تواصلت الاشتباكات بين قوات المعارضة المنضوية في لواء مجلس دير الزور العسكري التابع لقوات سوريا الديمقراطية، «قسد»، مع قوات النظام السوري والقوات العشائرية الممثلة بلواء الباقر والميليشيات الأجنبية الشيعية وأبرزها لواء «فاطميون» الأفغاني.
وصد مقاتلو المجلس العسكري تقدما لقوات النظام والقوات الرديفة معها في محور بلدتي جديد عكيدات ـ الطابية شرق مدينة دير الزور، وحشدت قوات النظام أعدادا كبيرة من مقاتلي العشائر بهدف السيطرة على البلدتين الواقعتين شرق نهر الفرات. وساند التحالف الدولي الذي تقوده أمريكا مقاتلي المجلس العسكري، وقصف مقرين لقوات النظام إضافة إلى الجسر المائي الذي وضعته روسيا بعد إحكام النظام سيطرته على دير الزور، ما أدى إلى مقتل العشرات من ميليشيا العشائر التابعة للنظام السوري. ويصل الجسر المائي بين مدينة دير الزور وضواحيها الواقعة شرق النهر والتي تعتبر الصالحية وحطلة أهمها، وتمتد مناطق سيطرة النظام إلى خشام شرقا. مصادر عسكرية في قوات سوريا الديمقراطية شرق البلاد أكدت انسحاب أعداد كبيرة من «وحدات حماية الشعب» باتجاه منبج وعفرين، لتبقى القوات العربية في مجلس دير الزور العسكري وحيدة في مواجهة النظام منذ قرابة الأسبوعين. هذا التطور خلق إرباكا وسط مقاتلي المجلس وفسر أنه رغبة أمريكية بالتخلي عن بعض المناطق في شرق سوريا لصالح روسيا، لينفي القصف الأمريكي نية تراجع منطقة النفوذ الأمريكي عن الأماكن المتواجد فيها شرق الفرات.
مصادر محلية قالت لـ «القدس العربي» أن التطورات الميدانية بدأت عندما قصفت قوات النظام بلدتي الطابية وجديد عكيدات ومحيط حقل كونيكو إلى الشمال منهما، والذي يعتبر أحد أهم مقار تمركز قسد». وأكدت المصادر وقوع أكثر من ثلاثين قتيلا لميليشيا الباقر قرب الجسر المائي، إضافة إلى عشرات آخرين في جديد عكيدات والطابية، في حين نشرت شبكة فرات برس المعارضة نقلا عن مصدر طبي من المستشفى العسكري في دير الزور أن أعداد قتلى النظام «ارتفع إلى 137 بسبب القصف الأمريكي على مواقع قوات النظام».
وأعلن التحالف الدولي، الخميس، أن «قوات موالية للنظام شنّت في السابع من شباط/ فبراير هجوماً لا مبرر له» على مركز لحليفته «قسد» شرق نهر الفرات في محافظة دير الزور الحدودية. وقال التحالف إن عناصر من قواته، وصفها بقوة «استشارة ودعم ومرافقة» كانت تتمركز مع «قسد» عندما شنت قوات النظام الهجوم.
وعن رده على مصادر النيران أوضح أن «التحالف شن غارات على القوات المهاجمة بهدف صد العمل العدائي ضد قسد»، وبرر الرد بأنه يأتي ضمن «إطار الدفاع المشروع عن النفس» حسب البيان.
وصرح المتحدث باسم عمليات التحالف الدولي ضد تنظيم «الدولة» (داعش)، الكولونيل توماس فييل، مساء الأربعاء، أن القوات الحكومية التابعة للنظام قصفت ما بين 20 إلى 30 قذيفة مدفعية على موقع «قسد»، وأن هجومها أسفر عن جرح مقاتل واحد فقط تابع لـ»قسد». وأضاف «قامت قوات سوريا الديمقراطية مدعومة بقوات التحالف بالرد دفاعا عن النفس». وفسر هدف النظام من هذا الهجوم أنه محاولة للاستيلاء على حقل خشام النفطي الذي سيطرت عليه «قسد» نهاية أيلول/ سبتمبر الماضي. وتأتي العملية في سياق الانتقاد الروسي لشرعية التواجد الأمريكي في سوريا والذي اعتبرت موسكو مرارا أن مبرره قد انتهى مع انحسار تنظيم «الدولة الإسلامية». ويعتبر القصف الأمريكي هو الأوضح على مقدرة الردع الأمريكي في مناطق شرق نهر الفرات، والتي تعتبرها واشنطن منطقة نفوذ خاصة بها وبحلفائها.
هجوم قوات النظام شرق النهر يفسر بأنه محاولة رصد ردة الفعل الأمريكية، ويأتي كاختبار ليس للعلاقة مع أمريكا وحدها، وإنما لعلاقة واشنطن مع حليفتها الوحيدة في شرق البلاد (أي «قسد»)، خصوصا مع توتر العلاقة والغضب الكردي من الصمت الأمريكي على العملية التركية في عفرين.
أمريكا بدورها كانت أبلغت جميع الأطراف بأنها معنية بحماية حلفائها في شرق النهر ولن تسمح لأي قوة دولية أو محلية بتجاوز المنطقة المرسومة. وبقدر فرحة «قسد» إزاء تدخل القوة الأمريكية لصالحها، إلا أن ذلك سيثير أسئلة جديدة وشكوكا عن الالتزام الأمريكي في المناطق التي تسيطر عليها «قسد» غرب نهر الفرات، وتحديدا منبج وتل رفعت، بعد أن تخلت عن مساندة حليفتها في عفرين مؤخرا وأعطت ضوءا أخضر لتركيا للتدخل في منطقة عفرين ولم تسجل أي اعتراض صريح على تلك العملية.
الصمت الأمريكي في منطقة غرب النهر والرد الفوري شرق النهر سيفتحان شهية أنقرة على طرد «وحدات حماية الشعب» الكردية من منبج. وسيساعد في ذلك أن أغلبية أهالي المنطقة من العرب، على عكس العملية الصعبة في عفرين والتي من غير الواضح أنها ستحسم قريبا بشكل عسكري، وهذا قد يفتح قريحة أنقرة على توسيع جغرافية معركة «غصن الزيتون» إلى منبج. وكانت تركيا قد هددت مرات عديدة أنها ستطرد من تصفهم بالإرهابيين جنوب حدودها.
وكانت وزارة الخارجية والمغتربين في حكومة النظام السوري قد أدانت القصف الأمريكي ووصفته بـ«العدوان». وجاء في رسالة وجهتها إلى الأمين العام للأمم المتحدة ورئيس مجلس الأمن أن «مجزرة وحشية ارتكبتها الطائرات الأمريكية بحق قوات شعبية سورية كانت تتصدى لتنظيم داعش الإرهابي».
قتلى حلفاء النظام يشير إلى أنه دفع بالقوات العشائرية المحلية لرصد رد الفعل الأمريكي، ولم يرسل قوات الحرس الجمهوري أو قوات الفرقة الثالثة لأنه كان يخشى خسارتها. والهدف الآخر هو تعزيز الخلاف العشائري بين القبائل والعشائر السورية في شرق الفرات، ووسم الهجوم بأنه من تنفيذ لواء الباقر المقرب من الشيخ نواف البشير، شيخ عشيرة البكارة مع أبناء عمومته وباقي الأفخاذ القبلية شرق دير الزور حيث يبدأ انتشار قبيلة العكيدات أيضا.
لكن الرد الأمريكي سيحفز أبناء القبائل في شرق الفرات على العودة إلى بلداتهم وقراهم والانضمام إلى قوات المجلس العسكري في دير الزور، وهو التشكيل العربي الذي يتبع «قسد» في محافظة دير الزور. وهذا على عكس الفترات السابقة في المنطقة، حيث تسرب مقاتلون منه إلى مناطق سيطرة النظام، وأجروا مصالحات، وانضموا إلى القوة العشائرية مع النظام.