هجوم باريس يجدد الجدل حول حرية التعبير في الغرب وحدودها

حجم الخط
1

لندن – «القدس العربي»: تجدد الجدل في مختلف أنحاء العالم بشأن حرية التعبير والحدود التي تتمتع بها في الغرب، وما اذا كان مبالغاً فيها أم لا، وذلك في أعقاب الهجوم الإرهابي الكبير الذي استهدف صحيفة «شارلي ايبدو» التي أصرت على نشر رسوم اعتبرها المسلمون اساءة لمشاعرهم.
وتسببت الموجة الحالية من الجدل بشأن حريات التعبير في الغرب في حالة من اللغط إذ أن الصحيفة نشرت الرسوم التي اعتبرها المسلمون انتهاكاً لمشاعرهم، فيما تعرضت لهجوم إرهابي أوقع عدداً من القتلى في صفوف العاملين بها، بما دفعها للرد برسوم مسيئة جديدة وطباعة ملايين النسخ.
وتتباين الآراء في أوروبا والعالم بشأن ما اذا كانت حرية التعبير تتيح للصحافة في أي مكان من العالم المساس بالمعتقدات الدينية الحساسة التي يمكن أن تمثل إنتهاكاً لمشاعر الناس، فيما يتحدث بعض الكتاب والصحافيين عن محاولة بعض وسائل الإعلام الخلط بين الأمرين واستغلال الحريات الصحافية في انتهاك حقوق الآخرين.
ودعا الكثير من الكتاب إلى عدم اعتبار الرسوم الكاريكاتيرية التي نشرتها صحيفة «شارلي ايبدو» بمثابة استهداف للدين الاسلامي، أو أنها تمثل تعبيراً عن «الإسلاموفوبيا» التي يقول البعض إنها تنتشر في المجتمعات الغربية.
وقالت الكاتبة البريطانية ليانا بيرد في مقال لها بجريدة «هافنغتون بوست» الالكترونية إن «الإدعاء بأن الرسوم التي نشرتها الصحيفة الفرنسية نابعة من حالة الإسلاموفوبيا لا يبدو دقيقاً بسبب أن الصحيفة نشرت قبل ذلك رسوماً تمس بابا الفاتيكان، والمسيح، والشخصيات اليهودية» وهو ما ينفي – بحسب الكاتبة- أن تكون الصحيفة استهدفت الإسلام.
وبينما يحاول بعض الكتاب الدفاع عن فكرة نشر الرسوم المسيئة للإسلام على صفحات جريدة فرنسية، فان الكثير من الصحافيين والإعلاميين يرون أن حرية التعبير والحق في الكلام وإبداء الرأي لا يمكن مطلقاً أن تبرر انتهاك مشاعر البشر أو الإساءة لأديانهم.
ويذهب الصحافي والكاتب ووزير الإعلام الأردني السابق سميح المعايطة إلى أن ما يجري حالياً ليس سوى عملية «خلط بين الإساءة وحرية التعبير». ويقول في مقال له إن «التداخل غير الصحيح بين الإساءة وحرية التعبير تجعل بعض قادة أوروبا يدافعون عن الإساءة أو يبررونها باعتبارها حرية تعبير» مؤكداً أن أوروبا تتضرر من هذه الأفعال، داعياً إلى عدم السماح بنشر رسوم مسيئة للرسول الكريم أو للإسلام أو لأي من الأديان الأخرى.
ويذهب الكاتب والصحافي الأردني خالد فخيدة إلى المسار نفسه، حيث يؤكد أن «إدارة الصحيفة الفرنسية المغمورة داست على كل القيم الديمقراطية وأدبيات النشر الإعلامي من أجل مزيد من الشهرة والانتشار، أو أنها قررت الدخول في حلف التطرف والإرهاب من أجل مزيد من القتل والدمار وتوسيع رقعته في هذا العالم، واستقطابه إلى فرنسا واوروبا لابادة ثمار جسر الحوار بين الشرق والغرب، ومنع تقارب الحضارات الذي نجحت فيه كل القوى المحبة للسلام في هذا العالم بعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر تحديداً».
ويضيف: «ما تمارسه صحيفة شارلي ايبدو ليس حرية للتعبير وإنما تهديد للأمن العالمي والفرنسي ولكل من يتعاطف معها قبل أن يكون مساساً بمشاعر المسلمين، وعند غياب القوانين التي تحمي قدسية الأديان، فبكل تأكيد سيكون الباب دائما مواربا لمزيد من العنف والإرهاب».

حرية التعبير في فرنسا

وتكفل القوانين في فرنسا حرية الكتابة والنشر والتعبير والكلام، حيث صادقت باريس على الصكوك الدولية الرئيسية المتعلقة بحقوق الإنسان لا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي تكفل المادة 19 منه حرية التعبير، إضافة إلى العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لسنة 1966 في المادتين 19 و20.
ويقول الموقع الالكتروني لوزارة الخارجية الفرنسية إن باريس التزمت أيضاً بحرية التعبير في إطار الاتحاد الأوروبي، وتخضع فرنسا للرقابة القضائية من المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بشأن تطبيق المادة 10 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان التي تكرس حرية التعبير.
كما اعتمدت اللجنة الوزارية للاتحاد الأوروبي أيضا المبادئ التوجيهية بشأن حرية التعبير والإعلام في فترات الأزمات، والتي تلتزم بها فرنسا أيضاً.
وتؤكد الخارجية الفرنسية أيضاً أن باريس ملتزمة بالدفاع عن حرية التعبير بما في ذلك على شبكة الإنترنت التي أصبحت تمثل حالياً وسيلة كونية لنشر المعلومات والآراء التي تستغلها حركات المعارضة والمدافعين عن حقوق الإنسان والصحافيين على وجه الخصوص.
وكان مجلس الأمن اعتمد بمبادرة فرنسية يونانية وبالاشتراك مع منظمة «مراسلين بلا حدود» القرار 1738 في العام 2006 بشأن حماية الصحافيين في حالات النزاع المسلح بالإجماع، الذي يرمي إلى منع ارتكاب أعمال العنف ضد الصحافيين.
وينص القرار على أن الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة يجب أن يُضمِّن تقاريره بشأن حماية المدنيين في حالات النزاع المسلح مسألة أمن الصحافيين.

محمد عايش

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية