لا يحتاج الجيش المصري إلى افتعال دعاية له للتأكيد على مكانته، على النحو الذي يفعله عبد الفتاح السيسي، الذي يعمل على الهبوط به إلى مستوى الحزب السياسي، ويعوض به افتقاده للتنظيم السياسي الذي يمثل ظهيراً له، ويستغني به عن حلفائه السابقين في ما سمي بـ»جبهة الإنقاذ»، التي اشتكت أحزابها مر الشكوى من أن السيسي لم يلتق بقيادات هذه الأحزاب بعد أن صار رئيساً ولو مرة واحدة!
الدعاية المفتعلة، تمثلت في الاحتفال، الذي تم لأول مرة، بمشاركة الجيش المصري في الحرب العالمية الأولى في سنة 1914، وتم إنتاج فيلم وثائقي عن هذا الدور، وبدا الحديث عن القدم هو الهدف، ففي أول فقرة في الفيلم، تقول المذيعة إنه تأسس على يد زوسر، فرعون مصر، قبل أربعة آلاف سنة.
كثيرون ربما فوجئوا بهذا الاحتفال، والحرب العالمية الأولى يجري تدريسها عبر كتب التاريخ بحياد، فهي حرب لا ناقة لنا فيها ولا جمل، والمشاركة فيها لم يكن خياراً مصرياً. فمصر كانت واقعة تحت الاحتلال البريطاني، وبريطانيا العظمى كانت تمثل رأس الحربة في قوات الحلفاء. وعندما تذكر اسم الدول التي شكلت هذه القوات، فلا ذكر لمصر ودورها في هذه الحرب، التي كان يطلق عليها «الحروب الأوروبية»، وكانت كاشفة عن الطموح الاستعماري للدول المشاركة في الطرفين، ولا أظن أن مصر في هذه المرحلة كان لديها طموح «استعماري»!
وقبل هذا وبعده فقد كان لكتاب، ولأحزاب، مواقف مؤيدة لدول المركز، وعلى طريقة كيد المحتل، ولم يتم اتهامهم لا وقتها ولا بعدها، بأنهم تآمروا على الجيش المصري، الذي تبين أن له دورا إلى جانب قوات الحلفاء، بما يمثل خيانة وطنية، في حال ما اذا أخذنا الأمر بجدية، وكانت المشاركة قراراً مصرياً خالصاً، وليس تنفيذاً لإرادة المحتل الغاشم.
في الدوائر المحيطة بعبد الفتاح السيسي، يصعب أن تجد من يعتمد عليه في القضايا الكبرى، والرجل وعلى الرغم من أنه لا يثبت عليه يوماً نبوغاً، فانه يتعامل على أنه يمتلك الحقيقة، وربما وجد أن دول المركز في الحرب العالمية الثانية كانت تضم الدولة العثمانية، فهنا كان الاحتفال المفتعل!
الخلاف بين أردوغان والسيسي دفع الانقلاب في مصر لاتخاذ قرار بمقاطعة «الدراما التركية»، وباعتبار أن الزعيم التركي سيشعر بالقلق لأنه لن يشاهد مهند عبر التلفزيون المصري وضواحيه، من فضائيات خاصة تشكل معه شاشات الثورة المضادة!
اللافت أن أحداً لم يلفت الانتباه إلى أن هذا الاحتفال لا يجوز ولا يليق ولا مبرر له، وربما كان الاعتماد على أن الناس في بلدي لا تهتم بقراءة التاريخ، وقد نشاهد في العام المقبل احتفالاً صاخباً في ميدان التحرير، ترقص فيه مؤيدات السيسي على «واحدة ونص» احتفالاً بذكرى انتصار قوات الحلفاء بقيادة مصر على دول المركز بقيادة أردوغان.
قناة «الجزيرة» بدأت منذ أمس عرض فيلم وثائقي من إنتاجها عن الحرب العالمية الأولى، إحياء للذكري المئوية لـ «الحرب العظمى التي تورط فيها العرب رغماً عنهم»، كما يقول الخبر الذي نشرته «الجزيرة» على موقعها.
أكتب هذه السطور قبل عرض الفيلم، الذي أعتبره فرصة للناس لتقف على حقيقة الحرب، فليس فيها ما يستحق ان نحتفل به، سواء الذين شاركوا مضطرين مع قوات الحلفاء، لأنهم واقعون في قبضة المحتل، أو الذين انضموا لقوات «المركز» فور مناداة مفتي السلطنة العثمانية بالجهاد ضد قوات الحلفاء!
بعد عرض الفيلم قد تتهم قطر بأنها أنتجت الفيلم بهدف الإساءة للسيسي ودوره التاريخي في حروب الردة!
المسلحون في الطريق
مدهش جداً الإنقلاب العسكري، الذي يحكم مصر الآن، فقد أذاع عبر التلفزيون المصري، أن ثلاثة آلاف مسلح سيدخلون مصر قريباً.. (س) يدخلون، وقريباً. فمن الواضح أنه سخر زرقاء يمامته، فرأت الثلاثة آلاف مسلح الذين (سيدخلون) مصر (قريباً)، ولعله يقوم بتحضير العفاريت، على النحو الذي ذكره هيكل عن فترة حكم عبد الناصر، وكيف أن كبار رجال دولته كانوا يديرون الدولة في حفلات تحضير الجان، وذلك في المقالات الست التي كتبها انحيازاً للرئيس السادات في معركته ضد من أسماهم مراكز القوى في مايو/آيار 1971. لا سيما وأن هيكل هو همزة الوصل بين العهدين: عهد عبد الناصر، وعهد السيسي. لا بأس، فالبأس الشديد، هو أنه ليس معروفاً على وجه التحديد المطلوب من متلقي هذه الرسالة وهو الشعب المصري.
هل يطلب مني شخصياً، أن استدعي جماعة صعايدة، وأذهب لكي ألاقي هؤلاء المسلحين الثلاثة آلاف الذين هم (سيدخلون مصر قريباً)؟! حسناً، لكن هل سيدخلون علينا من باب واحد، أم من أبواب متفرقة؟ أذهب أنا وجماعتي لملاقاتهم عند باب المندب، أم على الحدود الليبية، أم أمام معبر رفح؟!
وما هو دوركم يا معشر الانقلابيين الكرام، إذا كان الهدف من الرسالة أن أخذ حذري، أو أحشد قومي؟
لقد ذكرنا القوم ببيان مستشفى القلب في أسوان، الذي يشرف عليه الدكتور مجدي يعقوب، والذي استشعر حرجاً من وفاة الفنان خالد صالح بعد إجرائه عملية في القلب بالمستشفى، فجاء البيان أن مشكلة الفنان كانت معقدة.. وهل الحالة المعقدة من هذا النوع هي مهمة الطبيب المختص، أم ميكانيكي السيارات؟
فما هو المطلوب من المواطنين، عند اطلاعهم عبر التلفزيون الرسمي بأن ثلاثة آلاف مسلح (سيدخلون مصر قريباً)، هل يؤجرون قوات «فالكون» لحمايتهم، أم يستوردون قوات من بنغلادش؟!
يا له من انقلاب فضيحة.. لقد عاصرنا انقلابات وقرأنا عن انقلابات ولم أعاصر أو أقرأ عن انقلاب مسخرة بهذا الشكل.
ذات الرداء الأحمر
يعجبني مقدم برنامج «حدث اليوم» على قناة «قرانس 24»، توفيق مجيد، الذي يبدو من لهجته أنه تونسي، أو جزائري، وربما مغربي، لقدرته على إدارة حوار رصين، يناقش أكثر القضايا إثارة للجدل، دون أن تغادره ابتسامته، فتسيطر شخصيته الهادئة على الحوار، فيناقش الأزمة اليمنية ولا ينس أن يداعب ضيفه بأنه لأول مرة يشارك في البرنامج دون ربطة عنق!
في الأسبوع الماضي وفي فقرة من البرنامج كان يناقش قضية الحوثيين، وانتقالهم من العداء لعلي عبد الله صالح، إلى حلفاء، ربما لأن «المصائب يجمعن المصابينا».
كان مع توفيق في برنامجه فيصل جلول، وفرج معتوق، ومذيعة مونت كايرو «إيمان حمود»، والأخيرة مثلت «الثلث المعطل» في الحلقة؛ تُمنح الكلمة فلا تتكلم، ويتكلم أي من الضيفين ، فتلقي كلمة هنا وعبارة هناك، فتمنعهما من الاسترسال المفيد والانتقال بالموضوع إلى آفاق أخرى، وأحياناً تسأل، فلا نعرف ما إذا كانت مشاركتها باعتبارها ضيفة أم مذيعة تشارك «توفيق مجيد» في إدارة الحوار؟! وقد ظهرت أنها مهتمة بنفسها أكثر من اهتمامها بالحوار، وشغلها ردائها الأحمر عن موضوع الحلقة.
يبدو أن «إيمان حمود» كانت تهدف إلى اكتشافها كمذيعة تلفزيونية.. ها أنا ذا قد اكتشفتها، لكن لبرنامج صباحي خفيف على المعدة، ولا يتناول القضايا الإستراتيجية الكبرى، ويمكن أن أساعدها في الإعداد بفقرة أولية تطرح هذا السؤال وتجيب عليه: لماذا يفضل الرجل العربي الملابس الحمراء، بينما لا يفضل الرجل الغربي هذا اللون، هل لأن الفرنجة مصابون بعمى الألوان؟!
ثكلتك «مونت كارلو» لقد ضيعتي علينا الاستفادة من الحلقة.
العفو عن صحافيي الجزيرة
لا يحتاج عبد الفتاح السيسي لأن يصدر قراراً بقانون يعطيه الحق في تسليم المتهمين الأجانب لبلدانهم، حتى يفرج عن صحافيي قناة «الجزيرة».
منذ فترة والسيسي يعترف بالخطأ في محاكمة صحافيي «الجزيرة»، وفي لقاءات مع مسؤولين غربيين أرجع المشكلة للقضاء المصري المستقل، مع أن القبض عليهم كان قراراً سياسياً بيد السلطة التنفيذية.
في لقائه مؤخراً مع وفد ما يسمى باتحاد الصحافيين العرب، كرر السيسي «الاسطوانة» ذاتها عن رأيه في التعامل مع الصحافيين المتهمين، لكن ما باليد حلية، فلو كان «الود وده»، والإرادة إرادته، لقام بتسليمهم لبلادهم.
وهناك حديث متواتر على أن سلطة رئيس الدولة في العفو، تكون بعد حكم قضائي نهائي. وهو كلام يردده قانونيون، ولا أعرف من أين جاءوا به، فدستورهم في المادة 155 منه أعطى رئيس الجمهورية، بعد أخذ رأي مجلس الوزراء، الحق في العفو عن العقوبة أو تخفيفها، دون حديث عن لزوم أن يكون الحكم نهائيا.
ويبدو، أن السيسي وظف أزمة صحافيي «الجزيرة» ليمنح نفسه الحكم بتسليم الجناة في القضايا لبلدانهم، وأنه يبحث عن تسهيل مهمته، في تسليم الجواسيس الإسرائيليين مستقبلاً لرفع الحرج عنه. والمعلن هو الأزمة التي أحدثها اعتقال صحافيي «الجزيرة» عالمياً.
٭ صحافي من مصر
[email protected]
سليم عزوز