وأخيرا، تحقق حلم غولدا مائير، الذي لم يصحُ بنو صهيون منه بعد، فجزيرة العرب قاب قوسين، أو هي أدنى من (بوسة الخشوم)، ما دامت مسلة «تيماء» اليهودية في متحف اللوفر، أثرا يهوديا مقدسا، أما زيارة قبر النبي محمد، حسب آخر الفَتاوِجَة، شبهة وثنية… واضحك أيها المشاهد على سكران ضرب ميتا، لا الثاني حاسس ولا الأول داري بيه، وأنت تتمنى حظا أوفر لحرب الضرائر والحريم، في مسلسل «إبراهيم»؟!
تكتب جيسيكا ستينبرغ في موقع «ذا تايم أوف إسرائيل» 2016، عن ارتفاع حرارة العلاقات بين الصهاينة والسعودية، مستبشرة باستعادة تاريخها، الذي يمتد لآلاف السنين، رغما عن توقف النشاط اليهودي المنظم في جزيرة العرب لسبعين عاما فقط، مع العلم أن السلطات السعودية سمحت لليهود عام 2014 بالعمل بشكل غير رسمي، ودون ممارسة صلواتهم!
تؤكد ستينبرغ أن اليهود عاشوا في القرنين السادس والسابع، في الحجاز «الشريط الغربي، الذي يضم المدينة ومكة» وخيبر وتيماء، وهي تمر بالرحلات الدينية «التي تسللت إلى التاريخ بذريعة التنقيب الأثري»، في أراضي اليهود المقدسة في جزيرة العرب، وعلى رأسهم الحاخام «بنيامين بن الرابي يونة التطيلي، الإسباني اليهودي، والذي قدّم بحثا ديموغرافيا عن اليهود على طول الطريق البري بين ساحل البحرالأحمر في شبه الجزيرة العربية ووادي النيل، فمن هو التالي على قائمة إسرائيل؟
جريدة الرياض تسبق الحدث ولا تحاكمه
الغريب في الأمر، هو التنافس الاستخباراتي بين علماء الآثار في الغرب على خطف ما تيسر من الرموز اليهودية في جزيرة العرب، لحفظها في أشهر المتاحف على وجه الكرة الأرضية «اللوفر»، كمسلة تيماء «الآرامية»، التي اكتشفها الرحالة الفرنسي «شارل أوغست هوبر» في قصر طليحان، وأدت إلى مقتله الغامض عام 1884، وهي المسلة التي اعتبرتها الكاتبة إرثا يهوديا، في حين سبقها الصحافي السعودي «سعود المطيري» بست سنوات في جريدة الرياض، ليكتب عن هذه التحفة في إشارة حيادية، مركزا على شرب القهوة، وطقوس الضيافة، وتنقيب القمل من ثيابه، بعد جولة حميمة في رحاب التاريخ، وتلميح خاطف لكتاب «رحلة داخل الجزيرة العربية»، وكان الأجدر به أن يسْتكنِه الأبعاد السياسية والتاريخية والأطماع الغربية المحمومة تجاه هذه المسلة تحديدا!
تستعرض الصحيفة الصهيونية، النقاط العليا لليهود في السعودية، في ظل غيابٍ موجعٍ للوعي النخبوي في الجزيرة العربية، حيث تخبر قارئها عن أهمية واحة «خيبر» التجارية على طريق البخور من اليمن إلى الشام، وأهمية الآبار الطبيعية، ثم المقبرة اليهودية وقلعة خيبر أو قلعة اليهود، وقصر رئيس القبيلة الأكثر ثراء، وحجارة تايما التي نقلت من متحف المدينة إلى اللوفر، ثم صخرة النصالة في واحة تيماء، وبئر هداج أو ما يمكنك أن تطلق عليها «زمزم اليهودية»، المذكور ة – كما تقول ستينبرغ – في سفر «إشعياء»، فهل هذا تشويه للتاريخ الإبراهيمي في جزيرة العرب؟ أم أنه اختطاف علني لمعجزات الأنبياء؟ أم هو تلاعب دعائي بالآبار المقدسة، وترويج لسرقة مملكة السماء من بابل حتى تبوك!
مملكة اليهود السعودية في هآرتز!
رغم أن موقع الحدث رد على مزاعم موقع هآرتز الإسرائيلي، مفندا المغالطات التاريخية في التواريخ والأسماء، إلا أن القضية لم تعد قضية دقة في الوقائع والأزمنة، أو حتى تزييف في الأحداث، فنحن نخوض مع الصهاينة حرب معلومات، منذ قرون، ولم يزالوا يحاججوننا بالحيل المقدسة، التي يفرضونها بكل الأساليب، للتلسيم بها كمصداقية وحيدة لأكذوبتهم الدينية، والجميع يتواطأ معهم بخشوع مطلق، في ظل بوار سوق الحقيقة، ورواج تدوير التاريخ، وإنعاش الدين، بما يتناسب مع مصالح العصر!
ديفيد آريل، دوّن العام الماضي، فبركته الالكترونية لمملكة اليهود في السعودية، معيدا تاريخ الأبجدية المستخدمة في لغة القرآن الكريم، إلى سوريا، بعيدا عن مهد الإسلام، منتقدا الإخفاء القسري للكشوف الهجائية في الإعلام السعودي، ومتهما إياه بالذعر بعد إدراكه الأصول المسيحية لأبجدية كتابه المقدس، والتي ترتبط أكثر بإمبراطورية اليهود التي ضمت بالإضافة إلى المملكة، اليمن، ومراكزه التوراتية «سبأ وحمير وصنعاء»، معرجا على اكتشافات الحملة الفرنسية لما أسمته مذبحة نجران، ثم مسيرة أبرهة، أما وصف «سيث فريدمان» لحائط البراق في «الغارديان» عام 2007، بأنه مكة اليهودية، فله ما له من دلالات غاية في الخطورة لأنه يجيب من حيث يدري ولا يدري على سؤال:
Sara Yoheved Rigier في المواقع الصهيونية: ماذا حدث لليهود في جزيرة العرب، التي ازدهر بها وجودهم بنسبة تفوق ثلاث مرات لوبياتهم في أمريكا هذه الأيام؟ خاصة وأنها تعتبره الأكبر على مر العصور من ناحية العدد والتأثير الاقتصادي الذي عكسته تجارة السلاح والمجوهرات والنبيذ ومشاريع الإعمار وبناء القلاع، والزراعة، في سياق صياغة هولوكست يهودية ارتكبها محمد في يثرب، فقطع رؤوسا وباع أطفالا وسبي نساء وحاصر ونهب ثروات ووو، كأنه «هتلر الأول»، وهي تعترف بأن ما تكتبه سخيف، وتنتابها رغبة بإلقائه في سلة المهملات، لأن هوليوود أكثر إقناعا من التاريخ، مستصرخة باليهود أن يعيدوا تشغيل الفيلم من جديد لأخذ العبر والتحرك إلى أرض أجدادهم وتحرير تاريخهم… ويلاه؟!
أيهما أخطر: المعرفة أم الأكذوبة؟
سألت مرة الدكتور فاضل الربيعي، صاحب كتاب «القدس ليست أورشليم»، عن استنتاجاته التاريخية حول أكذوبة أرض كنعان، وتأملاته اللغوية والسياسية والأنثروبولوجية، التي يسعى فيها لإثبات الوجود اليهودي في اليمن وليس القدس، مستعينا بأسماء المدن اليمنية التي تم تحريفها وإسقاطها على المدن الفلسطينية، وقد كتبت لكم مرة عن تعمد الصهاينة لإخفاء نتائج المسح الفضائي لحضارة اليمن القديمة، وما يحمله هذا من مخاطر تفوق احتمال التاريخ البشري وذاكرة الأمم والعصور، سألته: ألا يمكن أن تثبت دراستك حق اليهود في بلاد العرب القديمة؟ ألا يدعم هذا حلمهم التاريخي بإسرائيل الكبرى؟ ألا تعتقد أن الأمر لا يثبت أكذوبة أورشليم المقدسية بقدر ما يعطي إسرائيل وعدا جديدا بأراض أخرى توسع بها حدود القيامة بدلا من تقليصها؟ أجاب بما معناه: لي حقي في التأمل العلمي والأركيولوجي، ورسالتي هذه تعني معرفتي ومشروعي كباحث، أما من يستغل بحوثي لمصلحته فهذا أمر لا يعنيني، ولا أستطيع أن أتحكم فيه أو أوقف عملي لأجله!
أنت تحتاج حين تحارب إلى أخلاق، أكثر مما تحتاجه في السلام، لأن السلام لا يتطلب منك سوى ولائم إعلامية باذخة، وبعبطة أو عبططة ناعمة «يعني احتضان ساخن» وفهمك كفاية أيها المشاهد الغير بريء، ودغدغات تاريخية تحت الحزام، والذي منو، بينما في الحرب، تحتاج لأن تطلق الرصاصة من فوهة الفتنة على أشباح الخراب، لا من جمجمة الشهداء، وأنت بكامل نزاهتك، فتخرج بقفازات نظيفة، لم تلوثها دماء الآلهة، ولم تلطخ أناقتها رقصات الشياطين في حرائق الملائكة، هذا هو التحدي الحقيقي الذي لا يقبل الخلط بين الأبطال ومجرمي الحروب، ويصنع أحد النموذجين: الفوارس أو الدّواحس، وكذلك الأمر بما يتعلق بحرب المعلومات، التي يُعَدّ الذكاء أهم معيار أخلاقي فيها، فأن تكون ذكيا بالكذب أو ذكيا بالمعرفة، يعني أن تنتصر حين تستخدم العقل، مادامت المعلومة وحدها ليست هي الرسالة!
لن نفرح حين يحتل الصهاينة مكة أو صنعاء، ولا حين نكتشف أن وجودهم في فلسطين غلطة تاريخية، تعمدوا ارتكابها، ولكننا حتما سنعض على لحم الموتى في مقبرة السماء، حين نراهم يتدفقون إلى جزيرة العرب، ليس في قوارب هجرة، كما حدث في فلسطين، إنما بمركبات فضائية تحط رحالها فوق الخيام الغارقة بالذهب الأسود، والمحروسة بالسيوف، التي تهز خصورالرجال كالدفوف، على الوحدة ونُصْ، وهسْ…لا تزعجوا الأغبياء والجبناء والإخوة الأعداء، ولا تتأهبوا للمعارك فتقطعوا الأثداء، أو تستدعوا جنود الاحتياط من السماء، فالحرب لم تعد تليق بالشهداء!
كاتبة فلسطينية تقيم في لندن
لينا أبو بكر