وماذا يعني لو احترق المسجد الأقصى؟ من سيبالي بحرق بيت الله في حين تم تدمير أمة بأكملها بعود ثقاب واحد حوّل بائع خضار يكاد لا يُرى بالعين المجردة إلى شعلة أذكت الرماد في فوهات مطمورة؟ هل تعتذر من الله على انشغالك عن بيته ببيتك الذي لم تزل تبحث عنه تحت الأنقاض؟ أم تعذر الصهاينة ما دامت عصابات الحروب الأهلية والأنظمة الطاغية لم تبق ولم تذر، من مقابر ومدارس وبيوت ومساجد وكنائس، وو؟!
هل هي صدفة أن تتهاوى رافعة في الحرم المكي على رؤوس الحجاج لنشاهد مذبحة نجا القدر منها بأعجوبة؟
ما هو السؤال الذي لم يطرحه الإعلاميون على حادثتين دمويتين في المسجدين الشريفين في تغريدة واحدة؟
كيف تفاعل رجال الدين مع هذه التطورات التي هزت عرش السماء؟ وهل تأخذ «داعش» استراحة محارب حين يتعلق الأمر بالله تعالى؟
نشيد الجزيرة
في أمسيته الشعرية التي بثتها قناة «الجزيرة» مباشر، خصص الشاعر الفلسطيني تميم البرغوثي أنشودة بالعامية المصرية للإله الجاهلي (هُبل)، في إحالة رمزية للحاكم العربي الذي نصب نفسه إلها يُعبد من دون الله، وسب الشاعر دينه ما دام بلا دين، وهي فلسفة منطقية، قد تكشف أول ما تكشف سطحية من سارعوا للاستغفار، فمم كانوا يستغفرون؟ ولمن؟ إياك أن تقع أيها القارئ في هذا الفخ، لأنني سأتخذ من هذه المصيدة ثيمة لمقالتي هذه، التي تضعك بين اختبارين: اختبار الوعي والإيمان، واختبار «هبل» الذي لن يرضيه أن نكفر به ما دمت تؤمن بربك!
خصومة مرفوضة
في أمسية الثلاثاء عقدت قناة «الجزيرة مباشر» حلقة حوارية تناولت فيها قضية اقتحام قوات الإحتلال والمستوطنين للمسجد الأقصى، واستضافت الدكتور مصطفى البرغوثي، الذي دعا إلى مقاطعة سياسية واقتصادية لدولة الاحتلال، بعد أن أكد للأشقاء العرب أنه لا يطلب منهم أن يتوافدوا إلى بيت الله بجيوش جرارة ومعدات عسكرية وطائرات مفخخة لكي يثأروا لربهم من ذبح صلواته وتدنيس محرماته، فكل ما عليهم فعله هو اتخاذ قرار بخصومة دبلوماسية خلال أربع وعشرين ساعة من اللقاء، لا أكثر ولا أقل !
طبعا لا نتوقع استجابة تُذكر، فالصرخة ذهبت أدراج الرياح، وكشفت زيف الذبذبة العربية والذرائع الواهية حول استحالة مواجهة جيش الإحتلال المدعوم من أعتى قوى العالم، لأن العجز عن الحرد السياسي وهو أضعف الإيمان، يؤكد أن الأمر لا يتعلق بالاستعداد العسكري بل بالاستعداد النفسي وهذا قائم أصلا على مدى إيمانهم بالله، وما داموا لا يؤمنون به، سيظل «هُبل جديرا» بسب دينه !
خدر إعلامي
الضيف الآخر في هذه الحلقة كرر ما كتبه الداعية سلمان العودة على صفحته في «تويتر» كأول ردة فعل على حرق المسجد الأقصى: «ما الذي يمنع بني صهيون من مطاردة المرابطين ووصفهم بالإرهاب واحراق المسجد وهم يرون حكومات عربية تفعل هذا بالمساجد دون اكتراث»؟
فماذا تفهم من عبارة الداعية والضيف؟ طبعا أداء المذيع لم يرق لمستوى الحدث ولا لمستوى الأطروحات التي اكتظ بها برنامجه، فقد بدا الإعلام بشكل عام متراخيا ، مفتعلا، مخدرا، كأن قضية الأقصى الشريف أصبحت مستهلكة، لا تثير استقطابا جماهيريا كقضية البراميل والدستور والإخوان والعساكر!
ربما عليك أن تتخيل نفسك اسرائيليا وأنت تقرأ هذه الإمضاءات الملغومة، فهل كنت لتكترث حقا أو تندم أو تخاف أو تقلق لحرقك دارا للعبادة؟ ألن تعزز فيك هذه الهدايا المجانية ثقتك بجريمتك؟ ألن تجد فيها «صك غفران» ومبررا شرعيا لحربك مع الله؟! لو كنت اسرائيليا، لن تشكر الطغاة، إنما ستشكر من لا يؤدون واجبهم اتجاه ربهم، ولا يشحذون النفوس بالهمة والعزيمة للاستبسال بالدفاع عن المقدسات ويكتفون بإحباط المسلمين وحصرهم في قوقعة إدانة الطغاة وتحميلهم وزر انتهاكات الصهاينة، فيا نيال بني صهيون بمن يصهرون الوعي، فبدل أن يحثوا الشعوب على الثأر لله، يثأرون منه لصفقاتهم السياسية، فهل تلوم الحكام أم كهنتهم؟ ثم ماذا لو حصلت معجزة واحتشدت الجيوش العربية لتحرير القدس؟ هل ستستغرب لو رأيت «سلطة أوسلو» تتهم العرب باحتلال فلسطين وتلجأ لاسرائيل طلبا للعون؟! ماذا تقول إذن؟ لا تقل سوى: «ينعن دينك يا هبل» !
حرم يبكي على حرم
أكثر المشاهد المؤثرة عرضتها قناة «الجزيرة»، التي مرت بشيخ أمام باحة المسجد الأقصى المبارك، يبكي على ربه، داعيا المسلمين لشد الرحال إلى أولى القبلتين بدل توجه ملايين من الحجاج إلى مكة، لأن الحج في سبيل حماية بيوت الله أعلى مراتب العبادة، فعداك عن جمالية هذه الدعوة فإن مبررها الشرعي والديني يطيح بكل الذين لم يجرؤوا على اعتبار الدفاع عن مقدسات الله حجا أكبر في هذا الظرف العصيب، الذي يعدل فيه هذا المرابط الفلسطيني بوصلة التغريدات التويترية بصرخة لم يلبها الحجاج إنما لباها الحرم المكي، وهو يخر باكيا نازفا بحادثة سقوط الرافعة حزنا على محرقة الأقصى، فهل تعتبرون، أم تستغفرون حين نلعن «دين هبل» !
ابنة السادات رأت إسلامبولي في الحرم
حسنا إذن لقد قتلتم السادات، ولو لم تكونوا قد فعلتم لكنت قتلته أنا، ولكن لماذا قتلتموه؟ بسبب «كامب ديفيد»، أم لأنه تطاول على شيخ من شيوخ الأزهر ونعته بالكلب؟
من أهم عندكم: الله أم أحمد المحلاوي؟ الغريب في الأمر أن وائل الأبراشي لما أجرى لقاء مع أم خالد الإسلامبولي، حاول أن يشد انبتاه المشاهد إلى الإجابة الثانية أكثر، خاصة لما قال إنها شوهدت في ميدان التحرير تهتف لابنها وتطمئنه أن مصر أخذت بثأره.. فهل فعلا قامت الثورة لتأخذ بثأر إسلامبولي بعد ثلاثين عاما؟ ما هذه الثورة التي مات أبطالها وشبعوا موتا وظلت تنتظر اختمار الجثث كل هذا الوقت لتقوم قائمتها؟ بينما نصف من حملوا شعلتها ربما لم يسمعوا حتى باسم صاحب الثأر ولا يتذكرون عن السادات سوى أنه «فرط» من الضحك والقهقهة في المؤتمر الصحافي الذي دشن توقيع «كامب ديفيد»، حين شكر بيغن كارتر على جهوده التي لا يضاهيها سوى ما بذله أجداده ببناء الأهرام ففضح أهم بند من بنود المعاهدة: الإعتراف بمصر كإرث تاريخي للاسرائيليين!! ردة فعل السادات المضمرة كانت أكثر وقاحة، حين قهقه في سر مناحيم بيغن: «ينعن دينك يا هبل»، فضحتنا !
ثم يأتي عمرو عبد الحميد في احتفالات مصر بالقناة ليقول لك إن هذا الإنجاز لا يضاهيه سوى إنجازات السادات، ولم يفقه بهذا سوى مصطفى بكري، الذي أدان حماس باقتحام الحدود وإسقاط مبارك بدل أن يشكرها، فهل تصدق ابنة السادات، التي رأت إسلامبولي حيا يرزق ويؤدي مناسك الحج في مكة، أم ترفع إصبعك الوسطى على طريقة الاسرائيلية التي هنأت جيرمي كوربين بفوزه المهين لكلبهم المدلل: توني بلير؟
حظوظ داعشية
الطريف في الأمر أن الكثير من العرب سارعوا لإدانة العرب بمحرقة الأقصى، وهذا من حسن حظ «داعش»، التي لا يتذكرها هؤلاء إلا حين يتخذونها فزاعة لإخافة العرب منها، فلا تراهم يدينون صمتها على جرائم الصهاينة ولا يحاكمون تناقضاتها ولا يستبسلون بمهاجمتها لحسابات شخصية بعيدة كل البعد عن الحس الوطني أو العروبي أو الديني، تماما كما قال عبد الرحمن الراشد، ولست هنا أدافع عن أحد فكلهم مذنبون لا أستثني منهم أحدا، ومن يرى مأساة التشرد السوري يعرف كيف ضاعت فلسطين، وبمقدوره أن يرى المأجورين من مافيات الإعلام والصحافة يوغرون الصدور ويزرعون الفتن، ليتكاثر من حولهم المصفقون، بينما هم من وراء ستار يقبضون الثمن وفوقه «بوسات» شكر من قصور القتلة وعصاباتهم، فإن كنت تحترم عقلك أيها العربي اقرأ ما بين السطور، (تحذير لا أدافع عن حاكم ولا إعلام ولا حتى شعوب، ومن يجرؤ على توجيه شكر لي.. سأتهمه بالرشوة، فأنا لا أدافع هنا سوى عن عقل لغتي!).
دفعة موت
آينشتاين لم يكن من دفعة السادات في مقبرة الإستعراض الكامب ديفيدي للموتى، ولكنه اعتذر عن تحيزه لإسرائيل كي لا يصيب عقله العلمي بشبهة نووية ثانية، بينما ظل السادات يمارس شعائره الدينية على طريقة مبارك الذي أغلق معبر رفح بوجه الضحايا وفتحه لاستقبال نتنياهو على مائدة فطور رمضانية، في حين رد بيغن الصاع صاعين لحليفه في المقبرة، رافعا نخب المائدة: «ينعن دينك يا هبل»، فهل أكتفي أم أزيد!
كاتبة وشاعرة فلسطينية تقيم في لندن
لينا أبو بكر