فعلا إن شر البلية ما يضحك.. انتهى زمن الزعماء العظام والعمالقة في العالم، كما يبدو إلى غير رجعة، ليحل محله زمن دونالد ترامب والجنرال عبد الفتاح السيسي.. ولا نقول ذلك تبلِّيا على اي منهما.
كان يتوقع ان يكون محور نقاش زعيم «العالم الحر» مع رئيس مصر «أم الدنيا»، حول شؤون الخلق والخليقة، والقضايا الراهنة، والمصائب التي تحل على منطقتنا، وافضل الأساليب لحلها والخروج منها ليتحقق الأمن والأمان والسلام والاستقرار في هذه البقعة المنكوبة من العالم.
لكن ترامب والسيسي، على ما يبدو، كانا يبثان على موجتين مختلفتين تماما، خلال القمة العربية الإسلامية، التي كانت واحدة من ثلاث قمم شهدتها العاصمة السعودية الرياض، الى جانب القمة الثنائية (الملك سلمان وترامب) والقمة الخليجية، التي كان العامل المشترك بينها شخص دونالد ترامب، الذي لم يصدق نفسه وسط حفاوة لم يحلم بها، ووجد فيها متنفسا وملاذا وبعض الاحترام والدفء الذي يفتقده في بلاده، منذ اليوم الاول لتنصيبه رئيسا للولايات المتحدة زعيمة «العالم الحر».
بدأ الحديث الجنرال السيسي، بتوجيه الإطراء الى ترامب قائلا «انت زعيم فريد.. لكم شخصية متفردة قادرة على فعل المستحيل»، فردَّ عليه الرئيس الأمريكي، «وسط ضحكات الحاضرين»: «أتفق معك». وفي حديث آخر وربما لرد الإطراء أعرب ترامب عن اعجابه بحذاء السيسي الملمع… فقال له «أنا معجب بحذائك يا رجل. يا له من حذاء رائع».
هذه المقدمة ليست سوى المدخل للحديث عن قمم ترامب في الرياض، لا سيما العربية الاسلامية منها، التي حضرها اكثر من50 زعيما خليجيا وعربيا واسلاميا قادمين من كل حدب وصوب، لإظهار النوايا الحسنة لـ«العم ترامب»، أملا في ان تطالهم «طرطوشة من الكعكة». لم يسبق في التاريخ أن نجحت قضية، خليجية كانت أو عربية أو إسلامية في جمع هذا العدد الهائل، من الزعماء المسلمين في بلد واحد، حتى القضية الفلسطينية في أوجها. دول من افريقيا واخرى من آسيا إلى البانيا في قلب اوروبا، اكتشفت اسلاميتها حتى لا تضيع على نفسها فرصة حضور هذا «العرس الجماعي». أكثر من50 ملكا ورئيسا واميرا ورئيس وزراء،تجمعوا في قاعة فاخرة يحتسون الشاي والقهوة، ويحلون بالتمور الفاخرة، وهم يستمعون من الرئيس ترامب إلى محاضرة في الإرهاب وسبل مواجهته… يصب فيها الزيت على النار، ويعمق الشرخ الطائفي في المنطقة، بين ما هو سني بقيادة السعودية وما هو شيعي بقيادة ايران لمواصلة العداوات والحروب.. متجاهلا طبعا عن عمد وسابق إصرار، السبب الحقيقي وراء ما عاشته منطقة الشرق الأوسط خلال العقود الخمسة الماضية، ولا تزال تعيشه، الاحتلال الاسرائيلي وتجاهل الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.. وأن ما تشهده المنطقة في الوقت الحاضر هو النتيجة. ونذكر ايضا بأن تنظيم «الدولة» المسؤول عن المجازر والارهاب في المنطقة، وفي دول اوروبية، ليس شيعيا . هذا لا يعني تبرئة ايران وزبانيتها مما تفعله وترتكبه من مجازر وفظائع في سوريا، سواء عبر أدواتها، النظام وغير النظام. كما لا يمكن تبرئتها من فظائع الحشد الشعبي في العراق.
حقيقة قد لا يدركها الجميع ان ترامب، ورغم تركيزه على ايران كدولة راعية للارهاب وتحريضه عليها، سيحترم ما وقعته ادارة سلفه بارك اوباما معا. والواقع ايضا يقول إن ترامب لن يغير شيئا في هذا الاتفاق النووي الذي وقعته ايضا دول اوروبية اخرى، ولن يسعى الى ضرب ايران أو الدخول معها في حرب، كما يتمنى البعض، ولن يورط نفسه وواشنطن حتى لو كان ذلك من أجل «عيون الحليف السعودي» في أزمة وحرب جديدة في الشرق الاوسط، قبل أن تنتهي الولايات المتحدة من الحروب الست التي لا تزال مستعرة في افغانستان والصومال وليبيا واليمن والعراق وسوريا.
ما يعني أن الهجوم غير المسبوق، الذي شنه على طهران وسياساتها، غرضه ليس أكثر من التحريض وصرف الانظار عن مصدر الخطر الحقيقي، اسرائيل التي لا تحترم قانونا ولا قرارا دوليا، ولم يتطرق في خطابه الى احتلالها للاراضي الفلسطينية، ولو لمرة واحدة حتى من باب المجاملة، كما لم يذكر الاستيطان، ولم يشر الى حل الدولتين.
على مدار يومين باع الرئيس الامريكي المهدد داخليا بالعزل، بسبب فضائحه السياسية، الهواء وأطرب آذان مستمعيه، او بالأحرى بعضهم، بالعزف على وتر إيران. وبما ان الذاكرة العربية قصيرة جدا،نسي الزعماء العرب والمسلمون ما صدر عن ترامب من اهانات واتهامات خلال حملته الانتخابية وما بعدها، اتهامات وإهانات تجاوزت ما قاله مالك في الخمر. ولم يكن التركيز على ايران، سوى ارضاء لفظي لمضيفيه، حتى يتمكن هو من تحقيق الاغراض المرجوة من هذه الجولة:
اولها، التأكيد على أن اسرائيل لم تعد العدو رقم واحد للعرب والمسلمين بل ايران.
ثانيا، محاولة جمع اسرائيل مع الدول العربية، لا سيما الخليجية منها في خندق واحد ضد العدو المشترك المتربص بهم الذي هو ايران.
وثالثا، تمهيد الطريق للتطبيع العربي، خاصة الخليجي العلني، اما المخفي فهو أعظم، وانعكس ذلك بتوجه طائرته مباشرة ولاول مرة من الرياض إلى تل ابيب، خلافا للسياسة الخليجية المعلنة. ورابعا،مساواة النضال الفلسطيني بإرهاب تنظيم الدولة.
خامسا،تحقيق أحد وعوده الانتخابية وهو انعاش اقتصاد بلاده… وقد يكون الوعد الوحيد الذي يمكن ان يحققه ويتفاخر به أمام الشعب الأمريكيّ قبل انتهاء التحقيقات في ما اصبح يعرف بفضيحة «رشيا غيت» التي قد تفضي إلى عزله. وحقق مراده بتوقيع عقود بلغت قيمتها نحو 400 مليار دولار.. وهي أكبر صفقات تعقدها السعودية في تاريخها، نحو 110 مليارات دولار لشراء السلاح، ولن نقول أحدثه مثل طائرات «اف 35» التي تتزود بها إسرائيل، حتى تبقي على تفوقها العسكري على الدول العربية مجتمعة.
طبعا لن يكون شعب المملكة هو المستفيد من هذه الصفقات، فحتى السلاح لن يكون لحمايته. ولن يستخدم لحماية حدودها، إذ لا خطر يداهمها كما يُزعم، انما لفرض هيمنتها وسطوتها على محيطها، بحجة مواجهة «الخطر الايراني الزاحف».
واخيرا صحيح ان ترامب لم ينفذ عمليا نقل السفارة الامريكية من تل ابيب الى القدس المحتلة، ولكنه فعل ما هو اعظم، وهو الاعتراف بيهودية حائط البراق، باعتباره اول رئيس امريكي يزوره وهو لا يزال في البيت الأبيض. ولا عزاء للعرب والمسلمين فمنهم القاتل والمقتول.
كاتب فلسطيني من أسرة «القدس العربي»
علي الصالح