هنالك في جبال افريقيّا: أوتنازيا

هو حرفةُ الأرضِ النباتُ، وأبجديّتُها.. تدورُ به، يدورُ بها..
نسيجٌ من خليطِ كلامِها العشبيِّ، من يخْضورهِ..
وهُوَ القفَا والوجهُ، ذاكرةُ السلالةِ، خيطُها الزمنيُّ..
أرضيٌّ.. سماويٌّ.. وبرّيٌّ.. وبحريٌّ..
لهُ أيدٍ مُدرَّبَةٌ لترتطمَ النجومُ بهَا،
وسيقانٌ مُتَرّبَةٌ؛ بها الأعشابُ كالأشجارِ في وجه السماءِ،
تقولُ واقفةً إذا ما حزّها عطشٌ: كذا أنا فاذهبي!
ألِفُ الترابِ وياؤهُ.
لا شيءَ من خَزِّ الحياة وحَزِّها، وكلامِها العِمّيتِ
صانعةِ التوابيتِ ـ البيوتِ؛ يهزّهُ!
٭ ٭ ٭
أرضٌ له معجونةٌ بصخورها
أرضٌ له بمزاج أنثى..
ربّما لَبَسَ الثلوجُ بِهَا، على الأعشابِ خُضرتَها؛
فأغفتْ دونما ألمٍ، وأحنتْ رأسَهَا
ظهرًا لبطن.. ربّما بطنًا لظهرٍ (مثل سيّدتي بُعيْدَ الحبّ)
تعرقُ؛ ثمّ تَذرِي ملحَها..
تتوقّد الأوراقُ منهُ.. اللوزُ مشتعلاً بِزهرِ اللوزِ..
والزيتونُ في مشكاتِهِ.. شرقيّةً.. غربيّةً.. خضراءَ..
يصنعُ في أناةٍ زيتَهُ..
٭ ٭ ٭
وجبالُ أفريقيّةٍ حيثُ المسافةُ كلّ عينٍ أُتْرِعَتْ
عرباتُ آلهةٍ لنا..
بيضاءُ أو زرقاءُ أدنى ما تكونُ.. كأنّها فوق الرؤوسِ رؤوسِنا..
أمشي بها مُتدرّجًا مثل الصباحِ
على حجارِ نيازكٍ.. أثلامِ محراثٍ.. وصخرٍ قاتمٍ..
متوهّمًا أنّي سعيدٌ مثلهَا..
أنا لا أفكّرُ في انفلاقِ صخورِها ورصاصِها
ـ وجُلودُها لونُ البنفسجِ وسْطَ أدغالٍ من الأعشابِ ـ
لولا الحاجزُ الصخريّ يلمسُ أوْجُهًا منّا،
وَنسْرٌ لا فضاءَ له سِوى ما خلّفتهُ الطائراتُ.. تدورُ
لكنْ لا تكلُّ..أزيزُها قرْعُ الطبولِ..أزيزُها الطاحونُ..
نسرٌ لا يرفّ جناحُهُ!
هل كان يجلسُ في الفراغِ؟
هناكَ في جبلِ الشعانْبي حيثُ لا تتنفّسُ الأشجارُ..
حيثُ الريحُ لا ورقٌ لها..
٭ ٭ ٭
للحبّ ظلٌّ..
كلّما أبصرتُ عشبًا.. قلتُ نستلقِي.. وسوفَ تدلّنا حَشراتُهُ..
إفراقُ ثَوْلِ النحلِ.. ذي لغةٌ لنَا أخرى.. بنا تجري مع الأشياءِ حيثُ الحبُّ في الستّينَ
فاكهةٌ لِلَحْمِي أوْ للحْمِكِ.. واجبٌ لكِ مدرسيٌّ.. مثلما هُوَ لِي أنا.. تقليمُ أشجارٍ على هَرمٍ..
وللكلماتِ كالأعشابِ لحمٌ.. بعضُ ذاكرةٍ.. ويَعْرُوهَا الذي يعْرُوكِ من خوفٍ..
ويعْرُونِي أنا مستجمِعًا لمَساتِنا.. كلمَاتِنا..
في كلّ ثَنْياتِ الملاحفِ كُلِّها..
لغةٌ تُحَنّطُنا معًا.. والخوفُ مثلُ الموتِ خيميائيُّها..
تتغيّرُ الأعشابُ.. كالكلماتِ.. كالأصواتِ.. مِنْ خوفٍ.. إذا باغتِّها..
٭ ٭ ٭
سيّانِ عند العشب غثُّ ترابِهِ وسمينُهُ..
سيّانِ إنْ يكُ مرّةً أنثى.. وإنْ يكُ مرّةً ذكرًا..
يؤخّرُ أوْ يؤجّلُ إذ تجفُّ الأرضُ من عطشٍ، ولادتَهُ..
ويعرفُ ما يروقُ لهُ.. ويعرفُ أنّه في بيتهِ أبدًا.. ولوْ بالتْ
كلابُ حراسةٍ.. فيهِ.. ومَخمُورُونَ..أوْ حتّى نَباتِيّونَ.. يعرفُ أنّه بِبرازِهِمْ..
وببولهمِ يقتاتُ..
يعرفُ أنّه يذْوي.. كما يذْوُونَ..
لكنْ لا يسافرُ مثلهمْ إلاّ إذا حملته ريحُ الصيفِ..
لكنْ للنباتِ فُتوّةٌ.. ولهُ مُراهقةٌ..
وَيَمْرَحُ كالبناتِ..(أكادُ أُجْهِشُ حينَ أسمعُ
ضحكةَ الأحشاءِ..)
قلْ هل نحنُ غيرُ ظلالِ مَن سيجيءُ من أبنائِنا؟
٭ ٭ ٭
عَصَبُ الطبيعةِ.. خيطُها الزمنيُّ..
لكنْ للنباتِ جنونُهُ إذْ يستطيلُ.. ويستطيلُ.. وقدْ يرقُّ مع السنينَ كما نرقُّ..
وقدْ ينامُ كما ننامُ.. فلا زمانَ لهُ
لِتحْمِلْ أيُّ ريحٍ شلْوَهُ.. أصْداغُها منفوخةٌ.. أنّى تشاءُ..
فللنباتِ رَعَاعُهُ الأنذالُ.. أعنِي الخارجينَ/ الخارجاتِ
على تقاليدِ النباتِ..وعُرْفهِ.. المُتسلّقينَ شُجيرةً..
أوْ كرْمةً حدْباءَ مثلَ الموتِ..
أو أشجار مطّاطٍ..
وَلوْلاَ الأوتَنازْيَا سرُّهُ الباقِي.. لَجنّحَ رابضًا فوق الجبالِ..
وربّما كالريحِ سيّرَها، وطوّق رأسَها
٭ ٭ ٭
الحبُّ يَملكُنَا رِواقيّينَ كنّا أم نباتيّينَ..
كانَ طريقَنا اللبنيَّ هذا الموتُ.. كانَ ولا يزالُ..
هُوَ الطبيعِيُّ.. الحياةُ هي الفسادُ..الموتُ حَلٌّ.. ربّمَا..
هُوَ بابُنا المفتوحُ مِنْ عدمٍ على عدمٍ..
لطعْمِ الصمتِ طعْمُ الموتِ في القصْرِين.. أوْ في القيروانِ
أعودُ وحْدي.. هكذا.. مُتوهّمًا أنّي سعيدٌ..
إذْ تُلعْلعُ في ممرِّ الليلِ أغنيةٌ.. وتفتحُ بابَها السرِّيَّ أعشابٌ لنَا..
وأقولُ إمّا رحّبتْ: لولاكِ أنتِ ـ العشبةَ البيضاءَ..
هل كانتْ تدورُ الأرضُ؟
هل كانت لتصنعَ تُربةٌ سَفْسافةٌ يَخْضُورَها؟
لولاكِ هل كنّا سوى خُضْرِ الأجنّةِ في القواريرِ النساءِ؟
ظلالِ أمواجٍ على الأمواجِ؟
مَنْ في الموتِ يأخذُ بِي الملَاكُ أمِ المهرّجُ؟ مَنْ؟
ويزدردُ الضبابُ الشمسَ.. آخرَ قطْرةٍ.. في أُرجُوانِ البحر..

شاعر تونسي

هنالك في جبال افريقيّا: أوتنازيا

منصف الوهايبي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية