توافد الآلاف من المشيعين لقرية الجمالية في محافظة الدقهلية لحضور جنازة الدكتور عمر عبد الرحمن الذي توفي في السجون الأمريكية، وربما هو أكبر استعراض للقوة للجماعات الإسلامية على مختلف أطيافها، منذ اعتصام رابعة 2013، وعلى الرغم من التحذيرات الأمنية التي حالت دون الاستقبال واسع النطاق للجثمان الذي وفد من الولايات المتحدة، إلا أن الأمر لم يكن كذلك في الدقهلية البعيدة عن مركزية القاهرة وسطوتها.
عمر عبد الرحمن من الشخصيات التي أثارت جدلاً شديداً، خاصة بعد أن جرى تداول اسمه بوصفه صاحب الفتوى، التي أسفرت عن اغتيال الرئيس السادات، ومع أن الفتوى التي استصدرها عبد الرحمن كانت ضمنية افتقدت للصراحة، ولم يكن ليعتد بها لولا وجود قرار تنظيمي بالقضاء على السادات ومحاولة السيطرة على المشهد في مصر من قبل الجماعات الإسلامية، وواقع الأمر أنه أفتى بجواز قتل الحاكم الذي يخالف الشرع على إطلاق الأمر، وذلك يتسق أيضاً مع فتاوى لشيوخ آخرين مثل عبد الحميد كشك، ودون أن تقترن الفتاوى صراحة بشخصية السادات، وعلى الرغم من أن الشهود اختلفوا حول المدى الذي تقصدت أن تصله عملية الاغتيال، إلا أن وقائع أحداث أسيوط الساخنة بعد الاغتيال بيومين توحي بالمخطط الشامل للاستيلاء على السلطة وتأسيس جمهورية اسلامية، حسب الوصفة الايرانية.
كان يمكن لعمر عبد الرحمن أن يتحول لنسخة مصرية من الخميني، ولكنه تحول إلى طريد من القوى الأمنية، والمرجح أن انتقاله للولايات المتحدة كان جزءاً من صفقة ما للتخلص من عبئه الأمني في مصر، وبقيت تطارد الشيخ في منفاه الأمريكي أطياف تنظيم الجهاد، ومع البروفة الأولى لمشروع أيمن الظواهري لضرب مركز التجارة العالمي في 1993 كان الشيخ الضرير يبدأ صفحة جديدة من حياته، سجيناً بتهمة التآمر في عملية التفجير، التي دشنت فصلاً دموياُ من علاقة الولايات المتحدة مع الجماعات الإسلامية، أو لعلها أنهت جميع أوهام وأكاذيب حرب أفغانستان بعد أن استنفدت جميع أغراضها بالنسبة للأمريكيين.
تغيرت الذهنية السلفية خلال العقدين الأخيرين، ومع أنها كانت الحاضنة التي أطلقت عقال الجماعات الإسلامية المتطرفة إلا أنها تنحو اليوم إلى اتخاذ حلول سياسية مرنة، والدخول في تسويات محددة الأطر مع السلطة، فلم يعد حلم التيار السلفي يقتصر على استعادة الماضي، الذي يتصوره الإسلاميون خالياً من أي شائبة وفوق ذلك يعتبرونه أداة مطلقة القدرة على تحقيق الغلبة والخروج النهائي والمبرم من حالة الاستضعاف، ولكنه يكتسب أطيافاً للحضور السياسي وبأقل تكلفة ممكنة.
السلفيون ومع كل ضغطهم على جماعة الإخوان المسلمين للالتجاء لهم أثناء رئاسة محمد مرسي، ودفعهم بالرئيس إلى تزعم مهرجان خطابي على النمط التقليدي للسلفيين، ينادي بالجهاد في سوريا ضد نظام الأسد، تمكنوا من الالتفاف مئة وثمانين درجة ليتحولوا إلى أحد أدوات ازاحة الإخوان من السلطة، ويدخلوا في صفقات متتابعة مع السلطة، التي اهتمت باستقطابهم في مرحلة ما بعد الرئيس مرسي.
تدرك القاهرة أن السلفيين ليسوا تنظيماً مشابهاً أو منافساً للإخوان، وهذا يمثل مشكلة في الاحتواء، حيث أنهم يبقون توجهاً من الصعب العمل على تتبع تفاعلاته وتطوراته، والسلفيون يمثلون خطوة أيضاً للتقدم إلى الإسلام السياسي، سواء من خلال الالتحاق بالتنظيمات الجهادية، أو الالتحاق بالكتلة التنظيمية للإخوان المسلمين، وحسب طبيعة تشكيلها في كل بلد على امتداد قوس واسع من المغرب إلى بنغلاديش، وذلك لا يعني بالطبع بقاء النواة الصلبة للسلفيين، وإن كانت بحد ذاتها قابلة لأن تنضوي في المشروع ونقيضه، كما كانت حالتها مع الإخوان وبعدهم، وذلك ليس بالضرورة تعبيراً عن انتهازية مستوطنة لدى السلفيين، فإن كان ذلك ينطبق على بعضهم، فإنه من المتعذر تعميمه على الجميع. والأقرب لتوصيف الحالة السلفية هو أصالة القلق في مشروعها بما تراه وتنكره في الوقت نفسه من علاقة صعبة مع الحداثة والعالم بشروطه الجديدة، وما تتطلع له من حركة ارتدادية للماضي، وفوق ذلك فإن البعد الاجتماعي للحركة السلفية يجعلها تضع قائمة من الأولويات المتعلقة بشكل المجتمع، وهذه القائمة يمكن أن تدمج في أي مشروع، خاصة إذا كانت قريبة أصلاً من مساحة التقاليد المتعارف عليها اجتماعياً.
المشهد في الدقهلية يعيد الحركة السلفية لمسرح الأحداث، فما بدا تراجعاً للسلفيين بعد 30 يونيو 2013 والحاقهم كصورة ذهنية بالإخوان المسلمين، لم يجر استثماره من الدولة المصرية بتحقيق الوعود التي أطلقتها بعد ازاحة الرئيس مرسي، كما أن إدارة العلاقة وتحجيمها من مستوى الوعد بشراكة استراتيجية إلى مربع التعامل الأمني كان من شأنه أن يعيد السلفيين، بوصفهم أحد الحلول أو على الأقل يمنحهم فرصة جديدة لإعادة إنتاج ذاتهم من مدخل المجتمع الموازي أو التحتي في مصر، كما كانوا في الجزائر وغيرها من الدول التي شهدت صعوداً للتيارات الإسلامية.
الزعيم الملتبس للجهاديين والرجل الذي يحظى بتقدير واسع بين السلفيين بوجه عام، يطوي برحيله صفحة مهمة، من دون أن يتطوع أحد في هذه المرحلة لفتح صفحة جديدة، فهل يمكن للسلفيين أن يقدموا خطة لدخولهم العصر الحديث بمعطياته المعقدة؟ أم أنهم سيبقون في ذات المربع الذي يحمل أطياف وأشباح عصر عمر عبد الرحمن وزمن الجهاد الأفغاني؟
ربما من المبكر القفز إلى استنتاجات حول مستقبل الحركة السلفية في مصر وغيرها من الدول العربية، فالتجربة التي تزامنت في مصر وتونس، وما زالت تتفاعل بصورة أو بأخرى في المغرب، تؤكد على أن المشروع الإسلامي ما زال يطرح نفسه على الساحة بشكل أو بآخر، كما أن الافتراض بأن ذلك المشروع يمتلك أجندة يمينية أو أقرب لليمين يمكن أن يدفعه لانتعاشة مقبلة على أساس الاستجابة لصعود يميني متطرف متمسك بالهويات الفرعية في الولايات المتحدة وأوروبا، كما أن هذه الكتلة قابلة للتوجيه والاستثمار في خضم هذه المعادلة، ومن دون أن يمتلك أحد تقديم أي ضمانات حول سلوكها المتوقع.
الشيخ عمر لم يكن سوى قيادة رمزية تحاجج بها أعضاء تنظيم الجهاد ضد بعضهم بعضا عندما صدرت مراجعاتهم الفكرية التي أدانت اتخاذ العنف منهجاً، وكانت المزاعم من كل طرف أن رأي الشيخ مختلف ومغاير عما تطرحه كل جهة، فهو مرة يقف مع المراجعات ومرة أخرى ضدها، وفي ثالثة لا يتخذ موقفاً واضحاً أو يترك مساحة واسعة للتأويل كما كان الأمر في فتواه المتعلقة باغتيال السادات، أو التي كانت ذريعة لمن نفذوا عملية الاغتيال، وبرحيل الشيخ الضرير والأسير فإن السلفيين لا يبدون متحمسين لإشغال مكانه بقيمة رمزية موازية، كما أن أحداً لم يطرح نفسه لهذا الموقع ولا أحد في هذه المرحلة يمتلك الكاريزما اللازمة ويستطيع أن يستقطب الأطياف المتباينة للسلفيين في مصر.
كاتب أردني
سامح المحاريق