجز الموازنة قفز من 8 في المئة إلى 16 في المئة، أما العجز التجاري فتضاعف أربع مرات، من 4 في المئة إلى 16 في المئة.
لم تُواجه الحكومة السابقة برئاسة عبد المالك سلال تلك المؤشرات السلبية بخطة شاملة أو معاودة النظر في صفقات باهظة، من ضمنها صفقات التسلح، وإنما استخدمت مُسكنات مؤقتة. ويُرجَحُ أن الحكومة الحالية برئاسة عبد المجيد تبون ستمضي في الطريق نفسها. وكانت وزارة الدفاع الجزائرية أبرمت مع السلطات الروسية في العام قبل الماضي صفقة لشراء ثلاثين طائرة استطلاع بلا طيار من طراز E95 بقيمة 60 مليون دولار. وأجرت وزارة الدفاع أيضا مفاوضات مع الأكاديمية الصينية لصناعات الجو والفضاء لشراء طائرات استطلاع من طراز «إيلونغ». كما أجرت في الفترة نفسها مفاوضات مع الإمارات لاقتناء عشرين طائرة استطلاع من طراز «يبهون» التي تستطيع التحليق أكثر من مئة ساعة وتحمل نحو عشرة صواريخ جو أرض يصل مداها إلى 60 كيلومترا. وبررت وزارة الدفاع الجزائرية إبرام الصفقات الثلاث بضرورة مجابهة التحديات الأمنية الجديدة، وخاصة في منطقة الساحل والصحراء، حيث تتسم حركة الجماعات المسلحة بسرعة التنقل من منطقة إلى أخرى. أما الصفقات التي أبرمتها الجزائر مع موسكو لشراء طائرات حربية من طرازي سوخوي وميغ، بالإضافة إلى دبابات وغواصتين، فهي أكبر بكثير.
يعتقد خبراء اقتصاديون جزائريون أن نفقات التسلح الباهظة هذه أضرت بالجهد التنموي وأهدرت أموالا طائلة على سلاح اتضح أن قسما منه فاسدٌ، وهو ما أكدته حوادث سقوط بعض الطائرات روسية الصنع بعدما تسلمها الجزائريون ووفاة طياريها، ما اضطر الجزائر لإعادتها إلى روسيا من أجل إصلاحها. وقدر الخبير الاقتصادي محمد بالحسين أن إيرادات الجزائر الإجمالية من المحروقات على مدى 17 سنة الأخيرة إلى حدود سنة 2015، بلغت 1300 مليار دولار، ما كان يسمح بإيجاد 130 ألف مشروع عبر التراب الجزائري، على نحو يجعل كل بلدية من بلديات الجزائر الـ1500 تحظى بـ87 مشروعا، يُمكن لكل واحد منها أن يُؤمن 50 فرصة عمل. لكن في الواقع لم تستطع الحكومات المتعاقبة على مدى 17 عاما سوى تأمين 35 ألف فرصة فقط لشبان من ذوي الكفاءة، فمع ابتلاع ثعبان التسلح قسما مهما من موازنة الدولة، لم تجد فئات الشباب الباحثين عن عمل مشاريع تستوعبهم وتؤمن لهم لقمة العيش الكريم. وهذه هي الرسالة التي حاول الشباب المتمرد في غرداية وعين صالح وورقلة والأغواط (جنوب) إيصالها عبر المظاهرات السلمية، التي كثيرا ما جوبهت بالقوة.
لا يعني هذا أن السلطات لم تفعل شيئا لتدارك الأوضاع سياسيا، فقد وضعت في العام الماضي استراتيجية لدعم الموازنة ترمي لخفض العجز من 14 في المئة السنة الفائتة إلى فائض بـ1 في المئة في 2022. غير أن خبراء رأوا أن الخطة غير واقعية لأنها تعتمد على خفض النفقات من 43.5 في المئة من الناتج الداخلي الخام إلى 29 في المئة فقط. بتعبير آخر ستكون هناك سياسة تقشفية صارمة تُقلصُ من الموازنات المخصصة للأغراض الاجتماعية، بما يترتب عن ذلك التقشف من ردود أفعال جماعية قد تُهدد الاستقرار السياسي. وعندما تسحب السلطات من منظومة المكاسب الاجتماعية فإنها تقطع الغصن الذي تجلس عليه، إذ أنها تتباهى دوما بكونها حققت السلم الأهلي والاستقرار الاجتماعي. على ماذا تراهن السلطات إذا لتحقيق الحد الأدنى من الاستقرار المطلوب؟ أولا على خفض النفقات في القطاعات غير النفطية، وثانيا على انتعاش الإنتاج من المحروقات بفضل اكتشاف حقول جديدة وعودة المُجمع الغازي عين أم الناس إلى مستوى إنتاجه العادي، بعدما كان تعرض لعملية إرهابية كبيرة في 2013.
لكن الوضع سيكون مع ذلك شديد التعقيد لعدة أسباب بينها القرار الذي بدأ سريانه منذ العام الماضي والقاضي بخفض النفقات. وبينها أيضا بقاءُ التضخم في مستوى مرتفع واستقرار عائدات المحروقات، مما لا يُتيح التعويض عن النقص المتوقع في الايرادات ويُربك استطرادا أصحاب القرار. وما من شك أن الجزائر ستعبر من منطقة تقلبات تستدعي الحذر الشديد من الانزلاق إلى هزات، مثل تلك التي عرفها البلد في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي، والتي يستدعي امتصاصُها حماية الفئات الاجتماعية المُستضعفة والحدَ من انغلاق النظام السياسي وانفتاحه على الشباب المتمرد، من أجل إشعاره أن له حصة من الثروات الوطنية، وإلا تحول إلى كتلة من نار تحرق وتهدم كل شيء من شدة الشعور بالإقصاء والتهميش. أما على صعيد ترشيد الانفاق وارتداداته الاجتماعية، فالمرونة تقتضي اعتماد المرحلية في تكريس الإجراءات التقشفية، بما يجعلها تمتدُ على السنوات الخمس المقبلة مثلا، وتُركز في الدرجة الأولى على إلغاء النفقات التي ليس لها مبررٌ اجتماعيٌ. بهذا المعنى يمكن تفادي قرارات غير مُبررة شعبيا، لا بل قادحة للهيب الاجتماعي الذي عادة ما ينتهي في الأخير بهز الاستقرار السياسي والأمني.

نفقات التسلح الجزائرية تقضم من المشاريع الاجتماعية وتنذر باضطرابات

رشيد خشانة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية