هاجس السيطرة وأزمة البحث عن عدوّ

دعّم الغرب الاستعماري الحركات القومية العربية ضدّ الدولة العثمانية، وسرعان ما غيّر وجهة دعمه لتشمل الحركات الإسلامية، وذلك بعد تنامي المدّ القومي وتشكّل مشروع عروبي هدفه الوحدة العربية والتصدّي للهيمنة الغربية.
ومن جديد يتخلّى الغرب عن دعم الحركات الإسلامية ليعلن الحرب صراحة على الإسلام، تحت مسمّى الحرب على الإرهاب، هذا الإرهاب الذي صُدّر إعلاميا بشكل مُضخّم، بعد أحداث برجي التجارة العالميين. وهم بالأمس القريب درّبوا بن لادن ووفّروا له كلّ أسباب الدّعم لمحاربة السوفييت ومحاصرة الشيوعية.
هكذا تعيش أمريكا ومن ورائها الدول الغربية التّابعة والمتذيّلة أزمة البحث عن عدوّ، لتمرير أجنداتها ومشاريعها الاستراتيجية، وبيع أسلحتها خدمة لاقتصاداتها، غير عابئة بهموم الشعوب والدّمار الذي تُخلّفه مغامراتها المجنونة وحروبها الهمجية.
ومن أجل النفط لا تعبأ الإمبريالية الغربية بكيان مستقلّ، ولا بطموحات الشّعوب وحقّها في العيش بسلام، بل يُقسّم العالم إلى معسكرات وفق ايديولوجية نفعية مموّهة: معسكر الخير في مقابل معسكر الشرّ، تلك الترسيمة التي وفّى بتنفيذها بوش الابن، وهو صاحب الأفق المحدود الذي لا يتعدّى سيناتورا فاشلا في ولاية تكساس. ومثل هذه السيناريوهات تُفهم ضمن مشروع التنميط، الذي يشتغل عليه أكاديميون وباحثون استراتيجيون أمثال، برنارد لويس وغيره، سبيلا لتدجين شعوب بأكملها، باعتبارها متعصّبة لا تمتلك أطرا عقلانية وفق منظورهم، وبالتّالي يجب أن تدخل القفص أو بيت الطّاعة، من دون ذلك تُعتبر المقاومة الشعبية والدفاع عن الأرض إرهابا. ذاك هو الشرق الأوسط الجديد الذي نجده في تنظيرات كُتّاب اليمين الأمريكي المحافظ من أمثال برنارد لويس وصموئيل هنتنغتون ولوران موريفيتش وروبرت كاغان وغيرهم.. وجميعهم يتّفقون حول انتصار الأيديولوجيا الأمريكية ونهاية الوحدة العربية وأيديولوجيتها القومية، إن لم يذهب بعضهم حدّ اعتبار انتهاء العالم الإسلامي ككيان سياسي.
النخب الحاكمة في أمريكا بحثت عن عدوّ جديد بعد انهيار الاتّحاد السوفييتي، وتراجع المدّ الشيوعي وانحصاره ضمن أطر جغرافية محدودة. وقد قادتها الحرب المعلنة على الاسلام منذ أحداث 11 سبتمبر تحت مسمّى الإرهاب إلى إيجاد حلول لأزماتها الاقتصادية، ولا يكون ذلك إلّا بخلق النزاعات واشعال الحروب وبيع الأسلحة، وفرض الهيمنة بالقوّة العسكرية. وهي غافلة عن أنّ العدوّ ليس الإسلام وإنّما تواجه قوى العدل والسلام في العالم، وكلّ من يناصر العدالة والكرامة الانسانية، ويرغب في بيئة نظيفة لا يعيرها ترامب أيّة أهمّية. وليس ذلك بمستغرب عمّن فصلوا مصالحهم الأمريكية عن مصالح البشرية في أنحاء الأرض.
 ليس هناك من تجاوز والحال كذلك في وصف النظام العالمي قديما كان أو حديثا بأنّه «قرصنة عالمية منظمة» بتعبير آدم سميث،  فالتغطية النظرية لنظام الهيمنة العالمية الجديد تتجلّى في اعتقاد صموئيل هنتنغتون وتنظيراته العنصرية التي اعتبر فيها أنّ غالبية دول الشرق الأوسط مصطنعة وحديثة التكوين، واذا ما ضعفت السلطة المركزية إلى مستوى معيّن فلن تجد مجتمعا مدنيا حقيقيا يضمن تماسك الكيان السياسي للدولة ولا شعورا حقيقيا بالهوية الوطنية المشتركة أو ولاء للدولة الأمّة.
إنّه اعتقاد صموئيل هنتنغتون وتنظيراته الموغلة في العنصرية، والحقيقة أنّ هذه النصائح العظيمة إنّما تصدر عن شخص تبنّى التصوّر الاستراتيجي الذي سطّره برنارد لويس ومجموعة من المفكّرين اليمينيين، والذي يرمي لتفتيت العالم الاسلامي وتجزئة الشرق الأوسط، ضمن معطى صراع الحضارات، وإن لم يكن سوى نمط من التفكير يمزج بين العدوانية والسادية.
 إنّ عالم اليوم محكوم بالمصالح وهو ينشد هدفا واحدا هو العلوّ والهيمنة والسيطرة على المقدّرات لذلك بحث الغرب عن اشعال الحرب الطائفية وخلق العداء للإسلام من داخله، واشغال العرب بعدوّ وهميّ اسمه ايران لدفعهم نحو نسيان العدوّ الحقيقي اسرائيل، والعرب في كلّ ذلك يسيرون كالدّواب المعصوبة الأعين إلى مصير مجهول.
كاتب تونسي 

هاجس السيطرة وأزمة البحث عن عدوّ

لطفي العبيدي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية