هل سينجح روحاني في تحقيق وعوده الداخلية بعد الفوز أيضاً في المجالس البلدية؟

حجم الخط
0

تستمر هزائم المحافظين المتشددين في إيران الذين غيروا اسمهم إلى «أصوليين»، ولا تتوقف عند خسارة الرهان على مجلس الشورى الاسلامي (البرلمان)، ولا في السباق الساخن على منصب الرئيس، إذ سحب الإصلاحيون ومعهم المعتدلون أنصار الرئيس حسن روحاني البساط من تحتهم في الانتخابات البلدية للمدن الرئيسية في البلاد، رغم أنهم لا يزالون يشكلون الرقم الصعب في الشارع وحصدوا أكثر من 16 مليون ناخب قدموا أصواتهم لمنافس الرئيس الحالي حسن روحاني في انتخابات الرئاسة.
وإذ أصبحت أول وثاني وثالث مدن إيران، طهران ومشهد وأصفهان، وكذلك شيراز ويزد، وكرج قرب طهران وزهدان تحت إدارة كاملة للإصلاحيين وحلفائهم المعتدلين، إلى جانب مدن أخرى كثيرة.
وكانت مشهد وأصفهان حتى الانتخابات الأخيرة التي جرت يوم الجمعة الماضي تحت سيطرة المحافظين المتشددين الذين يديرون أيضا بلدية طهران منذ 14 عاما.
وبات الإصلاحيون والمعتدلون يشكلون الغالبية في تبريز وقزوين وبندر عباس. وأفرزت الانتخابات في مشهد الدينية المقدسة، فوز وجوه إصلاحية جديدة لم تعهدها المدينة التي تسيطر عليها المؤسسة الدينية التقليدية من قبل.
وقد أظهرت تلك النتائج عدم رضا سكان «المدينة المقدسة» عن أداء المجلس البلدي السابق الذي سيطرت عليه شخصيات اصولية متشددة خلال الدورة السابقة، وأشارت إلى حدوث جذري وملموس وسط توقعات بتحسن أداء من سيديرون شؤون مدينتهم. وحصد المتصدر في هذه الانتخابات على ضعف الأصوات التي حصل عليها المتصدر في الانتخابات البلدية السابقة التي جرت قبل أربع سنوات. الأمر الذي يظهر نسبة مشاركة أكبر مقارنة بالانتخابات السابقة.
في الانتخابات السابقة شارك أكثر من مليون و145 ألف ناخب في التصويت لانتخابات مرشحيهم في المجلس البلدي لمشهد، إلا أن الانتخابات الأخيرة شهدت إقبالاً أكبر حيث وصل عدد من صوتوا مليون و 422 ألف شخص، وأظهرت هذه النسبة مدى اهتمام سكان المدينة في إحداث التغيير الجدي ومدى زيادة نسبة الوعي لدى السكان، وتحديهم الواضح لسلطة المتشددين.
ويرى متابعون أن رئيس بلدية مشهد السابق والمجلس البلدي السابق الذي سيطرت عليه شخصيات مقربة من المؤسسات الدينية المتشددة والحرس الثوري، حولوا جلسات المجلس البلدي إلى ناد سياسي كان يركز كثيرا على المواجهة مع حكومة روحاني ويتخذ سياسات متطرفة بهذا الشأن، وسعى خلال الأربع سنوات الماضية إلى تخريب شخصية الرئيس حسن روحاني ومناصريه من المعتدلين بمن فيهم الإصلاحيون، وفشل في استقطاب النخب من المثقفين والفنانين في المدينة، كما أن المجلس البلدي، اختار شخصية لرئاسة بلدية مشهد من غير سكان المدينة، كان يفتقر للخبرات الكافية التي تمكنه من إدارة شؤونها.
وتعاني مشهد أساسا من مشاكل عدة كانت السبب في إقبال الناخبين فيها على انتخاب المرشحين الإصلاحيين بشكل خاص، مثل إصدار تراخيص بناء المباني الشاهقة التي تشوه منظر المدينة، والازدحام المروري الخانق، والتلوث البيئي، والفشل في ترميم المباني الأثرية في المدينة، وعدم الاستثمار في بناء الحدائق وأماكن الترفيه للسكان، وركود سوق الاستثمار والعقارات وهروب المستثمرين الإيرانيين أو الاجانب من المدينة، وغيرها. وعلى الرغم من كل تلك المشاكل إلا أن المجلس البلدي السابق كان له أداء ملفت بخصوص الاهتمام بسكان الضواحي، واكتشاف النهر الجديد، وبناء سكك حديد جديدة في المدينة.
وسيستلم المجلس البلدي الجديد الذي يضم أغلب أعضائه من قائمة «الأمل» الإصلاحية المعتدلة مهامه في ايلول/سبتمبر المقبل. ويشكل أكثر أعضاء المجلس من الشباب الحاصلين على شهادات عليا في تخصصات لها علاقة بالبلدية وإدارة المدن الذين وضع السكان فيهم آمالا كبيرة في بناء وتطوير البنى التحتية للمدينة والأوضاع المعيشية للسكان.
وفي طهران لا يختلف الأمر كثيراً، فقد عززت النساء حضورهن فيها، وفي مدن أخرى، حيث أصبحن ستاً بين 21 عضوا في المجلس البلدي في العاصمة.
في أردبيل أحد أكبر معاقل القومية الآذرية، تقدمت امرأة إصلاحية على بقية الأعضاء البلديين. وفي محافظة سيستان بلوشستان ذات الأغلبية السنية، انتخبت 415 امرأة مقابل 185 في الدورة السابقة، وهو نتيجة سياسة روحاني الذي يعطي المزيد من الأهمية لمكانة النساء رغم ضغوط المتشددين، إذ عين الرئيس في هذه المحافظة عدة نساء في مناصب قيادية بارزة في مراكز إدارية في السنوات الماضية، ورشحت بلدة «أفضل آباد» 15 عضوا للمجلس البلدي جميعهن نساء.
كذلك في هذه المنطقة التي تضم عددا كبيرا من السنة، نال روحاني 75 في المئة من الأصوات مقابل 57 في المئة على مستوى البلاد. أما في كل من مدينتي مشهد وأصفهان ففازت امرأتان بعضوية المجلس البلدي المؤلف من 15 عضوا. وفي رشت المدينة التي تعد 700 ألف نسمة في شمال إيران، انتخب عامل جمع نفايات يبلغ من العمر 42 عاما عضوا بلديا. وقال محمد حسن علي بور الذي يعمل في جمع النفايات منذ حوالي عشر سنوات رغم أنه حائز على شهادة ماجستير في العلاقات العامة، فسيحضر اجتماعات المجلس البلدي وهو في ثياب العمل. وفي خرم آباد القريبة من الحدود العراقية تصدر ولي الله رستمي نجاد، بائع الطيور المتجول البالغ 60 عاما، الانتخابات البلدية بـ40 ألف صوت.

حقوق الإنسان

هذه الانتصارات لروحاني وحلفائه ستخفف من الأعباء المفروضة عليه للوفاء بالتزاماته خصوصاً فيما يتعلق بالسجناء السياسيين، وزعيمي الاصلاح مير حسين موسوي ومهدي كروبي اللذين تفرض عليهما الإقامة الجبرية منذ 2011. ولدى الرئيس روحاني سجل مختلف عما يدعو إليه ويعد ناخبيه في مجال حقوق الإنسان منذ حملته الانتخابية الأولى في 2013 حتى الآن.
فقبل أربع سنوات كانت حملته الانتخابية تركز على وعود كتحسين الأوضاع الاقتصادية وإنهاء أزمة الملف النووي مع المجتمع الدولي، والأهم من ذلك كانت حملته تلك تركز أساسا على تحسين الحريات المدنية التي لم ينجح في تحقيقها.
ومن بين وعود روحاني حينها أيضاً، إلغاء القيود السياسية والثقافية والاجتماعية المفروضة على المجتمع الإيراني.
ورغم تلك الوعود إلا أن منظمات الحراك المدني ومنظمات الدفاع عن حقوق الإنسان لا تزال تقول إن أوضاع حقوق الإنسان في إيران لم تتحسن منذ تولي حسن روحاني رئاسة البلاد حتى الآن، كما أن بعض المراقبين أكدوا أن أوضاع حقوق الإنسان تزداد سوءا بسبب أداء المحافظين المتشدد في القضاء بشكل خاص.
وتذكر تقارير أنه ومنذ أربع سنوات تعرض الكثير من أبناء الطائفة البهائية، و«المسيحيون الجدد» وأعضاء المجموعات الصوفية، للاعتقال أو تمت محاكمتهم بتهم لها علاقة بمعتقداتهم الدينية.
وفي شباط/فبراير الماضي أشارت مقررة الأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان في تقريرها إلى ما وصفتها بـ«القيود المتزايدة» على حرية التعبير التي تمارس ضد الأقليات الدينية والعرقية في إيران، كما أنها انتقدت بشدة هذه الممارسات.
ولم تتمكن حكومة روحاني من إحداث أي تغيير في رفع القيود المفروضة على الحريات والنشاط الصحافي لوسائل الإعلام في البلاد. فخلال السنوات الأربع الماضية واجهت الصحف ووكالات الأنباء الإيرانية سياسات من قبل القضاء وصفت بـ «القمعية المتشددة» حيث تم إعتقال الكثير من الصحافيين، بتهم لها علاقة بنشاطهم الصحافي الذي يكفله الدستور.
كذلك سجلت فترة رئاسة روحاني الأولى علامة فارقة تزامنت وتوليه الرئاسة وهي إرتفاع عدد الإعدامات مقارنة بالسنوات السابقة.
ورغم أن السلطة القضائية هي المسؤولة عن إصدار أحكام الإعدام وتنفيذها في البلاد إلا أن من الملاحظ أن الحكومة لم تقم بأي جهد يذكر لوقف تلك الإعدامات.
ومن جهة أخرى فإن المحامية الفائز بجائزة نوبل للسلام شيرين عبادي، تقول بأن سجل حكومة روحاني غير مقبول في ما يتعلق بملف حقوق الإنسان في إيران. وقالت عبادي لمنظمة «الحملة الدولية لحقوق الإنسان في إيران» إن وزارة الاستخبارات في حكومة روحاني، كانت السبب وراء اعتقال الكثير من الصحافيين والناشطين في مجال الحقوق المدنية، وحسب قولها، لا يمكن لروحاني أن يتهرب من المسؤولية في هذا الملف، لأنه يتولى رئاسة السلطة التنفيذية، وأن تلك الوزارة جهة حكومية.
ويعتبر الكثير من منتقدي روحاني أن أداء الحكومة لم يكن مرضيا في مجالات عدة، وإنها لم تقم بالإجراءات الكافية لتحسين وضع النشطاء في مجال الحقوق المدنية والدفاع عن حقوق الإنسان.

وزارات خامنئي

ويشكو الكثير من دعاة الاصلاح وحتى المعترضين على نتائج انتخابات العام 2009 ومنهم من اضطر إلى مغادرة البلاد، من تجاوزات وزارة الاستخبارات (إطلاعات) وذكروا أن الكثير من العائدين إلى البلاد استجابة لدعوة الرئيس لفتح صفحة جديدة، للمشاركة في بناء إيران، تم اعتقالهم في المطار، ووجهت لهم تهم خطيرة وهي «العمل على تقويض الأمن القومي، والتجسس للأجانب، ونشر الأكاذيب»، وبذلك يطالب هؤلاء الرئيس بتغيير وزراء حكومته في دورته الثانية التي يكون فيها أكثر تحرراً من القيود، باعتباره ما عاد يملك شيئاً يخاف عليه ليخسره، إلا الإيفاء بوعوده الانتخابية.
وربما تكون هذه المطالَب مشروعة، لأن الرئيس يملك الحق الدستوري ليختار وزراء حكومته المقبلة، لكن ما تعودت عليه إيران يمنع روحاني من بسط يده على بعض الوزارات، وذلك لأنه ومنذ تأسيس الجمهورية الإسلامية وتحويل جهاز «استخبارات رئاسة الوزراء» إلى وزارة الاستخبارات، فان اختيار الوزير يجب أن يتم بالتشاور مع المرشد الأعلى، أو أن المرشد الأعلى هو من يقترحه، بالإضافة إلى وزير الدفاع. ولعل واقعة إقالة وزير الاستخبارات الأسبق حيدر مصلحي الذي عمد إليها الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد في رئاسته الثانية، وما تلاها من تداعيات، أدت في النهاية إلى منع أحمدي نجاد من الترشح للانتخابات الأخيرة، ووضعه في خانة غير الموالين للمرشد، تظل في ذهن روحاني، وتجعله يتقيد بالعرف السائد حول ما يسمى بـ «وزارات المرشد».

هل سينجح روحاني في تحقيق وعوده الداخلية بعد الفوز أيضاً في المجالس البلدية؟

نجاح محمد علي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية