لندن – «القدس العربي»: قبل اكثر من عامين، بدا وكأن الكرة الفرنسية تشهد ثورة في عالم الكرة الاوروبية، بدت وكأنها تخترق البريميرليغ واللاليغا وسيريا آه والبوندسليغا، وتتحداهم من خلال العملاقين الثريين باريس سان جيرمان وموناكو، الا ان انهما اصطدما بواقع مرير، وكأن شهر عسلهما انتهى في وقت لم يشتهيانه.
كأس الابطال الفرنسية، أو المرادفة للكأس السوبر في كل البطولات المحلية حول العالم، لم تقم في باريس أو في أي من الاراضي الفرنسية، بل نجح بطل الدوري باريس سان جيرمان في الفوز على بطل الكأس غوينغان 2-0 في العاصمة الصينية بكين، والسبب تجاري بحت، أدرك من خلاله مسؤولو الكرة الفرنسية ان ملايين سان جيرمان وموناكو لن تكون كافية لجذب الاهتمام والانتباه العالمي المرجو للدوري المحلي.
باريس سان جيرمان يبدو مرشحاً فوق العادة لاحراز لقب الدوري للمرة الثالثة على التوالي، فهو الوحيد الذي بامكانه ان ينفق بعشرات الملايين على لاعب واحد، حتى أنه نجح في دفع 50 مليون جنيه لضم مدافع تشلسي النجم البرازيلي ديفيد لويز قبل المونديال، كي يحسب من مصاريف الموسم الماضي، والسبب لتفادي المزيد من عقوبات اليويفا على كسر قانون العدل المالي، ليبدأ الموسم الجديد نظيفاً من دون أي ديون أو مصاريف أكثر من مداخيله، ومن بعدها وفي مطلع الموسم الجديد لم يضف سان جيرمان الى صفوفه سوى المدافع الايفواري سيرجي أورييه من تولوز، لكن على سبيل الاعارة، كي يتفادى دفع أي مبالغ كبدل انتقال. وهي حيلة جديدة للالتفاف على القانون الاوروبي، رغم ان تولوز حظي بعدد كبير من العروض للاعب ذاته في مقابل بدلات انتقالات مغرية.
ويبدو ان الحل الحالي للنادي الباريسي هو اما ان يستمر في اقناع الاندية المنافسة للتخلي عن نجومها على سبيل الاعارة لتفادي دفع بدلات انتقالات عالية، أو أن عليه بيع نجومه ليحظى بمداخيل كافية لانفاقها على نجوم جدد، وهو فعلاً يحاول التخلي حالياً عن الارجنتينيين ايزيكيل لافيتزي وخافيير باستوري والبرازيلي ماركينيوس.
في المقابل، نجد موناكو وصيف البطل الموسم الماضي، والغريم التقليدي لسان جيرمان في القوة الشرائية، باع أحد أفضل نجومه، هداف المونديال خيميس رودريغز لريال مدريد في مقابل أكثر من 80 مليون يورو، وأيضاً باع مهاجمه ايمانويل ريفيريه الى نيوكاسل في مقابل نحو 10 ملايين يورو، والأنكى انه قد يتخلى عن نجمه الأول الهداف الكولومبي رداميل فالكاو العائد حديثاً من اصابة طويلة، ويتصارع على خدماته ريال مدريد وليفربول ومانشستر سيتي. ومع ذلك فان خسارة رودريغز، الذي كان اللاعب الاكثر صنعاً للاهداف الموسم الماضي في الدوري الفرنسي، يعد المؤشر الابرز الى عدم قدرة موناكو في مجاراة عدوه الباريسي وقدرته على كبح جماحه في طريقه الى احتكار ألقاب مسابقات الكرة الفرنسية، ومن المثير أيضاً مراقبة نية رئيسه الروسي الثري دميتري ريبولوفليف ورغبته في اعادة استثمار المبالغ التي حصل عليها من بيع نجومه في تعزيز صفوف فريقه، حيث اعترف النادي باهتمامه في ضم ثنائي شاختار دونيتسك البرازيليين دوغلاس كوستا وأليكس تيكسييرا، ونجاح موناكو في ضمهما قد يعني قدرته على تعويض فقدان صانع الاهداف الاول، رغم ان هذا قد لا يكون كافياً لازاحة باريس سان جيرمان عن عرش الدوري المحلي، في ظل مشاركته في دوري أبطال أوروبا.
وبرحيل مدربه السابق كلاوديو رانييري، وتعيين ابن الاربعين عاماً البرتغالي ليوناردو جارديم مكانه، فانه يتعين على موناكو تحديد أهدافه بسرعة، ان كان سيزاحم وينافس محلياً فان عليه تعزيز صفوفه بأسرع وقت، في ظل قدوم المدرب الجديد.
وفي الواقع، فان عدم الاستقرار هو السمة السائدة في الدوري الفرنسي هذا الموسم، فنحو نصف أندية الدرجة الاولى الفرنسية بدلت مدربيها، وغالبيتها الساحقة قلصت ميزانياتها، فصفقة الـ5 ملايين يورو التي دفعها مرسيليا لضم الجناح رومين أليساندريني من رين هي الصفقة الاكبر بعد صفقة لويز، لتختفي الصفقات الكبيرة والرنانة والنجوم اللامعين، على عكس نوعية المدربين الجدد، فبوردو أمضى أسابيع طويلة في محاولة الحظي بخدمات الاسطورة الفرنسية زين الدين زيدان، الذي فضل البقاء مع ريال مدريد، فبدلاً ان يكون مساعداً لكارلو أنشيلوتي فانه فضل ان يدرب الفريق الثاني (الرديف) في النادي الملكي، ليعين بوردو نجماً فرنسياً سابقاً هو ويلي ســانيول. في حين ترك كلود مكاليلي منصبه مساعداً للمدرب في باريس سان جيرمان ليصبح مدربا لباستيا، وهو المنصب التدريبي الاول في مسيرته.
ليون قرر منح الفرصة لتدريبه للمغمور هوبير فورنييه، وهي الوظيفة الأكبر في مسيرة ابن السادسة والاربعين عاماً، بعدما نجح في اصعاد ريم الى الدرجة الاولى بعد غياب 33 عاماً، ونجح في ابقائه فيها الموسم الماضي. لكن مع التقشف الذي يعيشه ليون، فانه يتعين على فورنييه الاعتماد على نتاج أكاديمية النادي، رغم ان كبار اوروبا يحومون حول أبرز صغار ليون أمثال كليمين غرينييه وصامويل اوميتي. لكن من الايجابيات في ليون ان قائد الفريق ماكسيم غونالون قرر البقاء رغم عرض مغر من نابولي، مثلما يبدو ان النجم الآخر يوان غوركوف سيبقى في الفريق، رغم ان ليون عانى في استخراج أفضل ما لديه عقب سنوات من المعاناة من الاصابات المستمرة، وعرض عليه رئيس ليون جان ميشيل أولاس تجديد عقده، براتب أقل، على أن يخسره من دون مقابل الموسم المقبل، عقب انتهاء عقده.
ومع تعيين والد غوركوف، مدرباً للمنتخب الجزائري، فان ذلك سيعني ان فريقه السابق لوريان سيبحث عن مدرب جديد للمرة الاولى في أكثر من عشر سنوات، حيث نجح غوركوف في جعل لوريان قوة محلية يعتد بها، بفضل الأسلوب الجميل الذي انتهجه الفريق، ما دفع بادارة النادي الى منح مهمة تدريب الفريق خلفاً له، الى مساعده سيلفان ريبولي في مساع للاستمرار على النهج ذاته.
لكن أكثر التعيينات الجديدة التي ستلفت الانظار والاهتمام، تعيين مرسيليا للمدرب الارجنتيني مارسيلو بييلسا، الذي أمضى أسابيع الصيف في اجراء عدد كبير من التغييرات على الفريق والبيئة التي يعشها النادي، من تغيبر حجم الملعب التي يخوض عليه الفريق تدريباته، الى انشاء جناح للتحليل عن طريق مشاهدة ما يقوم به اللاعبون، لكن أهم من كل ذلك هو زرع خطة لعب جديدة. وكعادو المدرب الارجنتيني فان هذا الاسلوب الجديد يعتمد على الضغط العالي المتواصل. وحتى الآن لم يعرب لاعبو مرسيليا الا عن رضاهم على التغييرات الجديدة وعلى مدربهم الارجنتيني، الذي سبق له زرع هذا الأسلوب في خطط المنتخب التشيلي وفريق اتلتيك بلباو الاسباني، وانعكس ذلك على عروض ونتائج مرسيليا في المباريات الاستعدادية، لكن يظل الموسم الطويل حكماً على قدرة اللاعبين في الاستمرار في تطبيق هذا النهج القاسي والمرهق.
خلدون الشيخ