هل نشهد عودة مسرحية «الانسحاب أحادي الجانب»؟

حجم الخط
2

إلى أين يريد أن يصل نتنياهو؟ سؤال يطرحه كثيرون ممن يراقبون مجريات الأمور داخل المنافسة الحكومية المحتدمة في دولة الاحتلال؟
فتضييق الخناق على المقدسين وسرقة بيوتهم وتوسيع المستوطنات وإقحام المتطرفين في ساحات الأقصى وقتل الناس بدمٍ بارد واستصدار قراراتٍ حكومية عنصرية والسعي لطرد المحتجين الفلسطينيين ومصادرة هوياتهم والاستماتة لإصدار قانون القومية اليهودية وغيرها من مؤشرات، إنما يدفع الكثيرين للسؤال من جديد عن نوايا نتنياهو.
الجميع يعرف أن الخطوات الوحيدة التي ستجلب لنتنياهو الشعبية المرجوة يجب أن تأتي دائماً على حساب الفلسطيني، سواء على مستوى الإجراءات الآنفة الذكر أو على مستوى الخطاب الشعبوي التحريضي المتصاعد في تل أبيب، الذي يغلب مسرحية الادعاء بالحرص على «أمن» الاحتلال ودولته.
ما يرفض البعض تصديقه هو أن مسرحية أكبر، ربما يجري الإعداد لها في الخفاء بصورة تشكل الشكل النهائي لتصفية الصراع، حسبما يريدها نتنياهو وليس حله.
فالاحتلال وحكومته وحتى مرشحوه القائمون والقادمون، بمن فيهم العائدون من التقاعد لا يريدون حل الدولتين، ولا حدود الرابع من يونيو/ حزيران ولا عودة الفلسطينيين ولا القدس عاصمة لدولتين ولا سيطرة فلسطينية على الأغوار، ولا معابر يديرها غيرهم ولا تحّكما فلسطينيا في إدارة المجال الجوي ولا الطيف الترددي وهم أيضاً لا يقبلون بتوسع سكاني قد يؤثر على التعداد البشري، خاصة داخل دولة الاحتلال.
حقيقة إسرائيل أنها ترى في الاحتلال فرصة لتوسيع نفوذ السيطرة الجغرافية والمائية، سواءً من خلال المستوطنات أو الجدار، ومنصة لتطهير البلاد من التركيبة العربية بممارسة التهجير الممنهج وسن القوانين العنصرية الحاسمة التي تقود إلى سحب الهويات والإبعاد، كما أنها تعي أهمية الانقسام الفلسطيني لدوره في تشتيت الفلسطينيين وإلهائهم بمعاركهم الداخلية، بينما تستكمل مشروعها التوسعي الإحلالي الاستبدالي. لذا فإن توسيع المستوطنات وتسريع بناء الجدار العنصري وتعجيل استصدار قوانين الهوية والقومية وتضخيم إجراءات البطش العدلية والشرطية في وجه المحتجين الفلسطيني، والسعي لجر الفلسطينيين لمواجهة، توفر لإسرائيل الذريعة بالحفاظ على الأمن وتعزز مفهوم البتر الجغرافي والإقصاء البشري، إنما يؤكد على أن إسرائيل لن تقف مكتوفة الأيدي تشاهد القيادة الفلسطينية تستجير بالعالم عليها في مجلس الأمن وتبقى صامتة، خاصة أنها لا تريد أن تحكم الفلسطينيين لما يشّكلونه من عبء، لكنها وفي الوقت نفسه، لا تريد لهم أن يمتلكوا قوة على حدودها لا من خلال دولة لهم أو حتى من خلال سلطة حكم ذاتي.
وهنا يكمن سيناريو إمبراطور تل أبيب القادم، وهو افتعال مسرحية «الانسحاب أحادي الجانب» من الضفة الغربية وإلقاء ما تبقى على الأردن بالإكراه ومحاولة إغرائه عبر التلويح بإمكانية مساعدته مالياً وربما عسكرياً. ورغم رفض الأردن العودة لمربع الارتباط بالضفة الغربية واستنفار العاهل الأردني في مواجهة فكرة الوطن البديل، إلا أن إسرائيل لا تكترث بموقف أحد وإنما تفعل ما يناسبها ويتقاطع مع رؤيتها، باعتبار أن سنتمترات تبتلعها من الأرض هو أهم من سلامٍ لا تريده.
سيناريو «امبراطورية الاحتلال» ربما ينجح في حال استمرت قوة المحتل وسطوته العسكرية وقدراته التقنية والمالية.. لكن من قال بأن القوي يبقى على حاله؟
التاريخ الشاهد الفاصل ما بين الإمعان في الأحلام والغطرسة وبين عجلة التراجع والانكفاء والانهيار.

٭كاتب فلسطيني 

د. صبري صيدم ٭

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية