هوامش على رحيل الاستاذ هيكل

في هذا التوقيت دون غيره اختار الاستاذ ان يرحل. في شهر فبراير الذي قال لنا يوما في جلسة خاصة انه طالما شهد نقاط تحول فارقة في حياته، منها انه شهد خروجه من مؤسسة الاهرام عام 1974 بقرار عقابي من الرئيس الراحل انور السادات.
رحل محتفظا بمكانة فريدة انفرد بها لعقود طويلة، وجعلت من «الاستاذ» لقبا لايحتاج معه الى تعريف.
في لحظة كهذه، وحدها الامم التي تحترم قيمة تاريخها، ويعنيها استشراف مستقبلها، تعرف كيف تترفع عن المشاعر المختلطة بين الحزن والتبجيل والاحقاد والشماتة، وتتوقف لالقاء نظرة متأنية على ميراثها بكل انجازاته وانكساراته.
لم يكن متوقعا على اي حال ان يفقد الاستاذ هيكل قدرته على اثارة الجدل، حتى وقد تحول الى جسد في صندوق. بل لقد اثبت ان وفاته ليست اقل من حياته استفزازا او ازعاجا او اثارة لقلق خصومه. لكن بقي صادما ان بعض من يحسبون انفسهم على «حركات او جماعات اسلامية» لم يتورعوا عن الشماتة في موت رجل تسعيني، من اجل تصفية حسابات سياسية في دليل جديد على انهم مستعدون لانتهاك القيم والاخلاق الاسلامية.
ومن الطبيعي ان يوجد مخالفون في الرأي لهيكل في قضايا عديدة، بينهم كاتب هذه السطور، وخاصة خلال فترة الحكم الناصري التي كان احد اعمدتها الرئيسية. لكن هذه الجرأة التي سمحت للبعض ان يهيل التراب على احد اهم الكتاب في تاريخ الصحافة العالمية وليس العربية فقط، بحجة الاعتراض على احد مواقفه، انما تشير الى حالة من الهستيريا، او الجهل، او القراءة سيئة القصد لمسيرة انسانية حقيقية من الصراع والابداع تتجاوز ابعادها شخص هيكل وحدود مصر والعالم العربي الى ابعاد كونية.
نعم لقد استفاد من وجوده بالقرب من الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، لكن اين ذهب من كانوا مقربين من السادات او مبارك او غيرهما من الزعماء؟
لقد احتفظ هيكل بقدرته على التأثير وصنع الاخبار بل وان يكون مصدرا لها لخمسة واربعين عاما بعد رحيل عبدالناصر، بينها اربعون عاما لم يكن يشغل خلالها اي منصب رسمي.
ومن المفارقة ان يضطر السادات الى اعتقاله في العام 1981 بعد ان عجز عن الرد على انتقاداته لعقد سلام منفرد مع اسرائيل، ثم يمنعه مبارك من الكتابة داخل مصر حتى التسعينيات، ثم يضطر بعض انصار جماعة الاخوان الى احراق مكتبته التاريخية عقابا على ما اعتبروه «دوره في التحريض» على اطاحة حكم الجماعة في عام 2013، بينما مازال البعض يعتبر ان سر قوته كان قربه من عبدالناصر الذي توفي في العام 1970(..).
اما الذين ينتقدونه لقربه من الرئيس عبدالفتاح السيسي، فلهم ان يستمعوا الى اخر تصريحاته التي اعتبر فيها «ان مصر تواجه للمرة الاولى خطرا وجوديا، وانها مهددة بالخروج من التاريخ، وان النظام لايمكن ان يكتفي بالامنيات في مواجهة هذا الخطر». لاشك ان السيسي قد شعر بالانزعاج الشديد حتما من الاستاذ اذ استمع الى هذه الانتقادات غير المسبوقة داخل مصر. ولكن هذا ليس جديدا على الرجل الذي كان اول من اعلن من داخل مصر قبل عشرين عاما ان «نظام مبارك شاخ على كرسيه، وانه لا علاقة لها بالسياسة».
اذكر جيدا المرة الاولى التي استمعت فيها الى الاستاذ قبل نحو ربع قرن. كان النظام سمح له اخيرا بعقد ندوة في معرض الكتاب بالقاهرة. كان طوفانا من البشر ينصتون اليه وكأن على رؤوسهم الطير، خاصة عندما وجه انتقادات قوية للنظام. انبهرت بقدرته على ان ينحت الكلمات في القائها، تماما كما يكتبها، ما يجعل قيمته الادبية لاتقل عن قامته الصحافية. وعندما التقيته بعد نحو عشر سنوات من تلك الندوة في لندن، فوجئت بروحه القادرة على اثارة المرح والدهشة وسط نقاشات السياسة الكئيبة، وخاصة عبر روايته لمفارقات اثناء عمله مع عبد الناصر، تمنيت لو انه افرد لها كتابا خاصا.
اخيرا لا افهم تهاون النظام في مصر تجاه التكريم الواجب للاستاذ في رحيله، وهو الذي رفض اي تكريم في حياته. ولا افهم كيف لا تقام جنازة رسمية لائقة لهيكل، فيما تقام جنازة عسكرية لبطرس بطرس غالي، مع الاحترام الكامل لدوره الوطني والانساني، خاصة في كشف المجزرة الاسرائيلي في قانا، والتي تسببت في تطيحه الولايات المتحدة من الامانة العامة للامم المتحدة.
الا ان التكريم الاهم يبقى في تحقيق وصية الاستاذ المتمثلة في ان ينكب خبراء على وضع رؤية عملية لمصر والعالم العربي في مواجهة تحديات اقليمية ودولية عاتية، ثم احياء القيم الوطنية والعروبية والمهنية التي كافح من اجلها بغض النظر عن مدى نجاحه او اخفاقه في تحقيقها.
كاتب مصري من أسرة «القدس العربي»

خالد الشامي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية