نقد الرأسماليّة لا يجب أن يكون مؤتمراً شيوعيّاً… «المالُ القذر» وثائقي يتحوّل إلى ظاهرة سياسيّة مبهرة

حجم الخط
3

لنصف قرن تقريباً، طغت الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي على كل نقد يوجه للمنظومة الرأسماليّة وآليات عملها القاتلة في المجتمعات الحديثة، فالتصق هذا النقد بالشيوعيّة وأدوات البروباغاندا السوفيتية – كما يسميها تجار البروباغاندا الأمريكيّة – حتى لم يعد يجرؤ أحد تقريباً من المفكرين أو المبدعين في الغرب بعد سنوات المرحلة المكارثيّة المظلمة على مواجهة حالات الفساد الفاقع المعزولة، ناهيك عن نقد أسس النظام الرأسمالي الذي يوفّر البيئة اللازمة لاستمراريّة سّرطان يفتك بالبشريّة رويداً رويداً.
لكن غياب الاتحاد السوفيتي، وانضمام جميع منسوبي الكتلة الشرقيّة إلى الحفلة الرأسماليّة، أسقط عن النظام الرأسمالي في الغرب تلك الغلالة الرقيقة التي كانت أضفتها عليه سياسة القرن العشرين، فظهر عارياً بسوءاته الكثيرة، وإن لم يرها بعد الإعلام التقليدي الذي قرر منذ وقت طويل أن يُشيح بوجهه عن الحقيقة. إلا أن العقول المبدعة التقطت هذا العري فانطلق بعضها في أدويسات خالدة لمواجهة التنين المُنفلت، فمنها من سلك طريق الدراما (كما في المسلسل الدّرامي الأهم الذي أنتجته أمريكا عبر تاريخها وحتى اليومBreaking Bad – 2013)، في الوقت الذي سلك فيه آخرون – ومنهم أليكس غيبني – طريق الوثائقيّات ( أنتج وأخرج الفيلم الوثائقي الشهير عن صعود وفساد وسقوط شركة الطاقة الأمريكية الأكبر Enron: The Smartest Guys in the Room – 2005). هذه الأعمال على قلّتها في ظل نهر الرداءة الجارفة التي تقدّمها هوليوود وأخواتها، نجحت في كسر كل الحواجز وأقبلت عليها أعداد غير مسبوقة من المشاهدين.
حديثا تأتي السلسلة الوثائقيّة التلفزيونية الجديدة المسماة بـ«المال القذر» 2018 – متوفرة الآن على نيتفليكس – لتقدّم نماذج أمريكيّة من الفساد والاحتيال ذات الأحجام الاستثنائيّة – إن جاز التعبير – وتُزيح أكثر وأكثر النقاب عن أوجه الحال المتردي الذي انتهت إليه الصحافة كما الإعلام المرئي في عالم اليوم. فها هو مُنتج يتحول إلى ضمير متنقل، وبميزانية محدودة، يقود فريقا من خمسة مخرجين يطلقون ست حلقات وثائقيّة عن حكايات فساد شركات وشخصيات تملكها الجشع فلم يعد يرويها مال أو شهره، ولتتحول لاحقا كل ثيمة من ثيماتها إلى نقاش سياسيّ حاد، وتتسبب باطلاع عدد هائل من المواطنين على حقيقة الفساد المُعلن الذي فشل الإعلام التقليدي – المنخرط أبداً في خدمة المنظومة الرأسماليّة – في تفسيره لهم، بل وتتسبب بعض حلقاته في فرض ضغوط غير مسبوقة على الفاسدين.
هذا الإنجاز يُسجل لصناعة الوثائقيّات الجديدة التي فتحت الأبواب لمبدعين مثل الأمريكي أليكس غيبني لتقديم تنوير يسهل تناوله من قبل الأغلبيّة دون الوقوع في أفخاخ التقريريّة المملة أو الأدلجة المباشرة أو حتى التقاليد الباليّة التي حكمت صناعة الوثائقيّات زمن خضوعها لهيلمان التلفزيونات التقليديّة كمنافذ عرض حصريّة قبل أن تحرر ولو جزئيّاً في عصر الإنترنت.
في الوقت ذاته تتلعثم الصحف، وتبلى شاشات الفضائيّات وينتهي الصحافيون الحقيقيون إما إلى التخلي عن مهنتهم أو إلى الموت البطيء فقراً، ثم يتساءلون لماذا إفرنقع عنا المشاهدون لمصلحة نوافذ التكنولوجيات الحديثة!

ليس مجرد سلسلة بل مهرجان وثائقي

غيبني في «المال القذر» يقدّم من خلال وثائقيّات تلفزيونية متألقة فنيّاً أقذع نقد ممكن للإفلاس الأخلاقي لنخبة الـ 1% التي تدير رأسماليّة الولايات المتحدة – الإمبراطوريّة المهيمنة على الكوكب، ويكشف من خلال حلقاته الست عن نماذج من جشعهم – القاتل – مركزاً في طروحاته على ثيمة واحدة توحد بين أشكال الفساد ومواقعه المختلفة: تلك الحالة السيكولوجية التي تستهلك ذوات الجشعين وتجعلهم يقعون في دائرة لا متناهيّة من السعي الحثيث لكسب مزيد من المال وتعظيم الأرباح رغم أنهم قد امتلكوا فوق ما يمكن للإنسان أن يستهلك في حياته البائسة القصيرة مهما بذخ. وهو دونما خطابيّة مفتعلة يظهر كيف أن الدّولة الأمريكيّة نفسها – والتي هي بيد ذات المجموعة من الجشعين – تحولت إلى حاضنة لوحش الفساد هذا ومرضعة حنون له، تُكبّره وتراعه وتمنعه من العقاب عندما يرتكب جرائم فاضحة لا يعد ممكناً التستر عليها.
الحلقة الأولى أخرجها غيبني بنفسه وقدّم فيها فضيحة الانبعاثات من سيارات الديزل الألمانية VW بوصفه مواطناً عادياً متضرراً من الاحتيال. إذ يقول انه و زوجته تعمدا شراء أحد موديلات VW بوصفها – وفق الإعلانات التي بثتها كل وسائل الإعلام الكبرى – السيارة الصديقة للبيئة، ليكتشفا فيما بعد كيف أن الانبعاثات السامة التي كانت تبثها سيارتهما فاقت الحد المُعلن بخمسين مرّة وكيف تواطأت الشركة والسلطات بشكل أو بآخر على تجاوز الاختبارات الحكومية بهذا الشأن ولسنوات عديدة. وقد سارعت الشركة لدى علمها بأن غيبني يعمل على وثائقي عن الفضيحة إلى قبول غرامة المحكمة الأمريكيّة كاملة وأوقفت الاستئناف الّذي كانت تعتزم تقديمه لأنها كانت تعرف أن هيئة المحلفين ستنقلب معادية لها بالكليّة إن هي شاهدت وثائقي غيبني.
مع ذلك لا يخفي المخرج النبيل خيبة أمله لأن الحكم اقتصر على دفع الأموال وإدانة موظفين اثنين فقط من العاملين في مكاتب الشركة في أمريكا، بينما بقيت الشركة الأم في ألمانيا محميّة بالقرار السياسي ودون أي مساءلات وكأن شيئاً لم يكن!
الحلقات الخمس اللاحقة والتي تولى غيبني إنتاجها بينما أخرجها زملاء له تنقل كشّاف الضوء نحو فضائح أخرى موازية في فظاعتها عبر صناعات الأدوية والقروض وتجارة المواد الأساسيّة لكن أكثرها إثارة للسخريّة المرّة بالفعل كانت حلقة بنك كارتيلات المخدرات (بنك ال HSBC) الذي تبين أنه كان يبيّض الأموال بالمليارات وعلى نحو منهجي لمصلحة كارتيلات المخدرات المكسيكيّة، واكتفت السلطات الأمريكيّة لدى انكشاف الأمر بفرض غرامات ماليّة دون أن يُسجن أحد أو يقفل البنك.
تتراوح الحلقات في منهجية طرحها للفضائح، ورؤية مخرجيها، لتجعل «المال القذر» أكثر من مجرد سلسلة وثائقيّة، بل وربما مهرجاناً وثائقيّاً مخصصاً في هجاء الرأسماليّة المتأخرة كما في قعرها الأمريكي وبأدوات تواصل لا تستعصي على المواطن العادي.

ترامب: قصّة الاحتيال الأكبر

الحلقة الخامسة من «المال القذر» ربما تكون أخطرها من الناحية السياسيّة، إذ هي وتحت عنوان «الرّجل الثقة The Confidence Man» تكشف أن دونالد ترامب الذي نجح في الوصول إلى منصب الرئاسة الأمريكيّة بوصفه رجل الصفقات والملياردير الألمعي الذي سمح وقته في مرحلة ما بتعليم الأمريكيين أصول التعايش مع النظام الرأسمالي في البرنامج الشهير «The Apprentice» لم يكن في الحقيقة سوى تاجر فاشل أفلس عدة مرات محتالاً على البنوك ومتورطاً في صفقات مشبوهة عبر العالم، قبل تولّي صانعي برنامج تلفزيون الواقع إطلاقه في غلاف برّاق مخادع – حتى مقر شركته الذي كان يظهر في الحلقات كان استديو مؤقت وليس مكتبه الحقيقي المغبّر – فصنعوا من اللاشيء نجماً – تماماً كما فعلوا لاحقاً بالظاهرة الكارديشيانيّة الكوكبية وسيفعلون مستقبلاً مع القادم من النجوم المُخترعة كما التركيبات الكيميائية. ولا شك أن تولي «الرجل الثقة» هذا المنصب التنفيذي الأهم في العالم يقول الكثير عن طبيعة المنظومة التي أضاء عليها غيبني في الحلقات الخمس الأخرى.
إنه مستقبل مظلم لل 99 % من البشر تقودنا إليه شبكة جهنميّة متقاطعة من مراكز النفوذ ورؤوس الأموال «القذرة»، تغطيها المنابر المستقيلة من مهمتها، لكن بفضل غيبني ورفاقه، لقد أمكننا على الأقل البحلقةَ في عين التنين مباشرة.

إعلامية وكاتبة لبنانية تقيم في لندن

7gaz

نقد الرأسماليّة لا يجب أن يكون مؤتمراً شيوعيّاً… «المالُ القذر» وثائقي يتحوّل إلى ظاهرة سياسيّة مبهرة

ندى حطيط

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية