هل يسير العالم حقا إلى ما توقعه جورج أورويل في روايته 1984؟

حجم الخط
0

■ يشهد العالم مؤخرا اهتماما كبيرا برواية الكاتب الإنكليزي جورج أورويل «1984» التي عادت إلى الواجهة، والتي يبدو أنها تعكس أفضل من غيرها خوف وتشاؤم المجتمعات العصرية من مصير مستقبلها. فقد حققت مبيعات الرواية في الولايات المتحدة الأمريكية أرقاما قياسية، بعد الفضيحة التي كشفت عن التنصت العالمي الذي تنتهجه أمريكا، وحدث الشيء نفسه بعد انتخاب ترامب رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية.
ولا يمر أسبوع إلا ويظهر مقال في جريدة ينبه إلى أننا نسير نحو الكابوس الذي رسمه لنا أورويل. وقد شهدت الجزائر تلك العودة بنشر روايتين تلمحان بطريقة مباشرة لرواية أورويل، من خلال عناوينها « 2084: نهاية العالم» لبوعلام صنصال و«2084: حكاية العربي الأخير» لواسيني الأعرج.
تعد رواية جورج أورويل 1984 التي نشرت في عام 1949 من أهم روايات القرن الماضي. تجري أحداثها في بريطانيا الخاضعة خياليا لنظام ديكتاتوري شمولي، حين تشمل سيطرة الحزب الواحد على كل أوجه الحياة لدرجة تسربها إلى الأذهان ورصدها حتى الأفكار (شرطة الفكر في الرواية ترصد جرائم الفكر). يحاول بطل الرواية وينستون سميث الإفلات من قبضة الأخ الكبير (Big Brother) الذي يمثل طغيان النظام والرقابة الحكومية. ويتحدى سلطته من خلال محاولة معرفة التاريخ الذي يتم تزييفه باستمرار، أو من خلال قصة حب تحيي العواطف التي حرمها الحزب، كونها تشجع الفردية، بينما تشجع السلطة على كراهية الآخر والانتماء الأيديولوجي المتصلب الأعمى، وأخيرا من خلال الانتماء لأخوية سرية معادية للسلطة يتضح في نهاية الأمر أنها مزيفة، وأنها فخ نصب له. ويدرك بطل الرواية بعد فوات الأوان، أن الأمل الحقيقي في مستقبل أفضل يكمن في البروليتاريا أو الناس العاديين وطريقة عيشهم العادية السليمة.
تضخم رواية أورويل القمع الممارس من طرف الأنظمة الديكتاتورية في عدة بلدان في القرن الماضي، وهذه الاخيرة حملت عدة أقنعة منها النازية، الفاشية، الشيوعية بصبغتها السوفييتية… والتضخيم في الهجاء تقنية لا تهدف فقط إلى التخويف ولفت الانتباه لقضية ما، بل تعمل كذلك كمجهر لمختلف القضايا التي تخص المجتمع، فتُظهر ما تعجز العين عن رؤيته. وقد علق أورويل على روايته قائلا، إنه لا يظن أن عالما مشابها لروايته قد يحصل في المستقبل (آخذين بعين الاعتبار أن الرواية عبارة عن هجــــاء) لكن شيئا مشابها له قد يحصل. وأضاف أنه اختار إنكلترا مكانا للقصــــة لأنه يعتقد أن الافكار الشمولية منغرسة في نفــوس كل المثقفين الإنكليز، وقد أراد بروايته هذه أن يقودهم إلى عواقب أفكارهم تلك وليبين في الوقت نفسه أنه من الممكن لنظام شمولي أن يقوم في أي مكان في العالم إن لم يلق مواجهة.
لكن يجدر بنا ان نتساءل أولا: هل تعكس رواية أورويل فعلا أزمات عصرنا ورهانات مستقبله؟ من الصعب الإجابة على هذا السؤال. نحتاج في ذلك إلى العودة للسياق التاريخي للرواية لفهم مقاصدها كي نحكم بعدها على مدى علاقتها بحاضرنا.
أهم حدث في حياة أورويل، كما اعترف بذلك بنفسه، هي حرب إسبانيا التي شارك فيها (1936-1939) المندلعة آنذاك بين الفوضيون أو اللاسلطويون والحكومة الفاشية بقيادة الجنرال فرانكو. رأى أورويل هناك كيف قام ستالين بـ»تبخير» كل المعارضين الخارجين عن خط الحزب البلشفي. رأى أورويل هناك روائع المجتمع الذي بني خلال تلك السنوات حسب مبادئ الفوضية – اللاسلطوية في كتالونيا، حين ألغيت مثلا العملة المالية، فلم يعد هناك سيد وخادم، بل الكل يعمل جنبا لجنب، أو حين تم تقسيم الثروة حسب الحاجة وليس بالضرورة حسب المهارة، كما جرت العادة. لكن لم يدم هذا المجتمع إلا مدة قصيرة حتى اتحدت القوى الكبرى على إجهاضه. سحق تحت قنابل الفاشيين الذين استعملوا المغاربة والأفارقة لقمع الشعب الإسباني ودعمهم هتلر وأضعفتهم الضربة التي جاءت من وراء، أي خيانة ستالين الذي ساعدهم في البداية، والذي انتهز في ما بعد الفرصة ليتخلص منهم ومن أفكارهم. ذلك لأنهم، عكس الشيوعيين، لا يؤمنون بضرورة المرور بمرحلة ديكتاتورية لإرساء الاشتراكية العادلة زد على ذلك كله تواطؤ وسكوت الغرب الذي كان يرى في الفوضيين عدوا لدودا، ذلك لأنها حركة نشأت في الأصل ضد الرأسمالية والديكتاتورية الاقتصادية.
خيانة الاتحاد السوفييتي للفوضيين جعلت أورويل يدرك حقيقة الاتحاد السوفييتي الذي سمم المشروع الثوري ضد الرأسمالية بتبريره القمع الشنيع واحتقاره لمبادئ الحرية، وذلك كله باسم التقدم والعدل. فسعى بروايته الأخيرة «1984» إلى تفكيك الأسطورة الشيوعية السوفييتية ومشروعها «الطوبي» بغية الكشف عن أنياب المتعطشين للسلطة المتسترين وراء قنـــــاع الأخــــوة (Big Brother) والثورة والتغيير.
فالعدو الأول للحرية والمشروع الاشتراكي- الديمقراطي، في نظر أورويل إذن، هي الشيوعية في صبغتها السوفييتية. والماركسية نفسها تدعو الحريات الفردية في ديمقراطيات الغرب بـ«الوهم» البورجوازي بينما يؤمن أوروبل باشتراكية تحافظ على التقدم الذي تم تحقيقه في الغرب، خاصة مكسب الحريات الفردية وعلى رأسها حرية التعبير. ويمكن قراءة مشهد تحطيم كرة البلورالجميلة لحظة التوقيف، الكرة التي أعجب بها وينستون سميث واقتناها خفية في عالم حرّم فيه الجمال وسمّاها «قطعة تاريخ» كرمز لمكسب الحرية في الغرب؛ مكسب جميل لكنه هش يمكنه الانكسار إن لم يتم الحفاظ عليه. ولكن أين هو عصرنا من كل ذاك؟ انهار معسكر الشرق وصرنا في عصر العولمة وانتصار «الرأسمالية العالمية». لم تعد فكرة الشيوعية تحرك ساكنا بينما كانت إلى غاية السبعينيات تتسبب في مظاهرات في العديد من دول العالم. أما اليسار الغربي فلم يعد فيه ما يميزه عن اليمين، وليس ماكرون في فرنسا وترامب في أمريكا إلا بمؤشرات تنذر بمعضلة الفراغ الأيديولوجي السائد وسيطرة المال على السياسة. بالتالي، وفي ظل الفراغ الأيديولوجي الذي نشهده اليوم، ألا تصير رواية أورويل (التي تهدف إلى تفكيك مشروع طوبي لم يعد له وجود أصلا) ستارا يخفي غياب البديل للرأسمالية المنتصرة (حين يملك ٪1 من سكان العالم قرابة 50٪ من الثروات العالمية و50٪ من سكان العالم لا يملكون شيئا) بكل سوءاتها التي يتضاعف أثرها على بلدان العالم الثالث، عندما لا يجدون سبيلا سوى الانفتاح أكثر على سوق عالمية التي لا ترحم.
يقول المخرج المكسيكي ألفونسو كوارون معلقا على فيلمه «أبناء الإنسان» المقتبس عن رواية الكاتبة الإنكليزية فيليس جايمس، إن الديكتاتورية الهرمية التي يوجد على رأسها أخ كبير (Big Brother) هي تصور قد ولى عهده، فهو اختراع من صنع القرن العشرين. تحمل الديكتاتورية اليوم، حسب المخرج، أقنعة أخرى، كقناع الـ»ديمقراطية» مثلا، كما حصل في المكسيك. ويضيف الفيلسوف السلوفيني سلافوي زيزك أننا ربما في عصر الأخ الأصغر؛ فمن يشد بزمام الحكم يشبه جارك بقميصه ونظاراته، مثل بيل غيتس الذي يملك ثروة ونفوذا عظيمين في العالم بأسره بفضل الملكية الفكرية التي يجدر بها أن تكون ملكية مشتركة. والأخطر من ذلك كله أن من يدفع له يعتبره قدوة ومثالا للنجاح. وفي حقيقة الأمر، أغلب التكنولوجيات (كالإنترنت مثلا) تم اختراعها من طرف القطاع العام—يعني بأموال الشعب ليستولي عليها في ما بعد القطاع الخاص ويكسب من ورائها أموالا طائلة ونفوذا واسعا. وتجد في ما بعد أمثال بيل غيتس على قائمة المتبرعين في إفريقيا وآسيا، فكأنما يأخذ بيد ويعطي بالأخرى.
رغم كل هذا، فمازالت رواية اورويل تعكس العديد من جوانب عالمنا الحالي. كانقسام العالم إلى قوى كبرى تتنازع المناطق الباقية في العالم وتُبقِي الحروب فيها لتجعلها مصدرا للثروات تنعش بها اقتصادها وتجعل منها في الوقت نفسه فزاعة للفت الانتباه وتفادي مطالب التغيير الداخلية. وفي الرواية كذلك تحذير من الأخويات الزائفة التي تسمم المشاريع الثورية والإصلاحية. وأخيرا، تحتوي رواية 1984 على رسالة قوية للمثقف أو المفكر المنفصل عن حقائق مجتمعه وشعبه والذي يعيش في عالم الأفكار المجردة والأيديولوجيا، أيّا كانت، والتي تعيقه عن النظر إلى مختلف مسائل المجتمع بمنظار سليم. تجرُّدٌ قد يقوده إلى جنون القول (مثل أوبراين في الرواية) بأن 2 زائد 2 يساوي 5.

كاتب جزائري

هل يسير العالم حقا إلى ما توقعه جورج أورويل في روايته 1984؟

الأمين فاروق

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية