نور عسلية: هذا العذاب يمثّلني وحدي

حجم الخط
0

باريس ـ «القدس العربي» من راشد عيسى: في يوم ربيعيّ من أيام العام 1941 فجع العالم بانتحار فرجينيا وولف. أثقلت الأديبة المرموقة جيوبها بالحجارة، ثم سارت بخطى حثيثة لتسكن قاع البحيرة القريبة. صباح ذلك اليوم كانت قد كتبت رسالة مرتبكة إلى زوجها تقول في جزء منها «أنا على يقين بأنني سأجنّ من جديد، ولا أظن بأننا قادران على أن نتحمّل مرة جديدة واحداً من تلك الأوقات الرهيبة. لا أعتقد أنني سأتعافى هذه المرة.
لقد بدأت أسمع أصواتاً، وفقدت قدرتي على التركيز… لم أعد قادرة على المقاومة».
كانت وولف قد تعرّضت لنوبات من الكآبة الحادة، كما عاشت نوبات يأس وهلع، وزادتها الحرب، حينذاك، رعباً وثقلاً جديدين.
منذ ذلك الوقت لا ندري كم من المرات تردّدت أصداء رسالة وولف في العالم، وها قد وصلت أخيراً إلى يد النحاتة السورية المقيمة في باريس، نور عسلية. إذ شاركت في بينالي للنحت، أقيم في دار الإقامة السابقة للفنان الانطباعي غوستاف كايبوت في باريس، تحت عنوان «جسدُ النحت».
الفنانة السورية أطلقت على عملها عنوان «رسالة من فرجينيا وولف»، وهو عمل مؤلف من ستة عشر قطعة نحتية، وُضعت في صندوق أسمتْه «علبة الذكريات». «قطع الذكريات» هي وجوه وأيدٍ، مغطاة بقماش أسود شفّاف، ويبدو أن كون الفنانة من بلد الحرب، سوريا، قد أعطى انطباعاً بأنها تقصد المجزرة، وكان الأثر قاسياً بعض الشيء، لكن الفنانة كانت تتحدث عن رعب شخصي خالص، هو رعب الوجود. لا تكفّ عن التساؤل حول جدوى العيش، ولا يشفيها جواب.
بشكل مباشر، على الأقل، لم تفكّر النحاتة في مشروعها هنا بالحرب، كما أنها تتنصّل من «القضايا» تقول «هذا النحت لا يمثّل عذابات الأنثى، ولا قضايا المرأة، هو يمثلني أنا وحدي، فأنا لا أدّعي الشبه، ولا الانتماء».
تقول الفنانة «تلك الوجوه والأيدي مرتبطة بالذاكرة الشخصية. سكنتْني بعدما قرأت رسالة وولف، وبعد أن شاهدت فيلم «الساعات» المأخوذ عن روايتها الأخيرة».
وتضيف «وولف كانت المحرّض العاطفي للعمل، بل لمجموعة من أعمال الفنانة، ولم ينفصل ذلك عن موضوع العمل، ولا عن طريقة التنفيذ، وحتى طريقة العرض». لذلك كان مألوفاً أيضاً أن ترفق «علبة الذكريات»، في المعرض الباريسيّ، برسالة فرجينيا وولف نفسها، مترجمة إلى الفرنسية، على جدار المعرض.

نحت الهشاشة

تعود النحاتة السورية لتتذكر كيف ولدت لديها تلك الصور، الوجوه والأيدي، تقول، وكأنها تصف اللحظات الأخيرة في موت فرجينيا وولف، «حرّكتني منذ البداية صورة لوجه أنثى، مغمضة العينين، غائبة عن الوعي في لحظات ما قبل الاختناق. هي ميّتة لا محال، ولكنها لم تستهلك بعد آخر أنفاسها. بل إن هذه الصورة أيقظتْني من نومي مراراً؛ وجهٌ منحوت يغلّفه ضباب من قماش أسود شفاف». أما عن اليد، فتقول «كذلك اليد المترقبة، مخنوقة، لا أفق لها».
ويبدو أن النحاتة استفادت من مشروع بحثها الدراسي «الهشاشة في النحت في النصف الأول من القرن العشرين»، وقد غيّر كثيراً من تفكيرها بالنحت كما تقول، هي «القادمة من بلد، النحتُ فيه هو الخلود والصلابة، فهو نحت الحضارات، لترى أن مئة عام مرت في الغرب على النحت بالورق، المادة التي اشتغل عليها كبار الفنانين». وهي هنا، في «رسالة من فرجينيا وولف»، تستخدم القماش الأسود الشفاف، المادة بالغة الهشاشة، فوق جسد المنحوتة الصلب.
تقول الفنانة إن القماش «يشير إلى الغواية، كما يشير إلى الاختناق. يقصد الرغبة بالانعزال، وينزع إلى التوحّد». ولكن لا يفوتها الإشارة إلى الحضور البعيد لهذه المادة في ذاكرتها «هذا السواد أستحضره من غطاء تُلقيه النساءُ في بلدي على رؤوسهن وقت العزاء». إنه «أسود يغلّف كل يد أو وجه على حده، قماش مختوم بخياطة قمتُ بها بنفسي.
تذكّرني هذه الخياطة بدورها بالعتم. هو مجرد ذكرى، لكن بعده التشكيلي هنا هو الأنثى بحد ذاتها. ثم تراكم الطيّات السوداء يشبه خطوط قلم الرصاص على الورق».
لكن هل يكون النحت، الإبداع، شافياً من تلك الأسئلة الوجودية المعذبة؟ لا تتردد الفنانة بالإجابة بالنفي «لا يشفي النحت من سؤال، إنه فقط يطيل أمد الحوار مع الذات».

نور عسلية: هذا العذاب يمثّلني وحدي
نحاتة سورية تستلهم «رسالة من فرجينيا وولف» في معرض باريسي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية