كانت محاكمة سياسية قضائية تاريخية لجماعة الإخوان، لمؤسسها وتاريخها وتكوينها ونشاطها، وليس لقيادتها الحالية فقط. وكان حكما باعدام اكبر حركات الاسلام السياسي واقتلاعها من جذورها. حكم ينم عن رغبة الدولة المصرية العميقة في اقتناص ما تراه فرصة تاريخية نادرة للقضاء على خصم لدود، تعتبر انه دفعها الى حافة الانهيار للمرة الاولى منذ توحدت على ايدي الفرعون مينا قبل الاف السنين.
وبدت المقدمة الغاضبة لأحكام الاعدام التي اصدرتها محكمة جنايات القاهرة في السادس عشر من شهر يونيو 2015 بحق اكبر الرؤوس في الجماعة كـ»اعلان انتصار» من وجهة نظر دولة مثخنة بالجراح، لكنها اثبتت انها عصية على التفكك او الاحتواء او السرقة كما تمنى البعض. وليس مستغربا ان تحدث الاحكام اثارا كالزلزال، سواء محليا او اقليميا، قد يبقى بعضها تحت الارض، وهو ما لا يجب معه التقليل من اهميته. وكما اشرنا في مقال سابق فان المسار القضائي مازال طويلا حتى تصبح تلك الاحكام الاولية، التي صدرت الثلاثاء الماضي نهائية وباتة، وهو ما قد يستغرق شهورا طويلة في بعض القضايا، بدون ان يعني هذا استبعاد تنفيذ بعضها بنهاية العام الحالي او مطلع العام المقبل. وكنا توقفنا عند تحليل الاعتبارات المحلية والاقليمية والدولية في امكانية تنفيذها.
وبداية يجب ان ندرك انه لا يمكن وضع الرئيس الاسبق محمد مرسي في الكفة نفسها مع قيادات الاخوان. ولعل ثمة اتفاق ضمني على ذلك بين النظام والجماعة، وهو ما يبدو واضحا في سلوك مرسي، الذي اصبح يتسم بالهدوء امام المحكمة، مقارنة مع ما يبديه الاخرون من تحد واستهزاء وابتسامات عريضة وساخرة لا يصدق احد انها حقيقية. وتأسيسيا، ورغم أن مبادرات مصالحة (اعلامية) عديدة تطايرت في الهواء منذ قرار احالة اوراق مرسي وقيادات الاخوان للمفتي، وان الجماعة تشهد انقساما مريرا، وصفه البعض بانقلاب على قيادتها الشرعية، او صراع على القيادة، يستخدم خلافا مزعوما بين دعاة العنف والسلمية للتمويه على ما وصلت اليه الجماعة من تفكك واحتراب داخلي، الا ان الواقع يبقى ان ايا من قيادات الجماعة لم يقدم اي مشروع رسمي للمصالحة الوطنية حتى الان. ويؤدي هذا الى اعفاء النظام من عبء سياسي هائل، إذ أنه من الاسهل عليه مواجهة جماعة اصبح بعض اعضائها يعلنون مسؤوليتهم عن اعمال العنف، من الاضطرار الى الرد سياسيا على مشروع مصالحة وطني حقيقي ينبذ العنف ويتعهد عدم العودة اليه، حتى في ظل الانسداد السياسي الذي يفرضه النظام حاليا بحجة مكافحة الارهاب، بل ان احد قيادات التنظيم في الخارج نشر رسالة ظاهرها الدعوة الى الانقاذ، بينما تحوي دعوة صريحة للجيش المصري للانقلاب على الرئيس عبد الفتاح السيسي. وهو ما يتعارض مع الموقف المعلن للجماعة الرافض للانقلابات العسكرية، ويمنح الشرعية ضمنيا بالتالي للنظام الحالي. لكن الاخطر في هذه الرسالة انها تكشف عن مدى خطأ القراءة السياسية للبعض في الجماعة للواقع السياسي في مصر، اذ تفترض ان مشكلة الاخوان تكمن في شخص السيسي، وان قائدا اخر من الجيش ربما يعيد مرسي الى الحكم (..). بينما الحقيقة هي العكس تماما، اذ ان اختفاء السيسي عن المشهد حاليا سيؤدي غالبا الى حكم ديكتاتورية عسكرية مباشرة تعمد بدعوى «انقاذ الدولة» الى تصفيات جماعية ومباشرة لحركات الاسلام السياسي وروافدها، عبر محاكمات عسكرية سريعة يعترف الدستور المصري، سواء الحالي او حتى السابق المعروف اعلاميا بـ»دستور الاخوان» بشرعيتها.
كما تقدم الرسالة دليلا اخر على التخبط السياسي الذي اظهره الاخوان منذ وصولهم للحكم بدءا من (الاعلان الدستوري) الشهير الى كيل الشتائم للجيش المصري واتهامه بالعمالة، وهو ما تقر الرسالة بخطئه وتتراجع عنه.
وقد ذكرني هذا بما شاهدت وسمعت عندما زرت اعتصام رابعة بعد ساعات قليلة من عزل مرسي مساء الثالث من يوليو 2013، اذ اكد لي كل من قابلت من المعتصمين تقريبا ان «الجيش الثاني الميداني والحرس الجمهوري اعلنا انضمامهما الى مرسي ورفض الانقلاب عليه»، وعندما سألتهم عن مصدر تلك الانباء قالوا بثقة كبيرة انها جاءت من قيادات الجماعة (..). وكالعادة كان الواقع هو العكس تماما، إذ ان الحرس الجمهوري هو من اعتقل مرسي، اما الجيش الثاني فسرعان ما اصبح اكثر من تكبد الخسائر دفاعا عن النظام الجديد.
اما عن علاقة هذا باحكام الاعدام الخاصة بقيادات الجماعة، فانها علاقة مباشرة، اذ ان النظام لا يرى في الجماعة طرفا سياسيا متماسكا قادرا على رؤية الواقع كما هو واتخاذ القرار الصحيح، بعد ان تحولت الى اجنحة متنازعة فقد اغلبها زمام المبادرة، وسلم قراره الى جهات خارجية. وبكلمات اخرى فان سلوك الجماعة واخطاءها تسهل على النظام تنفيذ احكام الاعدام، بل تدفعه اليها دفعا، خاصة مع استمرار اعمال العنف التي تؤمن غطاء شعبيا كافيا يتراوح بين التأييد وعدم الممانعة، املا في ان تتحسن الاوضاع وتستقر بعد سنوات صعبة عوقب فيها على ثورته في 2011. أما الذين يظنون ان السيسي قادر في ظل هذه المعطيات على اصدار عفو شامل عن قيادات الجماعة فعليهم ان يراجعوا انفسهم، اذ ان ذلك لن يكون الا سلوكا انتحاريا يضعه في مواجهة تيار شعبي جارف ومؤسسات نافذة قدم بعضها الاف الضحايا في مواجهات اعلن بعض قيادات الاخوان صراحة انهم يقفون وراءها حتى عودة مرسي للحكم.
ولا يشمل هذا التحليل مصير الحكم باعدام الرئيس المعزول محمد مرسي، كما لا يعني تاييدا لاستخدام احكام الاعدام كوسيلة لحل خلافات سياسية، بل على العكس انه محاولة لاعادة الصراع الى الاطار السياسي عبر توضيح اهمية ان تراجع الجماعة اخطاءها بل وخطاياها التي وصلت الى توجيه الاهانات الى بعض ابناء الشعب الذي تنتمي اليه، من مؤيدي الجيش بوصفهم بـ”عبيد البيادة” وما الى ذلك. وللاسف لا يمكن للمراقب ان يتفاءل كثيرا بحدوث تلك المراجعة في ظل المعطيات الحالية.
اما الحكم باعدام مرسي فانه يفتح الباب رسميا امام صفقة اقليمية دولية تعيد ترتيب الاوراق. ولا يجب التعويل على ما تسرب من رفض النظام لاي وساطة بهذا الشأن، إذ انه يمثل اعتراضا على بعض الوسطاء الباحثين عن دور او منافع خاصة، وليس على مبدأ الوساطة نفسه. اما الحقيقة فهي ان السيسي لا يريد ان يكون اول رئيس يعدم رئيسا سابقا، وهو لن يتردد في الاستفادة من حقه الدستوري في اصدار عفو عنه، اذا حصل على صفقة يستطيع بيعها للرأي العام والجيش خاصة على انها تحقق المصلحة العليا للبلاد، خاصة مع وجود تيار شعبي سيتعاطف مع مرسي تلقائيا في ظل حصول مبارك على البراءة. وفي انتظار تلك الصفقة سيعمد الى شراء الوقت وتعظيم المقابل المطلوب، عبر اظهار ان الضغوط السياسية والاعلامية واعمال العنف قوت نظامه بدلا من ان تضعفه. ولا يمكن النظر الى معطيات تلك الصفقة بعيدا عن اطارها الطبيعي المتمثل في اتساع التراجع الاقليمي لحركات الاسلام السياسي، كما حدث في تركيا مؤخرا، وهو ما توقعناه سابقا نتيجة لما يعرف بـ»تأثير الدومينو» بعدما حدث في مصر.
فهل تكون الذكرى الثانية لـ30 من يونيو التي تحل قريبا فرصة مناسبة لكافة الاطراف لمراجعة مواقفها والتمييز بين الامنيات والحقائق، ومن ثم تبني مقاربات اكثر واقعية قادرة على انجاز تسوية سياسية؟
٭ كاتب مصري من أسرة «القدس العربي»
خالد الشامي