نَاكـِرٌ ومَنْكُورٌ

■ أغلقت أبواب الاجتهاد اللغوي عندنا من جَرِيرَة فكرة سادت أذهان العموم ولم يهذّبها لهم خاصّة النّاس ومثقفيهم بل تبنّوها ودافعوا عنها بشراسة أحيانا. ملخّص الفكرة: أنّ ما قيل في مسائل اللغة قديما لا نفعَ اليوم في إعادته، بل هو هَدْرٌ للوقت وتسطيح للتفكير.
هذا هو شأن من يرى مثلا أنّ حديثنا اليوم عن المعرفة والنكرة لن يُغْني شيئا لأنّه من الدّروس الابتدائيّة البسيطة التي يَحلّ مسائلها المبتدئون في الكلام المتعثّرون في المشي. فما الفائدة في أن تقول لي إنّ (كتاب) نكرة و(الكتاب) أو (زينب) معرفة؟
إنّ السؤال: «ما فائدة حديثك عن كذا؟» هو سؤال- إذا مَا كان إنكاريّا وجوابه بنفي الفائدة- لا ثقافيّ ولا علميّ ولا يطرحه إلاّ من أراد أن يؤسّس لخطاب متشنّج استفزازيّ يسفر عن وجه للنفعيّة المصلحيّة التي تقزّم دور الثقافة والعلم. هذه طريقة في كلام بعض الدّهماء في المجتمعات التي لم تشتغل فيها جيّدا آلة الكنس الثقافيّ والتهذيب الذوقي؛ وانتقلت تلك الطريقة إلى من يعتبرون أنفسهم من الخاصة المثقفة لكنّهم لا يعرفون أنّ سؤالا كهذا لا يدور بين المرء، الذي يحترم محاوره، ونفسه، لأنّ ترجمته أَنِ اصمت ففي صمتك عمّا أجهل خصلة كبرى مادامت تعرّي جهلي.
لنعد إلى السؤال: «ما فائدة حديثنا اليوم وغدا عن النكرة والمعرفة؟» أنْ تعرف ما تكون النكرة والمعرفة في الأسماء شيء وأن تعرف لمَ كان التمييز بينهما في الكلام شيء آخر مختلف وعميق. أنْ تعرف أنّ المعرفة من الأسماء هي ما كان يحمل أداة للتعريف (ال) أو ما كان اسما علما أو ضميرا أو اسم إشارة والنكرة ما خلا من مُعَرِّف فهذا شيء أدنى وناقص وتملّكه المعرفيّ لا يفيدك كثيرا. لكن أن تعرف أنّك تستطيع في كلامك اليوميّ أن تعرّف النكرة ثمّ تعيدها إلى تنكيرها الأوّل ثمّ تضفي عليها صنوفا من التعريف لأغراض في نفس مستمعك وفي نفسك فهذا مدار الاهتمام في المسألة؛ وروحها أنْ تعرف أنّك حين تتكلّم فذاك أمر وأن تعرف الفلسفة التي وراء طريقتك في الكلام أمر آخر لا تسافر إليه كلّ نفس تستصعب المسالك إليه أو تستهلها.
كم من عشرات منّا يعرفون أنّ التعريف مسألة ذهنيّة إدراكية لها صلة بالبعد الثقافي وبتجربتنا في تعيين الأشياء؟ المعرفة والنكرة ليست مقولة تقنيّة أو حتى دلالية، بل هي تصنيف قائم على أساس إدراكيّ يخصّ معرفتنا عيانا أو تذكّرا أو عدم معرفتنا بالذات أو الكَيان الذي نحن بصدد الحديث عنه. فإذا تعرّفنا على ذلك الكيان صار معرفة وإذا لم نتعرّف عليه كان نكرة؛ وهذا الكلام نجده واضحا في أقدم نصوصنا النحويّة إذ يقول سيبويه معلّقا على تنكير (رجُل) في قولك: (مررتُ برَجُل) «إنّك إنّما زعمت أنك مررت بواحد ممّن يقع عليه هذا الاسم لا تريد رجُلا بعينه يعرفه المخاطَب وإذا أدخلت الألف واللاّم فإنّما تذكّره رجلا قد عرفه» [ الكتاب:2/7]. لاحِظْ أنّ سيبويه النّحويّ لا يعّقد المسالة بل يبنيها على وضعيّة تواصل ملموسة؛ وهذا يعني أنّ التعريف والتنكير هو قبل كلّ شيء أمر متصل بالتخاطب وبظروفه. يضاف إلى ذلك أنّ المبدأ الإدراكيّ الأساسيّ في التعريف والتنكير أنّ المتكلّم لا يُعرّف إلاّ ما يَعْرفه المستمع بالعين أو بالقلب حضورا أو ذهنا وينكِّرُ ما يقابل ذلك لكنّ هذا ليس مبدأ نهائيّا إلاّ لمن أراد أن يقف عند العتبة؛ ذلك أنّ في الكلام أحوالا كثيرة يكون فيها التعريف من متطلبات المتكلّم لا غير.
المعرفة بالشخص شيء وتعريفه شيء آخر: المعرفة به مسألة مرتبطة بالذاكرة وبتنشيط المعلومات عن الأشخاص أو الأشياء فيها. حين تشتغل الذاكرة لتتعرّف على الكيانات فأنت تعرفها وإلاّ فإنّها تموت إنْ لم تتذكّرها لعطب في الذاكرة كيفما كان العطب حتى ذلك الذي نسمّيه بعبارة متسامحة نسيانا. التعامل مع هذه الكيانات في اللغة يختلف فنحن نعرّف وننكّر وفق قوانين التواصل التي لها صلة بذاكرة قصيرة المدى تشتغل أثناء الكلام وقد تتعامل مع الذاكرة ذات المدى الطويل التي تستوعب أكثر المعلومات قِدما.
من منّا لا يعرف آدم أو حوّاء؟ جبريل وإبليس؟ هذه أسماء تختزل جملة من المعلومات التي خزّنها كلّ واحد عن كلّ كيان منها حصّلناها من القرآن أو من خرافات أجدادنا ومن قراءاتنا وخزّن كلّ واحد منّا شيئا ممّا حصّله في ذاكرته: تلك هي المعرفة. لكنّ آدمَ إذا دخل الخطاب وطبّقت عليه مقولتا التعريف والتنكير يفقد ثباته فيمكن أن ينكّر هو الذي يبدو لنا اسما علما معرفة (رأيت آدمًا بَشِعًا اليوم في القطار) ويمكن أن تنقص درجة تعريفه (أنا أكره هذا الآدم الذي اسمه توفيق) أو أن يُستأنف تعريفه ( ولدي آدم طفل خَلوق). لكنّ أحوال الخطاب التي تنكّر وتعرّف يمكن أن تجعل العَلَم المرجعيّ التاريخي (آدم) رمزا للجنس الذكر أو لحالة العُري (في ثياب آدم) ففي هذه الحالة يكون التعريف في تفاعل مع معطيات الثقافة أو مع المعرفة المخزّنة، التي يتصرّف فيها الخطاب كما يحلو لمستعمله.
في شبكة التواصل الاجتماعيّ تُبنى المعرفة بأغلب مَن نتواصل معهم على الافتراض فنحن نفترض أنّا نعرفهم بأسمائهم التي قد تكون مستعارة وقد يتنكّر الذكور منهم في جنس الإناث أو العكس غير أنّنا حين نتعامل معهم بالخطاب نحيل عليهم كأشخاص معروفين. حين ينعقد الخطاب بين متحاورين مجهولين يبدأ مقام التعريف. فالتعريف مقام وليس جزءا من مقولة وهذا أشير إليه في الخطابات البلاغية القديمة غير أنّه يُنسى في دروس التعريف والتنكير. حين نتخاطب نحن نبني مقام التعريف فحتى وإنْ كان المتكلم نكرة فأنت لا تستطيع أن تتعامل معه على أنّه منكور. حين يقول الآباء لأبنائهم في المدن الشرّيرة لا تتحدّثوا مع الغرباء ففي قولهم يُضمر ما نقوله هنا من أنّ الخطاب مقام التعريف ومن التعريف يبدأ التعرّف لا العكس.
وفي وسائل الإعلام نرى أشخاصا صاروا بالإعلام في عداد المشهورين. الشّهرة ما تزال تعني دلالتها القديمة، تعميم المعرفة بشخص أو بشيء على نطاق واسع. غير أنّ المشهور درجة أقلّ من درجات المعروف في الخطاب (لا في الواقع) التي تبنى عليها المعرفة. أنا لا أستطيع أن أحدّثك عن (هند) أو (زيد) إلاّ إذا كنت تعرف من هما ولن أحدثك عن مشهور من المشاهير باسمه أو بعلامته إلاّ إذا كنت تعرفه. حين أقول لك (جاءني اليوم زيد) و(خبرني عن هند) ستكون عارفا بحيثيات كثيرة عنهما أو على الأقلّ ستراهما قريبين منك لأنك قريب منّي. لكن حين أقول لأبي إنّ «ليوناردو دي كابريو» رائع في أدواره سأكون كمن يحدّث شخصا من كوكب الأرض عن شخص من كوكب المريخ لا لأنّه لا يعرفه بل لأنّه لا يعرف أنّه مشهور.
قد تحدث مشاكل أساسها سوء التفاهم بينك وبين من يعتقد أنّه معروف عندك وعادة ما يكون الخطاب هو الحجّة على ما يعدّه المشهور تقصيرا في المعرفة به أبسطها أنّك لن تسمّيه باسمه؛ يحدث سوء تفاهم لأنّك تعتبره منكورا وهو يعتبرك ناكرا: والغريب أنّ له عليك حُجة من كلامك هي عدم استعمالك اسمه المعرفة؛ وليست لك عليه حجّة لأنّك لا تحتاجها فهو غير مخزّن في الذّاكرة: لأنك لا تعرفه.

٭ أستاذ اللسانيّات في الجامعة التونسيّة

نَاكـِرٌ ومَنْكُورٌ

توفيق قريرة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية